Top
Image Alt

ادعاء اليهود أنهم أبناء الله وأحباؤه ودعوة موسى عليه السلام لقومه أن يجاهدوا في سبيل الله

  /  ادعاء اليهود أنهم أبناء الله وأحباؤه ودعوة موسى عليه السلام لقومه أن يجاهدوا في سبيل الله

ادعاء اليهود أنهم أبناء الله وأحباؤه ودعوة موسى عليه السلام لقومه أن يجاهدوا في سبيل الله

1. المعنى العام:

يقول الله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِير} [المائدة: 18].

ادعى اليهود والنصارى أنهم أبناء الله، وأنهم أحباب الله، أما أنهم أحباب الله فهذا أمره هين وسهل؛ لأن كثيرًا من أصحاب الملل والنحل وأتباع الأديان كلٌّ يدعي أنه محب لله، وأنه حبيب لله سبحانه وتعالى وأنه هو وحده على الحق وأن غيره على الباطل، وأنه هو الذي سوف يفوز بجنات النعيم في الآخرة، وأنه إن عذب فلن يعذب إلا قليلًا.

والأمر كما سبق أن وقفنا عنده في سورة النساء عند قوله تعالى: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 123 – 124].

وأن الله سبحانه وتعالى أعلى حجة أهل الإسلام؛ لأنهم على الدين الصحيح، يؤمنون بكل الأنبياء، ويؤمنون بكل المرسلين؛ لذلك قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا} [النساء: 125].

2. ادعاء اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه ورد الله عز وجل عليهم:

فادعاء المحبة هذا أمر لا بد أن نلفت النظر إلى أنه دعوى يقول بها كثير من أتباع الأديان، وسوف نقف عند ادعاء اليهود والنصارى هذه الدعوى؛ لنرى كيف رد الله عليها.

لكن هل ادعى أحد من اليهود والنصارى أنه ابن لله؟

هذه فيها حديث ابن عباس رضي الله عنهما وفيه قال: أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نعمانُ بنُ آصى، وبحريُّ بن عمرو، وشاس بن عدي، فكلموه، وكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوفنا يا محمد؟ نحن والله، أبناء الله وأحباؤه. كقول النصارى، فأنزل الله فيهم: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} إلى آخر الآية الكريمة.

لكن هذا القول ربما كان قولًا لابن عباس، والواقع أن الأئمة أجابوا عن هذه المسألة بما يلي:

أولًا: أن هذا من باب حذف المضاف والتقدير: نحن أبناء رسل الله، فأضيف إلى الله ما هو في الحقيقة مضاف إلى رسل الله، ونظير ذلك كما يقول الإمام الرازي قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح: 10].

ثانيًا: وأيضًا يمكن أن يقال: بأن لفظ الابن -كما يطلق على الابن الصلب- فقد يطلق أيضًا على من يتخذ ابنًا، واتخاذه ابنًا بمعنى تخصيصه بمزيد الشفقة والمحبة، فالقوم لما ادعوا أنهم محل عناية الله، وأنه يعتني بهم عناية أعظم من غيرهم، كانت هذه الدعوة كأنهم ادعوا أنهم أبناء الله.

ثالثًا: أن اليهود لما زعموا أن عزيرًا ابن الله، والنصارى زعموا أن المسيح ابن الله، ثم زعموا أن عزيرًا والمسيح كانا منهم، صار ذلك كأنهم قالوا: نحن أبناء الله.

يقول الإمام الفخر: ألا ترى أن أقارب المَلِك إذا فاخروا إنسانًا آخر فقد يقولون: نحن ملوك الدنيا، ونحن سلاطين العالم؟ وغرضهم منه كونهم مختصين بذلك الشخص الذي هو الملك والسلطان، فكذا هنا.

