Top
Image Alt

استدلال الباطنية بالأعداد والحروف

  /  استدلال الباطنية بالأعداد والحروف

استدلال الباطنية بالأعداد والحروف

هذا أمر اهتمت به الباطنية اهتمامًا كبيرًا، ونعطي حوله فكرة، ونقول -وبالله التوفيق-: هذا فن من الجهالة اختصّت به هذه الفرقة من بين الفرق؛ فإن طوائف الضلال مع تشعّب كلامهم وانتشار طرقهم في نَظْم الشبهات لم تتلطخ طائفة منهم بهذا الجنس ولا بهذه الجهالات، ولكن الباطنية اهتموا بهذا الشيء وتشبَّثوا به، ولا غروَ فإن الغريق يتمسّك بأي شيء، والغبي بكل إيهام يتذبذب ويتشكك، ونحن نذكر شيئًا يسيرًا من هذا المعنى ليعلم الدارس مدى ضلال هذه الفرقة، وليشكر الناظرُ في هذا الأمر ربه على سلامة عقله واعتدال فطرته، فإنَّا لا نُخدع بمثل هذا، ولا ينخدع بمثل هذا العبث إلا من كان به عَتَه أو خبل في عقله.

فقد قالوا: إن الثقب على رأس الآدمي سبعة، والسماوات سبعة، والأرضين سبعة، والنجوم سبعة، أعني السيارة، وأيام الأسبوع سبعة، فهذا يدل على أن دور الأئمة يتم بسبعة، وزعموا أن الطبائع أربع، وأن فصول السنة أربعة، هذا يدل على الأصول الأربعة، وهي السابق والتالي الإلهان، والناطق والأساس الإمامان، وزعموا أن البروج اثنا عشر، فتدلّ على الحجج الاثنى عشر كما ذكرناه في مذهبه، وربما استثاروا من شكل الحيوانات الدلالات، فقالوا: الآدمي على شكل حروف محمد صلى الله عليه وسلم، فإن رأسه مثل الميم، ويداه مبسوطتان كالحاء، وعجُزه كالميم، ورجلاه كالدال، وهذا الجنس يتكلمون على شكل الطيور والبهائم.

وربما تأولوا من الحروف وأعدادها فقالوا: قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، فقالوا: وما حقها؟)) ذكروا أنها معرفة حدودها، وزعموا أن حدودها معرفة أسرار حروفها، وهي أن لا إله إلا الله، أربع كلمات وسبعة فصول، هي قطع لا إله إلا الله، وثلاثة جواهر، فإن “لا” حرف، يبقى “إله” و”إلا” و”الله” فهي ثلاثة جواهر، والجملة اثنا عشر حرفًا، وزعموا أن الكلمات الأربع دالة على المدبِّرَيْن العلويّيْن السابق والتالي، والمدبِّرَيْن السفليَّيْن الناطق والأساس، هذه دلالته على الروحانيات، فأما على الجسمانيات فإنه الطبائع الأربع، وأما الجواهر الثلاثة فدالة على جبريل وميكائيل وإسرافيل من الروحانيات، ومن الجسمانيات على الطول والعرض والعمق؛ إذ بها ترى الأجسام، والفصول السبعة تدل من الروحانيات على الأنبياء السبعة، ومن الجسمانيات على الكواكب السبعة؛ لأنه لولا الأنبياء السبعة لما اختلفت الشرائع، كما أنه لولا الكواكب السبعة لما اختلفت الأزمنة، والحروف الاثنا عشر تدل على الحجج الاثني عشر، وفي الجسمانيات على البروج الاثنا عشر.

وهكذا تصرفوا في قول محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الحروف، وفي أوائل السور، وأبرزوا دروبًا من الحماقات تضحك المجانين فضلا عن العقلاء، وناهيك خزيًا لطائفةٍ هذا منهج استدلالاهم، ولسنا نكثر حكاية هذا الجنس عنهم اكتفاء بهذا القدر في تعريف مخازيهم.

وهذا فن يُعرف بضرورة العقل بطلانه فلا نحتاج إلى إبطاله، إلا أنا نعلمك في إفحام الغبي والمعاند منهم مسلكين: مطالبة، ومعارضة، أما المطالبة وهو أن يقال: ومن أين عرفتم هذه الدلالات؟ ولو حكم الإنسان بها لحكم على نفسه من سوء مزاجه أثار عليه الأخلاط، فأورث أضغاث الأحلام، وقد أضلكم الله إلى هذا الحد حتى لم يستحيوا منها أعرفتم صحتها بضرورة العقل أو نظر أو سماع من إمامكم المعصوم؟ فإن ادعيتم الضرورة بهتّم عقولكم واخترعتم، ثم لم تسلموا من معارضٍ يدعي أنه عرف بالضرورة بطلانه، ثم يكون مقامه من تعارض الحق بالفاسد مقامًا يُعارض الفاسد بالفاسد، وإن عرفتم بنظر العقل فنظر العقل عندكم باطل لاختلاف العقلاء في نظرهم، وإن صدّقتم به فأفيدونا وجه النظر وسياقه وما به الاستدلال على هذه الحماقات.

