Top
Image Alt

استعراض لأهم جهود المعنيين بعلم البديع

  /  استعراض لأهم جهود المعنيين بعلم البديع

استعراض لأهم جهود المعنيين بعلم البديع

ويدعونا ما سبق لاستعراض أهم الجهود التي بذلت على يد المعنيين بعلم البديع الذين ألمحنا إلى بعضهم فيما مر بنا. ويأتي على رأس هؤلاء عبد الله بن المعتز في كتابه (البديع).

يقول ابن المعتز في ثنايا الكتاب: إنه صنفه في سنة أربع وسبعين ومائتين. قد مضى منذ السطور الأولى يعلن أنه صنفه، ليدل دلالةً قاطعةً على أن ما يكثر منه المحدثون مما يسمى بديعًا موجودٌ من قديم في القرآن والحديث وكلام الجاهليين والإسلاميين. يقول: قد قدمنا في أبواب كتابنا هذا بعض ما وجدنا في القرآن واللغة وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة والأعراب وغيرهم، وأشعار المتقدمين من الكلام الذي سماه المحدثون البديع، ليعلم أن بشارًا ومسلمًا وأبا نواس ومَن تقيلهم -يعني: حاكاهم- وسلك سبيلهم، لم يسبقوا إلى هذا الفن، ولكنه كثر في أشعارهم فعرف في زمانهم حتى سمي بهذا الاسم، فأعرب عنه ودل عليه.

ثم إن حبيب بن أوس الطائي من بعدهم شغف به حتى غلب عليه، وتفرع فيه وأكثر منه، فأحسن في بعض ذلك وأساء في بعض، وتلك عقبى الإفراط وثمرة الإسراف.

وما يلبث ابن المعتز أن يصرح بغرضه من كتابه قائلًا: وإنما غرضنا من هذا الكتاب، تعريف الناس أن المحدثين لم يسبقوا المتقدمين إلى شيء من أبواب البديع، وكان المحدثون في هذا أحد اثنين؛ إما متفلسف متعصب لم يتعمق الأدب العربي وأصوله، وإما شعوبي ممن يغمطون العرب القدماء حقهم، وينكرون عليهم كل فضل.

وتصدى لهم ابن المعتز ينقد دعواهم الباطلة، مبينًا بالبرهان الساطع أن البديع قديم في العربية، بل إنه ليتعمق في القِدم حتى العصر الجاهلي، وأن ما للمحدثين منه من أمثال بشار إنما هو الإكثار من استخدام فنونه فحسب، ويقول: إن أبا تمام أفرط في استخدامها وأسرف مما جعله يحسن تارة وتارة يسيء. وأفرد له رسالة مستقلة تحدث فيها عن محاسنه ومساوئه، احتفظ بها المرزباني في موشحه، وكأنه يريد أن يعارض في قوة من يسرفون في التجديد واستخدام البديع ببيان أن أبا تمام مَثلهم الأعلى، أخطأه التوفيق في كثير من الأحيان؛ لتتبعه هذه الفنون، وتكلفه الشديد حتى لَيستكره الألفاظ، وحتى ليجري فيها غير قليل من الالتواء والتعقيد.

بل إن إسرافه في استخدامها ليجعل قارئه يمله مللًا شديدًا مهما أحسن ومهما أتى بالنادر الطريف مثله في ذلك مثل صالح بن عبد القدوس، في بناء شعره جميعه على الحكم والأمثال، يقول: لو أن صالحًا نثر أمثاله في شعره وجعل بينها فصولًا من كلامه، لسبق أهل زمانه وغلب على مد ميدانه، وكذلك أبو تمام لو أنه جعل البديع في شعره مفرقًا لصارت أشعاره نوادر وازداد بها الكلام حظوة وحسنًا.

هذا وقد جعل ابن المعتز فنون البديع التي بنى عليها الشطر الأكبر من كتابه خمسة، هي: الاستعارة، والتجنيس، والطباق، ورد الأعجاز على ما تقدمها، والمذهب الكلامي.

ونراه حين ينتهي من بيانها واستقصائها في الأمثلة والشواهد يقول: قد قدمنا أبواب البديع الخمسة وكمل عندنا، وكأني بالمعاند المغرم بالاعتراض على الفضائل قد قال: البديع أكثر من هذا أو قال: البديع باب أو بابان من الفنون الخمسة التي قدمناها، والبديع اسم موضوع لفنون من الشعر يذكرها الشعراء والنقاد المتأدبون منهم، فأما العلماء باللغة والشعر القديم، فلا يعرفون هذا الاسم ولا يدرون ما هو، وما جمع فنون البديع ولا سبقني إليه أحدٌ.