رابعًا: قال ابن عباس: إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا جماعة من اليهود إلى دين الإسلام، وخوفهم بعقاب الله تعالى، فقالوا ما ذكرناه في سبب النزول، فهذه الرواية إنما وقعت على تلك الطائفة، وهم اليهود، وأما النصارى فإنهم يتلون في الإنجيل الذي لهم أن المسيح قال لهم: “أذهب إلى أبي وأبيكم”.

وجملة الكلام أن اليهود والنصارى كانوا يرون لأنفسهم فضلًا على سائر الخلق بسبب أسلافهم الأفاضل من الأنبياء حتى انتهوا في تعظيم أنفسهم إلى أن قالوا: {نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}.

3. دعوة أهل الكتاب للدخول في الإسلام:

يقول تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} [المائدة: 19].

أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: قال معاذ بن جبل، وسعد بن عبادة، وعقبة بن وهب لليهود: يا معشر اليهود، اتقوا الله وأسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أنه -أي: محمد- رسول الله، لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه، وتصفونه لنا بصفته. فقال رافع بن حرملة ووهب بن يهوذا: ما قلنا هذا لكم، وما أنزل الله من كتاب بعد موسى، ولا أرسل بشيرًا ولا نذيرًا بعده، فأنزل الله في قولهما قوله: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ} الآية.

{يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ} نرى فيها الفعل المضارع الذي يدل على التجدد والحدوث، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتوقف لحظة عن البيان، وإنما بذل كل وقته، وما ترك فرصة إلا وانتهزها؛ ليبلغ لهم ولغيرهم ما جاء به وحي الله سبحانه وتعالى ولكن البيان في قوله: {يُبَيِّنُ لَكُمْ}، فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اختصهم بلون من البيان، وما نراه في قوله: {يُبَيِّنُ لَكُمْ} لا يعني أن العبارة تفيد الاختصاص، فكما بين لهم بين لغيرهم، ولكن التنصيص على أنه جاءهم يبين لهم، فيه من المعاني ما فيه؛ فيه بيان أنه صلى الله عليه وسلم لم يقصِّر في البيان لهم ومن أجلهم، إنما تركهم كغيرهم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.

وهو صلى الله عليه وسلم إذ جاء يبين لهم، إنما جاء يبين لهم كل ما مِن شأنه أن يبين، فما ترك أمرًا يحتاج إلى بيان إلا وأوضحه، أوضح لهم جانب العقيدة الحق، والمعاملة الكريمة، والأخلاق الكاملة، وما إلى ذلك مما يحتاج إلى بيان مما فيه سعادة الدنيا وسعادة الآخرة، فهذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يبين كل البيان، يبين لكم دين الله، وشرائع الله وما إلى ذلك، أو يبين لكم ما كنتم تخفون من الكتاب، ويعفو عن كثير.

{جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ} فماذا يعني أن هذا الرسول جاءهم على فترة من الرسل؟

هذه الفترة معناها أن الوحي قد انقطع لفترة طويلة؛ لأن الله عز وجل لم يرسل من بعد عيسى رسولًا إلى الناس وبذلك لم يكن هناك رسل، ولم يكن هناك وحي، وترتب على ذلك أنْ خبا ضوء الرسالات والنبوات، وهجمت الأهواء على الناس، وضل الناس الطريق، ولم يبق على وجه الأرض من أهل الدين الحق مَن يعلم الحقيقة الصحيحة، ولم يبقَ هناك إلا قلة قليلة ممن يتعبدون على بقايا ما بقي من الكتب المنزلة في التوراة وفي الإنجيل وما إلى ذلك.

وقد قيل: بأن الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد -عليهما الصلاة والسلام- ستمائة سنة أو أقل أو أكثر، والرواية التي وردت عن الإمام البخاري بأنها ستمائة سنة هي الرواية الراجحة بإذن الله تعالى.