وإن عرفتم ذلك من قول الإمام المعصوم فبيِّنوا أن الناقل عنه معصوم، وبلغ الناقلون عنه حد التواتر، ثم صحِّحوا أن الإمام المعصوم لا يخطئ، ثم بينوا أنه يستحيل أن يفهم ما يُعرف بطلانه، فلعله خدعكم بهذه الحماقات وهو يعلم بطلانها، كما زعمتم أن النبي صلى الله عليه وسلم خدع الخلق بصفة الجنة والنار، وبما يحكي عن الأنبياء من إحياء الموتى وقلب العصا ثعبانًا، وقد كذب في جميعها وذكرها على علمهم أنها لم يكن منها شيء، وأن الناس يفهمون منها على القطع ظواهرها، وأنه كان يقصد تفهيم الظواهر ويعلم أنهم يفهمون ما يُفهِمهم من الظواهر وخلاف الحق، ولكن رأى فيه مصلحة، فلعل إمامكم المعصوم رأى من المصلحة أن يستهزأ بعقولكم ويضحك من أثقالكم، فألقى إليكم هذه الترّهات إظهارًا لغاية الاستيلاء عليكم والاستعباد عليكم، وافتخارًا بغاية الدهاء والكياسة في التلبيس عليكم، فليت شعري لماذا أمنتم الكذب عليه لمصلحة رآها، وقد صرحتم بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهل بينهما فرق إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم مؤيَّد بالمعجزة الدالة على صدقه، والذي إليه استرواحكم لا معجزة له سوى حماقتكم، هذا سبيل المطالبة.

وأما المعارضة فلسنا نقصد لتعيين الصور، ولكن نعلمك طريقًا يعم كل ما في العالم من أشكال الحروف، فإن كل موجود فهو من الواحد إلى العشرة فما فوقها لا محالة، فمهما رأيت شيئا واحدا تستدل به على محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا رأيت اثنين فقل هو دلالة على الشيخين أبي بكر وعمر، وإن كان ثلاثة فمحمد صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، وإن كان أربعة فالخلفاء الأربعة، وإن كان خمسة فمع محمد صلى الله عليه وسلم يكون الخلفاء الأربعة، قل: أما تعرفون السر أن الثقب على رأس الآدمي خمس؟ ما هو الواحد؟ هو الفم يدل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم فإنه واحد، والعينان والمنخران على الخلفاء الأربعة.

ونقول: أما تعرفون السر في اسم محمد وأنه أربعة حروف، ما هو؟ إذا قالوا: لا، فنقول: هو السر الذي لا يطلع عليه إلا مَلك مقرّب، فإنه يبنيه على أن اسم خليفته أربعة حروف، وهو عتيد دون علي الذي اسمه ثلاثة أحرف، فإذا وجدتَ سبعة تستدل به على سبعة من خلفاء بني أمية مبالغة في إرغامهم وإجلالًا لبني العباس عن المعارضة بهم، وقل: عدد السماوات السبع والنجوم والأسبوع دالّ على معاوية ويزيد ثم مروان ثم عبد الملك ثم الوليد ثم عمر بن عبد العزيز ثم هشام ثم السابع المنتظر، وهو الذي يقال له السفياني، وهو قول الأموية من الإمامية، أو قابلْهم بمذهب الروندية وقل: إنه يدل على العباس، ثم عبد الله بن العباس، ثم علي بن عبد الله، ثم محمد بن علي، ثم إبراهيم، ثم أبي العباس السفاح، ثم المنصور.

وكذلك ما تجده من عشرة أو اثني عشر فعدّ من خلفاء بني العباس بعددهم، ثم انظر هل تجد بين الكلامين فصلًا؟ وبه يتبين فساد كلامهم وافتضاحهم وإلزامهم باستدلاله، وهذا الجنس من الكلام لا يليق بالمحصل فيه الإكثار منه، فلنعدل عنه إلى غيره.

فننتقل -إن شاء الله عز وجل إلى الكشف عن تلبيساتهم التي زوّقوها بزعمهم في معرض البرهان على إبطال النظر العقلي وإثبات وجوب التعلم من الإمام المعصوم.

وطريقنا أن نرتب شبههم على أقصى الإمكان، ثم نكشف عن مكمن التلبيس فيها، وآخر دعواهم أن العارف بحقائق الأشياء هو المتصدي للإمامة بمصر، وأنه يجب على كافة الخلق طاعته والتعلم منه؛ لينالوا به سعادة الدنيا والآخرة، ودليلهم عليه قولهم: إن كل ما يتصور الخبر عنه بنفس وإثبات ففيه حق وباطل، والحق واحد والباطل ما يقابله؛ إذ ليس الكل حقا، ولا الكل باطلا؛ فهذه مقدمة. ثم تمييز الحق عن الباطل لا بد منه، فهو أمر واجب لا يستغني عنه أحد في صلاح دينه ودنياه، فهذه مقدمة ثانية. ثم درك الحق لا يخلو إما أن يعرفه الإنسان بنفسه من عقله بنظره دون تعلم، أو يعرفه من غيره بالتعلم، فهذه مقدمة ثالثة.