ونحن الآن نذكر بعض محاسن هذا الكلام والشعر -هكذا يقول- ومحاسنهما كثيرة لا ينبغي للعالم أن يدعي الإحاطة بها، حتى يتبرأ من شذوذ بعضها عن علمه وذكره، وأحببنا لذلك أن تكثر فوائد كتابنا للمتأدبين، ويعلم الناظر أنَّا اقتصرنا بالبديع على الفنون الخمسة؛ اختيارًا من غير جهل بمحاسن الكلام، ولا ضيق في المعرفة، فمن أحب أن يقتدي بنا ويقتصر بالبديع على تلك الخمسة فليفعل، ومن أضاف من هذه المحاسن أو غيرها شيئًا إلى البديع فله اختيارُه.

وهي فقرة طريفة في الكتاب، إذ يذكر فيها طائفة من الحقائق المهمة، من ذلك أن كلمة البديع إنما كانت تدور قبله بين الشعراء ونقاد المتأدبين، أما اللغويون فلم يكونوا يعرفونها ولا كانوا يعرضون لها، وكان أول مَن اقترحها مسلم بن الوليد، ونراها مبثوثة في كتابات الجاحظ، وفعلًا لم تلقنا في كتابات اللغويين حتى عصر ابن المعتز.

وابن المعتز يضيف إلى ذلك أنه أول من جمع فنون البديع وألف فيها كتابًا، وهو فضل له لا ينكر، ويقول: إنه ربما اعترض عليه معترض فقال: إن الفنون الخمسة الأساسية التي عدها أركان البديع أكثر مما ينبغي، وإنه كان يحسن أن يقف بها عند فن واحد أو فنين فحسب، ويقول: إنه ربما اعترض آخر بأنها أكثر مما عده مدخِلًا فيها فنونًا أخرى من فنون محاسن الكلام والشعر. ويذكر أنه قصد إلى أن يقصر البديع على الفنون الخمسة لا عن جهل منه بل عن معرفة دقيقة. ولكي يؤكد معرفته بمحاسن الشعر والكلام مما لم يذكره، رأى أن يفصل الحديث في طائفة منها، مبيحًا لغيره أن يضيف إليها محاسن أخرى إن شاء، وكأنما كان ذلك منه تنبأ بما سيصير إليه البديع، فقد أضيفت المحاسن التي ذكرها إليه، وأضيفت محاسن أخرى جديدة، أخذ يستنبطها أصحاب البديع حتى بلغت في العصور المتأخرة نحوًا من مائة وخمسين فنًّا.

ونعتقد اعتقادًا أن ابن المعتز إنما اكتفى بالفنون الخمسة من محاسن الكلام، رأى أن يخصها باسم البديع؛ لأنها فعلًا الفنون التي كانت موضع أخذ ورد بين أصحاب البلاغة العربية الخالصة وبين طوائف المتفلسفة، ومن ينزعون نحو التجديد المسرف، ومما لا شك فيه أن فنون البديع الخمسة التي فصل ابن المعتز الحديث فيها، وما أحصاه وراءها من المحاسن؛ جمعها جمعًا من كتابات اللغويين، أمثال الأصمعي وقد ذكره في صدد حديثه عن التجنيس، ومن كتابات المعتزلة وخاصة الجاحظ، وقد ذكره في فاتحة حديثه عن المذهب الكلامي.

وأول فن من فنون البديع عني ببحثه والتمثيل له الاستعارة، وقد عرفها بأنها استعارة الكلمة بشيء لم يعرف بها من شيء قد عرف بها، وساق لها شواهد كثيرة من القرآن والأحاديث وكلام الصحابة، وأشعار الجاهليين والإسلاميين، وكلام المحدثين المنثور والمنظوم. وتكاد الشواهد جميعها أن تكون من باب الاستعارة المكنية.

وذكر عقب الاستعارة الجيدة طائفةً من الاستعارة الرديئة، وبذلك سن للبلاغيين بعده أن يتحدثوا عن العيوب التي وقعت في بعض الفنون البلاغية، وتلاها بالحديث عن الجناس بادئًا بتعريفه، ثم ذاكرًا كثيرًا من أمثلته في القرآن ومن كلام القدماء والمحدثين وأشعارهم، وعرض بعض صوره المعيبة وهو وإن لم يقسم الجناس فقد استشهد له بأمثلة كثيرة، نظر فيها مَن جاءوا بعده وقسموه على أساسها، وربما أفردوا بعض الأقسام بألقاب خاصة.

وانتقل ابن المعتز إلى المطابقة أو الطباق وبدأ ببيان أصل معناها اللغوي، ثم مضى يسوق أمثلتها من القرآن والحديث، وكلام الصحابة والتابعين، وأشعار الجاهليين والإسلاميين، ثم من كلام المحدثين وأشعارهم، وصور المطابقة المعيبة في بعض الأمثلة، وتحدث عقب ذلك عن رد أعجاز الكلام على ما تقدمها، وسماه من جاء بعده باسم “رد أعجاز الكلام على الصدور”، وقد قسمه إلى ثلاثة أقسام:

أولها: ما يوافق آخر كلمة من البيت آخر كلمة في نصفه الأول مثل قول الشاعر:

تُلقَى إذا ما الأمر كان عرمرما

*في جيش رأي لا يفل عرمرم

والعرمرم هو اليوم الشديد.