وخلال هذه القرون، قال بعضهم بأن الله سبحانه وتعالى أرسل أربعة من الأنبياء ثلاثة من بني إسرائيل، وواحدًا من العرب يسمى بخالد بن سنان العبسي، ولكن الرأي الصحيح: أن الله سبحانه وتعالى لم يرسل رسولًا من بعد عيسى إلى أنْ أرسل محمدًا صلى الله عليه وسلم لما ورد في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: ((إنَّ أولى الناس بابن مريم لأنا؛ ليس بيني وبينه نبي)) وهذا ما يرشدك إلى أن الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد كانت فترة ليس فيها أحد من الأنبياء.

{فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ} أي: بشير عظيم، ونذير عظيم، هو محمد صلى الله عليه وسلم يبشرهم بالخير والنعيم إنْ آمنوا وعملوا الصالحات، وينذرهم بالعذاب الأليم إن استمروا على الكفر وعلى العصيان وعلى العناد.

وقوله: {أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ} “من” لتأكيد نفي المجيء، والتنكير في قوله: {مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ} للتقليل كما هو معلوم، أي: ما جاءنا أي بشير، وما جاءنا أي نذير من أي لون من الألوان، والله كما ذكرنا يرد عليهم، فيقول: {فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ} فقد جاءكم هكذا بهذا التأكيد بقوله: “قد” وقوله: {فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ} أي: أنه أصبح بين أظهركم تنظرون إليه، وينظر إليكم، تكلمونه ويكلمكم.

ولا أدري كيف ساغ لهؤلاء أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم يشاهدون محياه الشريف، ووجهه المشرق، ويسمعون صوته الندي الطاهر المبارك بكل ما فيه من صدق وإخلاص في الدعوة إلى الله، ثم لا يؤمنون بهذا النبي، ولا يتفيئون ظلال ما أتى به من الرحمات والبركات. وختام الآية: {وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} ختام يأتي في موضعه المناسب؛ ليبين أن قدرة الله سبحانه وتعالى هي التي أرادت أن يكون هذا الرسول هو ختام المرسلين صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه أجمعين.

4. دعوة موسى عليه السلام لقومه أن يجاهدوا في سبيل الله:

يقول ربنا:

{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِين * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِين * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُون * قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين * قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون * قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِين * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِين} [المائدة: 20- 26].

هذه الآيات تلخص ما كان من أمر بني إسرائيل مع موسى عليه السلام، وتذكر قصة مشهورة في تاريخ هؤلاء هي: أن موسى عليه السلام لما خرج بقومه من مصر بعد أن أنجاه الله من فرعون وملئه قال لقومه: يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم، وطلب منهم أن يجاهدوا عدو الله وعدوهم، وأن يدخلوا بيت المقدس فما كان من أمرهم إلا أنهم قالوا: يا موسى: إن بيت المقدس فيه قوم من الجبارين، ونحن لن نستطيع أن نجاهد هؤلاء حتى يخرجوا منها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون، وهم واهمون في ذلك -كما هو معلوم-؛ لأنهم لن يخرجوا منها هكذا بأنفسهم إنما لا بد من الجهاد حتى يخرجوا منها، ولكن كان هناك من بني إسرائيل -ومن النقباء فيهم- كان هناك رجلان صالحان يخافان الله سبحانه وتعالى أنعم الله عليهم بالإيمان الحق، طلبوا من قومهم أن يدخلوا على هؤلاء الجبارين باب بيت المقدس، ولا بد أن يحقق الله وعده لموسى عليه السلام بنصره.

فقالوا لهم: فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، واجعلوا توكلكم على الله وحده لا على غيره إن كنتم مؤمنين، ولكنهم أصروا على عنادهم، وقالوا: يا موسى إنا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها، وقالوا على سبيل الاستهزاء والسخرية: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولم يملك موسى عليه السلام سوى أن يعتذر لربه، وأن يشكو له هؤلاء القوم، وأن يقول لله سبحانه وتعالى: ربِّ إني لا أملك إلا نفسي وأخي، فافصل بيننا وبين هؤلاء القوم الذين خرجوا على دينك وعصوا رسولك، ولم يستجيبوا لنداء الله، وقعدوا عن الجهاد في سبيلك.

