Top
Image Alt

استثناء المهاجرات من هجرة المسلمين من مكة، وحكم القرآن في الإمساك بعصم الكوافر، و كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء، والدعوة العامة إلى الإسلام، وأثر ذلك

  /  استثناء المهاجرات من هجرة المسلمين من مكة، وحكم القرآن في الإمساك بعصم الكوافر، و كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء، والدعوة العامة إلى الإسلام، وأثر ذلك

استثناء المهاجرات من هجرة المسلمين من مكة، وحكم القرآن في الإمساك بعصم الكوافر، و كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء، والدعوة العامة إلى الإسلام، وأثر ذلك

أمر المهاجرات وحكم الله فيهن، والحكم في الإمساك بعصم الكوافر:

وهنا كان لا بد لأمر أن يستثنى من هجرة المسلمين من مكة وهو: أمر المؤمنات اللائي هاجرن فرارًا بدينهن من مكة، وجاء ذووهن يطلبوهن.

ومثال ذلك هجرة أم كثلوم بنت عقبة بن أبي معيط إلى المدينة مسلمة، فتبعها أخواها ليستردها بشروط صلح الحديبية، ولكن رسول الله صلى الله عليه  وسلم أبى من ذلك؛ لأن الله عز وجل منع هذا الأمر بنص قرآني، وبَيَّنَ أن المهاجرات المسلمات أمرهن غير الرجال؛ فنزلت سورة الممتحنة تحدد هذا الأمر الذي أخرج النساء من أمر شرط الرد لقريش، وهو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُون} [الممتحنة: 10، 11]:

يُمتحن في دينهن وإيمانهن بالله عز وجل حتى يثبت أنها ما خرجت إلا لتكون في عافية من أمر دينها، كذلك فإن الحكم الذي تَبَيَّنَ من هذه الآيات أن المؤمنة لا تحل لكافر: {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } ، ولا لمن هو أقل منها في الدين، وكذلك المسلم فلا يحل له أن يمسك مُشركة: {وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} ؛ لذلك وجدنا عمر يطلق زوجتين له، وكذلك أبو بكر يطلق زوجة كانت على الشرك، وإذا أحل الله الزواج من الكتابيات، فإنه لا يحل الزواج من الكوافر اللائي أمر الله عز وجل بطلاقهن، وألا يمسك المسلم بعصمة كافرة.

وهنا جاءت الآيات تحدد أمر تعويض أولئك الذين جاءت نساءهم من مكة، وأمر ربنا عز وجل أن ترد مهورهن إلى أزواجهن، وكان النبي صلى الله عليه  وسلم لا يرد المرأة ولا مهرها قبل صلح الحديبية لو جاءت، أما بصلح الحديبية فقد نزل القرآن يأمر النبي صلى الله عليه  وسلم ألا يرد أي مؤمنة جاءت، ولكن من أجل الصلح أمر القرآن بأن ترد مهورهن على أزواجهن.  

كذلك المسلم الذي تخرج زوجته من المدينة مصرةً على الكفر وترجع لأهلها؛ لأمر الله: {وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} كان على قريش أن تعوض المسلم الذي خرجت زوجه إلى مكة كنص الصلح أو كنص الآيات، وهنا تذكر الآيات لو أن قريشًا – وقد حصل هذا. لم ترد أجرًا ومهرًا وحق المال لكل مَن طلق زوجته الكافرة، فإن الله عز وجل أمر المسلمين بأن يعوضوا ذلك المسلم عن خسارته في صداق امرأته؛ ولذلك نزلت هذه الآية: {وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُون} [الممتحنة:11]، أي: أولئك الذين لم يأخذوا حقهم من قريش: أنتم تعوضونهم مما يفيء الله عليكم من الغنائم وعوائد القتال.

كُتُبه صلى الله عليه  وسلم إلى الملوك والأمراء، والدعوة العامة إلى الإسلام، وأثر ذلك:

بعد صلح الحديبية وما ترتب عليه، تفرغ النبي صلى الله عليه  وسلم والمسلمون إلى أمرين هامين هما:

إرسال الكتب إلى الملوك والأمراء داخل الجزيرة وخارجها؛ حيث خرج النبي صلى الله عليه  وسلم بالدعوة إلى خارج نطاق الجزيرة العربية وما حولها ممن أرسل إليهم صلى الله عليه  وسلم كتبه يدعوهم إلى الإسلام، ويذكرابن حجر أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم أرسل إلى هِرقل في آخر سنة ست بعد أن رجع من الحديبية، وأن الكتاب وصل إلى هرقل في المحرم سنة سبع.

