Top
Image Alt

استتابة المرتد

  /  استتابة المرتد

استتابة المرتد

فإنه متى تحققت الردة، واستحق المرتد العقوبة المقررة، فلا بد له من استتابة قبل الإقدام على تلك العقوبة، وفي هذا، نوجه سؤالًا، فنقول: هل يستتاب المرتد قبل أن يقتل؟ أو يجب قتله فورًا دون استتابة؟

وللعلماء في بيان ذلك، قولان:

القول الأول: للحنفية، والمالكية، وأحد قولي الشافعي، ورواية كذلك عن الإمام أحمد، حيث قالوا: أن المرتد يجب أن يستتاب قبل قتله ثلاثة أيام، بلا جوع، ولا عطش، ولا معاقبة، وإذا استمر المرتد في ردته، ورفض التوبة، أو العودة إلى حظيرة الإسلام وجب قتله، وهو ما ذهب إليه أكثر أهل العلم، كعمر، وعلي، وعطاء، والثوري، والأوزاعي، وغيرهم.

واستدلوا لما ذهبوا إليه، بحديث جابر: ((أن امرأة يقال لها: أم مروان ارتدت عن الإسلام، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرض عليها الإسلام، فإن رجعت، وإلا قتلت)) أي: أن هذا الرأي يقوم على استتابة المرتد، وإعطاؤه المهلة الكافية المقدرة بثلاثة أيام؛ حتى يتمكن إمام المسلمين من إزالة ما عنده من شبهة، أو من فكر مغلوط عن الإسلام، وحتى نقيم عليه الحجة قبل أن يعاقب بالعقوبة المقررة، وهذا فيه من العدل ما فيه، وفيه من الرحمة ما فيه.

وقد استدل هؤلاء، بما رواه مالك في (الموطأ): “أن رجلًا قدم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه من قبل أبي موسى، فسأله عن الناس فأخبره، ثم قال: هل عندكم من خبر؟ قال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه، فقال: ماذا فعلتم به؟ قال: قربناه، فقال: ماذا فعلتم به؟ قال: ضربنا عنقه، فقال عمر: فهلَّا طبقتم عليه بيتًا، أي: أغلقتم عليه بيتًا ثلاثًا، وأطعمتموه في كل يوم رغيفًا، واستتبتموه لعله يتوب ويرجع إلى أمر الله، اللهم إني لم آمر، ولم أحضر ولم أرض إذ بلغني ذلك”.

فأفاد هذا الأثر، أن منهج الإسلام، يكمن في استتابة المرتد قبل قتله، ولا أدل على هذا المنهج من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعرض الإسلام على تلك المرأة المعروفة بأم مروان، فإن رجعت، وإلا قتلت.

أما عن القول الثاني: وهو للشافعي في قوله الثاني، ورواية عن أحمد: أنه لا يستتاب، بل يقتل على الفور، ولا يؤخر؛ حتى لا يؤخر لله حق.

واستدلوا لذلك، بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: ((من بدل دينه فاقتلوه)) فهو بإطلاقه لا يفيد التقييد بالاستتابة، وكذلك، ما أخرجه النسائي، عن أبي موسى الأشعريرضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن، ثم أرسل معاذ بن جبل بعد ذلك، فلما قدم، قال: يا أيها الناس، إني رسول رسول الله إليكم، فألقى له أبو موسى وسادة ليجلس عليها، فأتي برجل كان يهوديًا فأسلم، ثم كفر، فقال معاذ: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله ثلاث مرات، فلما قتل قعد)).

فأفاد هذا، وعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من بدل دينه فاقتلوه)) أنه ليس هناك استتابة، بل الأمر يتعلق بالقتل على الفور.

ولكن من بين هذين الرأيين، يرجح القول الأول؛ وذلك لما يعززه من استدلال بالنصوص، وكذلك فإنه يستدل بالمعقول على ترجيح القول الأول، وهو أن المرتد لو استتيب؛ لأمكن أن يبرأ من فعله، فإنه ربما كان في الإمكان استصلاحه عن طريق الاستتابة، بما في ذلك من مناقشة هادئة، حانية، واعية، مناقشة يستبين منها للمرتد وجه الحق بعد أن كان متلبسًا بأردية من الغموض، والتعمية، وكذلك؛ لتنكشف عن ناظريه من الاغتمام ما كانت تغشى ذهنه وقلبه، فكيف يجوز إزهاقه قبل استصلاحه، وهو محتمل الحصول والتحقيق.

أما النصوص الدالة على الأمر بقتله، فإنه يمكن تأويلها، بأن يراد بها وجوب القتل بعد الاستتابة، والله أعلم.

ولكن، إذا قلنا: بأن الراجح، هو الرأي الأول، وقلنا بالاستتابة، وجعلنا مدة الاستتابة ثلاثة أيام، فما هو الدليل على تحديد مدة الاستتابة بثلاثة أيام؟

لعل الدليل في هذا التحديد، ما رواه (الموطأ)، عن عمر قوله: ((فهلَّا طبقتم عليه بيتًا ثلاثًا)) كذلك ما روي عن عثمان بن عفان مثل ذلك، وما أخرجه البيهقي عن جابر بن عامر، عن علي رضي الله عنه قال: يستتاب المرتد ثلاثًا، ثم قرأ: { إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا} [النساء: 137] كما أخرج البيهقي، ما ورد عن علي رضي الله عنه قال: “يستتاب المرتد ثلاثًا، فإن عاد قتل”.

error: النص محمي !!