فأخبره الله بأن هذه المدينة، وهذا المكان المقدس، وهذه الأرض، محرمة عليهم أربعين سنة، يتيهون في الأرض، فكان التيه، كلما ساروا مسافة وهم في أرض سيناء، وجدوا أنفسهم، وكأنهم عادوا إلى المكان الذي بدءوا منه، واستمر هذا أربعين سنة إلى أن انقرض هذا الجيل الخوّار، وجاء من بعدهم جيل يحمل الأمانة، فكان من أمره أن دخل بيت المقدس.

فالله سبحانه وتعالى يسلي موسى عليه السلام ويقول له: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِين}.

والآيات هدفها: بيان ما كان من أمر بني إسرائيل مع نبي الله موسى عليه السلام تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتطمينًا لفؤاد محمد صلى الله عليه وسلم.

فتبدأ هذه القصة وهذه الآيات بقوله: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى} اذكر وتذكر واعتبر بما كان في هذا الوقت من هذا الحدث، قال موسى عليه السلام نبي الله وكليمه لقومه. تصور الآية طريقة موسى، وهي طريقة الأنبياء في الدعوة إلى الله، وما يقدمونه بين ما يريدون من أوامر ونواهي من ألوان الترغيب في التزام أوامر الله، وأنت ترى ذلك في قول موسى لقومه: {يَا قَوْمِ} يناديهم بقوله: {يَا قَوْمِ} ليستجيش مشاعر النخوة والمروءة، وأن يذكرهم بأن رابطة القرابة التي تجمعه بهم تجعله حريصًا على ما فيه نفعهم ومصلحتهم، وإذا كان المتحدث على هذا الحال من الحرص على ما ينفع من يتحدث إليه، كان الواجب على من يلتقى منه من نصائح أن يستجيب لما ينصحه به؛ لأنه لا ينصحه إلا بخير.

قال: {اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ} أي: اذكروا وتذكروا واعتبروا بما أنعم الله عليكم من نعمه، وفي إفراد النعمة -مع أن النعمة هنا تشمل كل النعم- دليل على أن كل نعمة مما أنعم الله بها عليهم جديرة بالشكر لا بالكفر.

ويذكر من هذه النعم التي أنعم الله بها عليهم ثلاثة أشياء:

أولها: ما جاء في قوله: {إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء} جعل فيكم أنبياء هذه نعمة عظيمة أنعم الله بها على بني إسرائيل، إذ اختار منهم، وجعل فيهم أنبياء كثيرين لم يكونوا لأمة من الأمم.

أما النعمة الثانية: فهي ما جاء في قوله: {وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا}.

ماذا يعني قوله: {وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا}؟ وماذا في هذه النعمة من المظاهر التي تدعو إلى أن تشكر لا أن تكفر؟

فلنعرف المراد بكونهم، وبأن الله جعلهم ملوكًا، يقول بعضهم: {وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا} أي: جعلكم أحرارًا تملكون أنفسكم بعدما كنتم في أيدي القبط وهكذا، ولا يغلبكم على أنفسكم غالب، فهذا ملك أصبح حرًّا يتصرف في أمره كيف يشاء، بعد أن كان عبدًا مملوكًا للآخرين، وهذه نعمة عظيمة من نعم الله عليهم.

أو أن يقال: بأن كل من كان رسولًا ونبيًّا كان ملكًا؛ لأنه يملك أمر أمته، ويملك التصرف فيهم، وكان نافذ الحكم عليهم، فكان ملكًا؛ ولهذا قال تعالى: {فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا} [النساء: 54].

أو أن يقال: بأنه كان في أسلافهم، وأخلافهم ملوكٌ وعظماء، وقد يقال فيمن حصل فيهم ملوك: أنتم ملوك على سبيل الاستعارة.