ويدل الحديث الصحيح على أن كتاب رسول الله صلى الله عليه  وسلم وصل إلى هرقل في مدة الصلح، وقال أنس بن مالك: كتب النبي صلى الله عليه  وسلم إلى كل جبار –أي: إلى كل عظيم من الحكام- يدعوهم إلى الله، وسمى منهم: كسرى، وقيصر، والنجاشي، قال: وليس بالنجاشي الذي أسلم من قبل -كما عرفنا.

ومما لا شك فيه أن مكاتبة الملوك خارج الجزيرة العربية، إنما هو تعبير صادق على عالمية هذه الدعوة: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين} [الأنبياء: 107]، وهذا الأمر لم يتمكن منه النبي صلى الله عليه  وسلم هذا التمكنَ إلا بعد أن كفت بنود صلح الحديبية يدَ قريشٍ عن المسلمين. ومن الكتب التي أرسلها النبي صلى الله عليه  وسلم إلى أولئك الملوك في ذلك الوقت:

كتابه صلى الله عليه  وسلم  إلى هرقل الذي بعث به إليه مع دحية الكلبي، وفي الكتاب: ((بسم الله الرحمن  الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الإريسيين -أي: الفلاحين- ثم يذكر هذه الآية الكريمة: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُون} [آل عمران: 64].

ولم يكتفِ النبي صلى الله عليه  وسلم بهرقل وحده، وإنما بعث إلى عامله على مصر.

كذلك فإنه صلى الله عليه  وسلم بعث كتابًا إلى كسرى يدعوه فيه إلى الإسلام، أُرِّخَ هذا الكتاب بشهر جمادى الأولى سنة سبع وهي السنة التي قتل فيها كسرى، وبعث كتابه صلى الله عليه  وسلم مع عبد الله بن حذافة السهمي، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين المنذر بن ساوى العبدي، ويقوم المنذر بعد ذلك بإرسال الكتاب وبعثه إلى كسرى، ولكن كسرى لما وصله كتاب النبي صلى الله عليه  وسلم يدعوه إلى الإسلام، مزق هذا الكتاب بعد أن قرأه؛ ولذلك دعا عليه رسول الله صلى الله عليه  وسلم أن يمزقهم الله كل ممزق، وقد مزق الله ملك كسرى، فقتله ابنه، واستولى على عرشه، ثم تمزقت من بعده دولته التي كانت واسعة الأرجاء، ثم زالت من الوجود على أيدي رجال المسلمين من بعد، كما سنرى إن شاء الله.

وكما أشرنا إلى أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم بعث للمقوقس عامل هرقل على مصر، فإنه صلى الله عليه  وسلم بعث إلى “باذان” -“أو بدهان”- عامل كسرى على اليمن، دعاه فيه إلى الإسلام، وكان هذا الرجل من أعظم من أجاب على كتاب رسول الله صلى الله عليه  وسلم، فقد بادر إلى الإسلام فأعلن إسلامه، ودخلت اليمن كلها بإسلام هذا الرجل في حوزة الإسلام والمسلمين، فكان هذا الكتاب فاتحة خير على أهل اليمن جميعًا.

وهكذا نرى حكمة النبي صلى الله عليه  وسلم في إرساله إلى الولايات التابعة للأكاسرة والقياصرة، وأثر هذا الخير على اليمن وأهلها بكتاب النبي صلى الله عليه  وسلم.

أما المقوقس فإنه تلقى كتاب النبي صلى الله عليه  وسلم باحترام ورد عليه بهدايا بعث بها إلى النبي صلى الله عليه  وسلم كان منها مارية القبطية، وسيرين التي وهبها النبي صلى الله عليه  وسلم لحسان بن ثابت رضي الله  عنه، وبعث له بعسل وبحمار يركبه، وكان في هذا نوع من الأدب في الرد على النبي صلى الله عليه  وسلم.

وغير ذلك كتب كثيرة وجهها النبي صلى الله عليه  وسلم بعد الحديبية إلى: الحارث بن أبي شمر الغساني حاكم دمشق، وهوذة بن علي الحنفي حاكم اليمامة، وجيفر وعبد ابني الجلندى حاكمي عمان، وغيرهم من الملوك والأمراء الذين وصلتهم دعوة الإسلام السلمية في بداية أمرها بالحسنى والموعظة الحسنة التي تضمنتها كتب رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

error: النص محمي !!