Top
Image Alt

اختيار القاضي وشروطه وآدابه

  /  اختيار القاضي وشروطه وآدابه

اختيار القاضي وشروطه وآدابه

لا يعين القاضي في الشريعة الإسلامية إلا الحاكم الأعلى كالسلطان أو الخليفة أو الرئيس إلى آخره، أو ما ينوب عنه في ذلك، ولا يُعيَن القاضي في الشريعة الإسلامية بطريق الانتخاب، إلا في حالة الضرورة القصوى، كأن تكون البلاد واقعة تحت الاحتلال والعياذ بالله.

وعلى ولي الأمر قبل أن يقوم بتولية القاضي أن يكون على علمٍ بأنه صالح لهذه الولاية، مستوفيًا لشروطها، هذا العلم يكون عن طريق تقدّم معرفة الحاكم الأعلى بهذا الشخص الذي سيُسند إليه ولاية القضاء، أو يكون هذا العلم مترتبًا على اختباره إياه، ويجوز تقليد القضاء من السلطان العادل والجائر، إذا كان هذا السلطان الجائر يمكّن القاضي من القضاء بالحق، ولا يتدخل في قضائهيجوز حينئذ أن يتولى القاضي الولاية من السلطان، وإن كان جائرًا؛ لأنه وإن كان جائرًا لكنه يسمح بقضاء العدل، ولا يتدخل في شئون القاضي، أما إذا كان يتدخل في شئون القاضي، فإنه ينبغي على القاضي أن لا يتقلد هذه الولاية؛ لأنه بذلك يكون متعاونًا معه على الإثم والعدوان.

ويشترط في القاضي في الشريعة الإسلامية شروط متعددة؛ لذلك سنذكرها على سبيل الإجمال، وهي شروط للتقليد -يعني لقبول التولية- وشروط لتنفيذ الأحكام التي يصدرها القاضي، وهي شروط كذلك بعضها متفق عليه بين الفقهاء، وبعضها مختلف فيه، وسوف نشير إشارات سريعة إلى بعض أوجه هذا الاختلاف، هذه الشروط على النحو الآتي:

الشرط الأول: الإسلام؛ لأن القضاء نوعٌ من الولاية، ولا ولاية لكافر على مسلم: {وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} [النساء: 141] وهو قول الجمهور، وفي مذهب الحنفية رأي يجيز أن يتولى الكافر القضاء على غير المسلمين، أي: يتولى القضاء على أهل الذمة أو أهل ملته أو على أهل دينه؛ لأن القضاء ملحق بالشهادة أو يقاس على الشهادة، والذمي أهلٌ للشهادة على الذمي، وقد حاول بعض المعاصرين في بعض البلاد العربية والإسلامية تبرير الواقع لتولية بعض القضاة غير المسلمين في المحاكم الإسلامية، لكن هذا التبرير لا قيمة له؛ لأنه يُفهم منه تطويع أحكام الشرع للواقع، والمفروض العكس.

الشرط الثاني: العقل؛ لأن العقل مناط التكليف، ولأن المجنون لا تصح شهادته، وبالتالي لا يصح قضاؤه، والمراد بالعقل الذي ينبغي أن يتوافر في القاضي الذي يُختار لتقليد هذه الولاية ليس مجرد العقل الفطري، إنما المراد بالعقل الفطنة والذكاء والألمعية.

الشرط الثالث: البلوغ؛ لأن الصبي ليس أهلًا لأن تكون له ولاية على غيره؛ لأنه هو نفسه لا ولاية له على نفسه، فكيف تكون له ولاية على غيره.

الشرط الرابع: الحرية؛ لأن نقص العدل عن ولاية نفسه تمنع من انعقاد ولايته على غيره، وإن كان بعض فقهاء المسلمين يرون أنه لا مانع من تولية القاضي إن كان عدلًا، لأنه تصح منه إمامة الصلاة، ولأنه مأمور أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وتقبل شهادته وروايته، ولأنه لا يمثل -كونه عبدًا-  نقصًا في إدراكه، لكن على أي حال، هذا الأمر أصبح غير ذي جدوى الآن لانتهاء الرق في العالم كله.

الشرط الخامس: الذكورة: أي أن يكون القاضي رجلًا، وهو قول الجمهور، وأجاز الحنفية توليتها القضاء في غير الحدود والقصاص قياسًا على الشهادة، وإن كان ينبغي إذا تأملنا أن نعلم أن الحنفية لا يجيزون تقليدها أو إسناد الولاية لها، ولكن إذا قلّدها السلطان أو الإمام، فأحكامها تنفذ وإن كان من ولاها آثمًا.

فالصحيح عند الحنفية أنهم يرون أنه لا يجوز توليتها للقضاء في الأصل، لكن إذا وُليت مع إثم من يرتكب هذا نفذ أو نُفذ حكمها، مع إثم من ولاها، وهذا عكس رأي الجمهور الذي يرى أن حكمها غير نافذ، وأنه لا يجوز توليتها أصلًا، واشترط الحنفية لنفاذ حكها أن يكون في غير الحدود، وأن يوافق قضاؤها الكتاب والسنة.