ورابعها: أن كل من كان مستقلًّا بأمر نفسه ومعيشته، ولم يكن محتاجًا في مصالحه إلى أحد فهو ملك.

قال الزجاج: الملك من لا يدخل عليه أحد إلا بإذنه، وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة وفيها مياه جارية، وكانت لهم أموال كثيرة، وخدم يقومون بأمرهم، ومن كان كذلك كان ملكًا، ذكر هذه الأوجه الإمام الفخر الرازي في (مفاتيح الغيب).

أخرج الإمام البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه سأله رجل فقال: “ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال عبد الله: ألك زوجة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء، قال الرجل: فإن لي خادمًا قال عبد الله: فأنت من الملوك”.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم، ودابة، وامرأة كتب ملكًا)) فهذه نعمة عظيمة من نعم الله؛ نعمة الحرية بعد العبودية، والسعة بعد الضيق، وما إلى ذلك مما نراه في حال بني إسرائيل الذين أنعم الله عليهم وأعطاهم هذا كله ولا تناقض بين هذه الأقوال، فإن الله جعلهم ملوكًا يملكون أنفسهم، وجعل فيهم الملوك الأنبياء يسوسونهم بشرع الله، وهدي الله، وهؤلاء كما قلنا أنبياء وهم ملوك كما كان من أمر داود وسليمان -عليهما السلام-، وأيضًا وسع الله سبحانه وتعالى عليهم وأعطاهم من نعمه ما كان للواحد منهم، بيته، وزوجته، وخادمه، وحشمه، وما إلى ذلك، إلى أن كان يسمى ملكًا في بيته، وفيما أفاء الله عليه من نعمه.

ويبدو أن هذا الفهم -كما ذكرنا- أيضًا كان في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رأينا في حديث البخاري، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما لما سأله من سأله فقال له: بأنك من الأغنياء إذا كان لك زوجة تأوي إليها، ومسكن تسكنه، فلما قال له: بأن عنده خادمًا، قال له عبد الله: أنت من الملوك، إذن فهذه نعمة ثانية من نعم الله التي أنعمها الله على بني إسرائيل. وها هو ذا موسى يذكرهم بهذه النعمة.

ثم ذكرهم بنعمة أخرى، ذلكم هو ما جاء في قول الله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: {وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِين} أي: من عالمي زمانهم، ففي زمانهم لم يحظَ أحد بما حظي به بنو إسرائيل من نعم الله التي أنعمها الله عليهم، وهذه النعمة، أو هذه الخيرات التي أعطاها الله لهم تراها في أمور كثيرة، تراها فيما أعطاهم من تظليل الغمام عليهم، وإنزال المن والسلوى، وتفجير الماء إليهم وهم في سيناء، وما إلى ذلك من الآيات العظام التي لم تكن في أمة من الأمم.

فهذا قوله: {وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِين} إذن فهذه نعمة عظيمة من نعم الله التي أنعمها عليهم، وتفضيل هؤلاء في هذا الجانب لا يستلزم أن يكونوا أفضل من غيرهم؛ لأن هذا التفضيل من وجه واحد وهو أنه أنعم عليهم بنعم نراها فيما ذكرنا مما كان لا بد له أن يكون؛ حتى يستطيعوا البقاء في هذه الأيام التي عاشوها في أرض لا نبات فيها ولا ماء، فالله سبحانه وتعالى عوضهم عن هذا الطعام الذي تخرجه الأرض بما أفاء عليهم من المن والسلوى، وعوضهم عن المياه التي يريدون أن يستقوا منها، وأن يحيوا عليها عوضهم بأن أمر موسى عليه السلام أن يضرب الحجر فانفجرت، أو انبجست منه اثنتا عشرة عينًا، قد علم كل أناس مشربهم، وهذا من آيات الله العظيمة التي آتاها الله لبني إسرائيل، وهي آيات لم تكن لأمة من الأمم في هذا الزمان من قبل.