وإذا بطلت معرفته بطريق الاستقلال بالنظر وتحكيم العقول فيه وجب التعلم من الغير ضرورة، ثم المعلم إما أن يشترط كونه معصومًا من الخطأ والزلل مخصوصًا بهذه الخاصية، وإما أن يجوز التعلم من كل أحد، وإذا بطل التعلم من كل أحد أيّ واحد كان لكثرة القائلين المعلمين وتعارض أقوالهم؛ ثبت وجوب التعلم من شخص مخصوص بالعصمة من سائر الناس، فهذه مقدمة رابعة.

ثم العالَم لا يخلو إما أن يجوز خلوه من ذلك المعصوم أو يستحيل خلوه، وباطل تجويز خلوه؛ لأنه إذ أُثبت أنه مدركٌ الحق ففي إخلاء العالم عنه تغطية الحق وحسم السبيل عن إدراكه، وفيه فساد أمور الخلق في الدين والدنيا، وهو عين الظلم المناقض للحكمة، فلا يجوز ذلك من الله سبحانه وهو الحكيم المقدَّس عن الظلم والقبائح، فهذه مقدمة خامسة.

ثم ذلك المعصوم الذي لا بد من وجوده في العالم لا يخلو إما أن يحل له أن يخفي نفسه فلا يظهر ولا يدعو الخلق إلى الحق، أو يجب عليه التصريح، وباطلٌ أن يحل له الإخفاء فإنه كتمان للحق، وهو ظلم يناقض العصمة، فهذه مقدمة سادسة.

وقد ثبت أن في العالَم معصومًا مصرحًا بهذه الدعوة، وبقي النظر في تعيينه، فإن كان في العالم مدّعيان التبس علينا تمييز المحق عن المبطل، وإن لم يكن إلا مدعٍ واحد في محل الالتباس، كان ذلك هو المعصوم قطعيًّا، ولم يفتقر إلى دليل ومعجزة، ويكون مثاله ما إذا عُلِم أن في بيتٍ أو في الدار رجل هو عالم، ثم رأينا في بيت رجلًا، فإن كان في الدار بيت آخر بقي لنا شك في الذي رأيناه أنه ذلك العالم أو غيره، فإن عرفنا أنه لا بيت في الدار سوى هذا البيت علمنا ضرورة أنه العالم، فكذلك القول في الإمام المعصوم، فهذه مقدمة سابعة.

وقد عُلم قطعًا أنه لا أحد في عالم الله يدّعي أنه الإمام الحق والعارف بأسرار الله في جميع المشكلات، النائب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع المعقولات والمشروعات، العالم بالتنزيل والتأويل علما قطعيًّا لا ظنيًّا إلا المتصدي للأمر بمصر، فهذه مقدمة ثامنة.

فإذًا هو الإمام المعصوم الذي يجب على كافة الخلق تعلم حقائق الحق وتعرّف معاني الشرع منه، وهي النتيجة التي كنا نطلبها، وعند هذا يقولون: إن من لطف الله وصنعه مع الخلق ألا يترك أحدًا في الخلق يدعي العصمة سوى الإمام الحق، إذا ظهر مدّعٍ آخر لعسر تمييز المحق على المبطل، وظل الخلق فيه، فمن هذا لا نرى قط للإمام خصمًا، بل نرى له منكرًا، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له خصم قط، الخصم هو الذي يقول: لست أنت نبيَّا إنما أنا النبي، والمنكر هو الذي لا يدَّعي لنفسه وإنما ينكِر نبوتَه، فهكذا يكون أمر الإمام.

قالوا: وأما بنو العباس إن لم ينفكّ الزمان عن معارضتهم ولم يكن فيهم من يدعي لنفسه العصمة والاطّلاع من جهة الله تعالى على حقائق الأمور، وأسرار الشرع، والاستغناء عن النظر والاجتهاد بالظن، فهذه الخاصية هي المطلوبة، وقد تفرد بهذه الدعوة عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذريته، وصرف الله دواعي الخلق عن معارضته في الدعوى لمثلها؛ ليستقر الحق في نصابه وينجلي الشك عن قلوب المؤمنين رحمة من الله ولطفه، حتى إن فُرض شخصٌ يدعي لنفسه ذلك فلا يذكره إلا في معرض هذا أو مجادلًا، فأما أن يستمر عليه معتقدًا أو يعمل بموجبه فلا، فهذه مقدمات واضحة لم نهمل من جملتها إلا الدليل على إبطال نظر العقل، حيث قلنا: الحق إما أن يعرفه الإنسان بنفسه من عقله أو يتعلمه من غيره.

error: النص محمي !!