وقد أجاز توليتها القضاء مطلقًا بعض الفقهاء، كابن حزم وابن جرير الطبري، ولهم في ذلك شبه، لكن مردود عليها؛ وذلك أن القضاء نوع ولاية، وقد جاء في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لن يفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة))، لن يفلح، وهذا نفي للمستقبل، وقوم نكرة في سياق النفي فتعم؛ أي: لن يفلح قوم ما في أي عصر من العصور، إذا ولوا أمرهم امرأة، وهذا الحديث عام في كل العصور وفي كل النساء، وفي كل القضايا، ولا ينبغي أن يُحمل على أنه أطلق وأريد به الحالة الخاصة، التي ذكر فيها، وأن المقصود منه إنما هو أبناء الفرس أو الحكام من أهل الفرس؛ لأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم عام، والأصل في العام أن يحمل على عمومه إلا أن يخصص، ولم يعرف التاريخ الإسلامي لا في عهد الخلفاء الراشدين، ولا في عهد غيرهم، أنهم ولوا امرأة القضاء.

وأما قولهم: إن عمر بن الخطاب ولى إحدى النساء على السوق، فقد طعن فيه ابن العربي وقال: إن هذا لم يثبُت وإنما هو من قول أهل البدع.

الشرط السادس: العدالة: أي أن يجتنب الكبائر، أن يكون القاضي من الناس الذين يجتنبون الكبائر، ولا يصرون على الصغائر، ويجتنب ما يخلّ بالمروءة، وهو قول الجمهور وخالف الحنفية أيضًا؛ حيث أجازوا تولية الفاسق، ولكن لا ينبغي أن يقلد، يعني الأفضل أن يقلد غيره، لكن أجازوا تولية الفاسق، لكن يبدو أن ذلك قول منهم في حالة الضرورة، إذا ولاه حاكم مستبد، وحاكم ظالم،  في الحالة ينفذ أمره بالضرورة، ولكن الفاسق ليس أهلًا للأمانة، فالقضاء أمانة، والفاسق ليس أهلًا لها.

الشرط السابع: الاجتهاد: ومعناه أن يكون مجتهدًا يستطيع استنباط الأحكام من الكتاب والسنة؛ لأنها تعرض له نوازل، وقضايا جديدة، فينبغي أو يجب أن يكون مجتهدًا، وأيضًا خالف الحنفية في ذلك، حيث أجازوا تقليد غير المجتهد للقضاء، واعتبروا الاجتهاد شرط كمال لا شرط تولية، ولكنهم يبدو أنهم قالوا ذلك في الأزمنة المتأخرة؛ حيث قل أن تجد مجتهدًا يتولى القضاء توافرت فيه الشروط السابقة بصورة كاملة، فقالوا: أن يجوز على سبيل الاستثناء إلى أن يأتي المجتهد أو يوجد هذا المجتهد، وهو عندهم شرط كمال لا شرط صحة، فالراجح قول الجمهور؛ يُختار المجتهد يعني بحسب الإمكان حسب الموجود، إذا كان المجتهدون درجات فيؤخذ أحسنهم

الشرط الثامن: أن يكون سليم الحواس: بأن يكون سميعًا بصيرًا ناطقًا؛ لأنه محتاج أن يسمع كلام الخصوم وأن يراهم أحيانًا، وأن ينطق بطلب الشهادة منهم أو أن ينطق بالحكم، أما سلامة باقي الأعضاء فغير معتبرة، وإن كانت السلامة منها أهيب لصاحب الولاية.

من آداب القاضي:

أولا: أن يعالج نفسه على آداب الشرع، يعني أن يحاول أن يلزم نفسه بآداب الشرع؛ لأنه قدوة وموضع نظر للآخرين، وعليه أن يجتهد أن يكون جميل الهيئة، وقور الجلسة والمشية،  حسن النطق والصمت فصيحًا نجيبًا.

ثانيا: لا يجوز له أن يحكم لنفسه، ولا لمن لا تقبل شهادته له، كولده أو أبيه، وأن يسوي بين الخصوم في الدخول عليه، بأن يقبل عليهم بدرجة واحدة، وأن يستمع لهم بطريقة واحدة، وهذا لا يمنع من جواز تأديبه إن خرج على  حدود أدب مجلس القضاء، يؤدبه أدبًا تعزيريا بما يراه مناسبًا.

ثالثا: أن يبدأ القاضي بالسعي في الصلح، وتقريب وجهات نظر المتخاصمين؛ لأن الصلح خير.

رابعًا: عدم زجر الشهود؛ لأن الشهود قوم لا يستغني عنهم القاضي لأنهم يظهرون البينات، وقد نهى الشرع عن إيذائهم؛ لأنه إذا امتنعوا عن الشهادة بسبب زجر القاضي لهم ضاعت حقوق الناس، هم لا ذنب لهم، فهم في الغالب الأعم متطوعون، ولا مصلحة لهم، وإنما جاءوا لمعاونة القاضي على إظهار الحق، فينبغي أن يعاملوا معاملة كريمة، فلا يزجرهم القاضي؛ لأنه إذا زجرهم قد يمتنعون عن الشهادة وقد ينطقون بغير الصواب.

error: النص محمي !!