بعد أن ذكرهم بما ذكرهم به، ناداهم مرة أخرى وذكرهم بأنهم هم قومه، قومه الذين يحرص على منفعتهم وعلى خيرهم، فيقول: يا قوم إذا كانت هذه هي نعم الله عليكم فيجب عليكم أن تحملوا أرواحكم على أكفكم، وأن تجاهدوا حتى تصلوا إلى الأرض المقدسة التي كتب الله لكم.

الأرض المقدسة، أي: الأرض المطهرة، المباركة، وهي أرض فلسطين سواء قيل: بأن هذه الأرض المقدسة هي “أريحا” أو “الطور” وما حوله، أو “بيت المقدس” فكل هذا جائز في معنى: الأرض المقدسة، ويبدو أن الأرض المقدسة التي كان يقصدها موسى هي: أرض بيت المقدس وما حوله، والأرض المقدسة هي الأرض التي طهرها الله سبحانه وتعالى.

قوله: {الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ}، {كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ} أي: قدر الله لكم منةً منه وفضلًا أن تدخلوها، وأن تكونوا أهلًا لها، وهذا يعني: أن هذه الأرض كانت مملوكة لأناس في هذا المكان يعيشون فيها، ولكن هؤلاء القوم لم يكونوا جديرين بالبقاء فيها، ولا بد أن يحتلها، وأن يستحوذ عليها أهل الإيمان، وهذا معنى قوله: {الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ} فمعنى: {كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ} قدر لكم أن تسكنوها، ووعدكم إياها متى آمنتم به وأطعتم أنبياءه، أو معنى {كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ} فرض عليكم أن تدخلوها وأمركم بذلك كما أمركم بأداء الصلاة والزكاة، ومفعول {كَتَبَ} محذوف، أي: كتب لكم أن تدخلوها، وفرض عليكم دخولها؛ لإنقاذكم من الأهوال التي نزلت بكم في أرض مصر من فرعون وجنده.

ولعلك تتساءل لماذا تعدى فعل {كَتَبَ} باللام دون: “على” فلم يقل: كتب الله عليكم؟ وهذا في الحقيقة ليشير إلى أن ما فرضه الله عليهم إنما هو لمنفعتهم ولعزتهم ولرفعة شأنهم، ادخلوا الأرض المقدسة التي فرض الله عليكم أن تدخلوها وأوجبها عليكم؛ عزة لكم، ورفعة لشأنكم.

ثم قال لهم: {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِين} فما معنى هذا القول الكريم؟

{يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِين}.

ما زلنا مع موسى عليه السلام وتحريضه لقومه على الجهاد في سبيل الله من أجل الحصول على الأرض المقدسة، نرى في قوله الله تعالى: {كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ} كما يقول الإمام الفخر الرازي: في هذا القول فائدة عظيمة، وهي: أن القوم -أي: الذين كانوا في هذه الأرض- كانوا جبارين، إلا أن الله تعالى لما وعد هؤلاء الضعفاء بأن تلك الأرض لهم، فإن كانوا مقرين بصدق موسى عليه السلام علموا قطعًا أن الله ينصرهم عليهم، فلا بد وأن يقدموا على قتالهم من غير جبنٍ ولا خوفٍ ولا هلعٍ، ولكنهم لم يفعلوا ذلك.

ثم قال: {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِين} وهذه عبارة موحيةٌ يبين فيها موسى عليه السلام أن هؤلاء القوم يخاف عليهم من الخسارة في الدنيا وفي الآخرة، أما الخسارة في الدنيا: فبالذلة والضياع، وأما الخسارة في الآخرة: فبألا يحصلوا على ما يحصل عليه المجاهدون من فضل، وأن يحل عليهم غضب الله ومقت الله سبحانه وتعالى وما يتبع ذلك من عذابه الأليم، فيقول: {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ} وكما ترى الكلمات فيها من التحضيض والحث على الثبات في وجه أعداء الله ما فيها.

فالارتداد في قوله: {وَلاَ تَرْتَدُّوا} معناه: أن هؤلاء قد تقدموا، واستعدوا، وأظهروا أنهم يمكن أن يحملوا هذه الأمانة، ولكنهم رجعوا القهقري، ولم يواصلوا المسيرة ونكصوا على أعقابهم.

والتعبير القرآني وهو يذكر لنا هذا الأمر فيما كان من توجيه موسى عليه السلام يقول: {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ} فالأدبار جمع دبر، والدبر هو الظهر، وانظر إلى حال إنسان يرجع إلى الخلف، فلا ينظر، ولا يعرف من خلف ظهره، فهذا مصيره إلى الهلاك؛ لأنه عرضة لكل الخطر، فقوله: {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ} فيها من التنفير عن القعود، وعدم الدخول إلى هذه الأرض للجهاد في سبيل الله، ولتحريرها، وللوصول إليها، هذا أمرٌ خطير يؤدي إلى الخسارة العظيمة؛ ولهذا ختم هذا القول بقوله: {فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِين}، وهؤلاء إذا فعلوا ذلك وقعدوا عن الجهاد في سبيل الله، وقالوا لنبيهم ما يذكره ربنا: {إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون} إذا وصل الأمر إلى هذا فقد خسروا خسارة عظيمة -كما قلنا- في الدنيا بالذلة والضياع والمسكنة، وبعدم التمكين في أرض الله، والخسارة هناك أيضًا ستكون في الآخرة؛ لمعصيتهم لرسولهم ونكولهم عن جهاد عدو الله وعدوهم.

5. موقفهم من دعوة موسى عليه السلام:

كان من أمرهم ما ذكره الله في قوله: {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُون} فمن أين علموا أن فيها قومًا جبارين؟

حين أراد موسى عليه السلام أن يدخل هذه الأرض أرسل النقباء، نقباء أسباط بني إسرائيل، فهؤلاء إذن خافوا من هؤلاء القوم الجبارين، وقد كان موسى عليه السلام قد أوصى هؤلاء النقباء أن يذكروا له ما رأوا من هؤلاء القوم فيما بينهم وبينه، ولكنهم لم يلتزموا إنما جاءوا إلى قومهم، وجاء كل نقيب إلى جماعته فأخبرها بما رأى، وألقى -بما قال- الرعب في قلوب هؤلاء، فلما رأوا هذا، نكصوا عن الجهاد، وقالوا لموسى ما قالوا.

ومعنى قوله: {إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ} الجبار كما يقول المفسرون: الجبّار: فعّال من جبره على الأمر بمعنى: أجبره عليه، وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد، وقيل: بأنه مأخوذ من قوله: “نخلة جبّارة” إذا كانت طويلة مرتفعة لا تصل الأيدي إليها، ويقال: “رجل جبّار” إذا كان طويلًا عظيمًا قويًّا، تشبيهًا بالجبار من النخل، والقوم كانوا في غاية القوة وعظم الأجسام، بحيث كانت أيدي قوم موسى ما كانت تصل إليهم، فسموهم “جبّارين” لهذا المعنى.

وقد وردت أخبار كثيرة في هذا الوصف، وفي بيان حقيقة الجبارين، وهي أخبار تحتاج إلى تحقيق، وكلها في النهاية تبين عِظم أجساد هؤلاء، وأن هؤلاء الجبارين لن يستطيع أحد أن يقابلهم ولا أن يقاتلهم؛ ولذلك قال قوم موسى عليه السلام له ذاكرين بأن في هذه الأرض المقدسة قومًا جبارين، ثم قالوا لموسى: {وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا} فهل يمكن أن ينتظر المجاهدون أن يخرج أعداؤهم من المكان الذي هم فيه حتى يستطيع هؤلاء أن يدخلوا هذا المكان؟!

إن هؤلاء لن يخرجوا من المدينة التي هم فيها، إلا إذا كان هناك من الأسباب القوية التي تدعوهم إلى الخروج، فإذا لم يكن من الأسباب الوجيهة والقوية التي تدفعهم إلى ترك مدينتهم، فإنهم باقون فيها، ولم يحدث أن ترك قوم ديارهم وخرجوا منها هكذا، إلا أن يكون هناك أمر خطير وصعب وقوي لا يمكن لهم أن يستمروا في هذا المكان الذي هم فيه.

وهذه العبارة تدل على مدى الخَوَر وضعف العزيمة التي كانت في بني إسرائيل.

وفي هذا النداء لموسى عليه السلام: {يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ} تلمح -معي- فيها مدى ما كان عليه هؤلاء القوم من استهانة بمقام النبوة إذ نادوه باسمه هكذا حتى يكف عن دعوتهم إلى الجهاد.

وفي قولهم: {وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا} هذا فيه -كما ترى- إصرار وعناد شديد على عدم الجهاد في سبيل الله، ومن المعلوم -كما قلنا- بأن خروج هؤلاء من مدينتهم أمر مستبعد، وهؤلاء لا يريدون قتالًا.

{وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُون}. ومن المعلوم أن هؤلاء -كما قلنا- لن يخرجوا منها، وبالتالي فأولئك لن يدخلوها.

{قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ} هؤلاء الرجلان هما: يُوشَع بن نون، وكالب بن يُُفْنَى، وكانت لهما مهابة وموضع عظيم عند قومهما، فهؤلاء أنعم الله عليهما بنعمة عظيمة وهى نعمة الإيمان الحق، والمكانة الرفيعة والمنزلة العالية في قومهما.

{أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا} قال هذان الرجلان لبني إسرائيل: {ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين}.

{ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ} أي: باب مدينتهم، باب مدينة الأرض المقدسة، أو المدينة المقدسة: {فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ} أي: دخلتم هذا الباب وفتح عليكم، {فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} وإنما قالوا هذا القول ثقة في وعد الله الذي لا يخلفه، والله -جل وعلا- وعد أنبياءه بالنصر: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَاد} [غافر: 51] فهم على ثقة من نصر الله لهم إذا ما اتخذوا الأسباب، وحملوا راية الجهاد، وانطلقوا في هذا الطريق يحملون أرواحهم على أكفهم، ويبذلون غاية جهدهم، إذا وصلوا إلى باب هذه المدينة ودخلوا بقوتهم وحاولوا أن يدخلوا على هؤلاء القوم باب هذه المدينة، فإذا دخلوا هذا الباب واستطاعوا أن يفتحوه، فلا بد أن يكونوا غالبين لهم، منتصرين عليهم، فهذا هو وعد الله الذي لا يتخلف، وتلكم هي ثقة المؤمنين في صدق وعد الله لأهل الإيمان؛ ولذلك قالوا: {وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين}.

{وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين} أي: اجعلوا توكلكم وتفويضكم إلى الله وحده، لا إلى غيره، فإن التوكل على الله من أقوى علامات الإيمان؛ ولهذا قالوا: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين} حق الإيمان، فيجب أن يكون توكلكم واعتمادكم وثقتكم في رب العزة والجلال، وهو وحده الذي يكفيكم كيد عدوكم؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد قال: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} [الطلاق: 3].

{فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِي} يقول صاحب الكشّاف: فإن قلت: من أين علم أنهم غالبون؟ قلت: من جهة إخبار موسى بذلك، ومن جهة قوله تعالى: {كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ} وقيل: من جهة غلبة الظن، وما تبين من عادة الله في نصرة رسله، وما عهد من صنع الله لموسى عليه السلام في قهر أعدائه، وما عرف من حال الجبابرة.

error: النص محمي !!