وثانيها: ما يوافق آخر كلمة من البيت أول كلمة في نصفه الأول كقول بعض الشعراء:

سريع إلى ابن العم يشتم عِرضه

*وليس إلى داع الندى بسريع

وثالثها: ما يوافق آخر كلمة من البيت بعض ما فيه، أو بعبارة أخرى: بعض ما جاء في حشوه، كقول الشاعر:

عميد بني سليم أقصدته

*سِهام الموت وهي له سهام

أقصدته: أصابته.

وتلا ابن المعتز حديثه عن الاستعارة، والجناس، والطباق، ورد الأعجاز على الصدور بالفن الخامس من فنون البديع، وهو المذهب الكلامي وقال: إن الجاحظ هو الذي سماه بهذا الاسم، كما قال: إنه باب ما أعلم أني وجدت في القرآن منه شيئًا، وهو ينسب إلى التكلف تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. ثم عرض أمثلة له وشواهد من كلام القدماء وأشعارهم، ثم من أشعار المحدثين وكلامهم، وألم بطائفة من صوره المعيبة، والظاهر أنه أراد به طريقة المتكلمين العقلية في دقة الاستنباط، وفي التعليل وفي الكشف عن المعاني الخفية.

وهذه هي فنون البديع الخمسة الأساسية التي جعلها ابن المعتز عمادَه، وقد تحدث عقبها عما أسماه محاسن الكلام، وقال: إنها أكثر من أن يحاط بها. وفصل الحديث في ثلاثة عشر منها ابتدأها بالكلام عن الالتفات، ثم عن الاعتراض، وهو اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه، ثم تكلم بالمحسن الثالث عن الرجوع، ثم بعد ذلك عن الخروج من معنى إلى معنى وساق فيه شواهد كثيرة، منها ما سماه أبو تمام في بعض حديثه للبحتري باسم الاستطراد، ثم تكلم في المحسن الخامس عن تأكيد المدح بما يشبه الذم، ثم في المحسن السادس عن تجاهل العارف، ثم في السابع عن الهزل يراد به الجد، وقد استمده من الجاحظ، ثم بعد ذلك عن حسن التضمين.

ثم عقب ذلك بالحديث في المحسن التاسع عن التعريض والكناية، ثم بعد ذلك في العاشر عن الإفراط في الصفة، ثم تكلم بعد ذلك في المحسن الحادي عشر عن حسن التشبيه، وتلاه بالمحسن الثاني عشر وهو إعنات الشاعر نفسه في القوافي، وتكلفه من ذلك ما ليس له، وهو ما سمي فيما بعد بلزوم ما لا يلزم، ثم تحدث في المحسن الثالث عشر عن حسن الابتداءات وقد ذكره بعضهم من قبل، وحرص ابن المعتز في كل هذه المحسنات وما سبقها من فنون البديع أن يستشهد عليها من كلام القدماء والمحدثين.

وهو بذلك ينفصل عن اللغويين الذين كانوا يضيقون بالمحدثين، وفي الوقت نفسه يلتقي بذوق البلاغيين من المتكلمين أمثال الجاحظ، الذي كان يعتد بالقدماء والمحدثين معًا، والذي كان يتلوم البلاغيين لموقفهم الخاطئ من بارعي المحدثين من أمثال بشار وأبي نواس، وكان ابن المعتز معتدلًا في نظرته وحكمه على شاكلة الجاحظ وغيره من المتكلمين، فهو يسوي بين المحدثين والقدماء في الإحسان مع شيء من الاحتياط إزاءهم جميعًا، وهو احتياط جعله يعقب على شواهدهم الرائعة في فنون البديع بما يعاب من كلامهم وأشعارهم جميعًا، فهو يستحسن حين ينبغي الاستحسان، ويستهجن حين ينبغي الاستهجان، بغض النظر عن القديم والحديث؛ إذ المُعول عليه عنده هو الحسن الذاتي لا على الزمان ولا على المكان، وهذا أهم ما يميزه في الكتاب.

وأهم ما يميزه كذلك دقة ذوقه وصفائه في اختيار الأمثلة والشواهد، ويكفيه فضلًا أنه أول من صنف في البديع ورسم فنونه، وكشف عن أجناسها وحدودها بالدلالات البينة والشواهد الناطقة، بحيث أصبح إمامًا لكل من صنفوا في البديع بعده ونِبراسًا يهديهم الطريق.

ويلي عبد الله بن المعتز في درجة الاهتمام بأصول وفنون علم البديع، قدامة بن جعفر في كتابه (نقد الشعر) فقدامة المتوفي سنة 337 كان مثل أبيه جعفر من كتاب الديوان العباسي بغداد، وكان في أول أمره نصرانيًّا، ثم دخل في الإسلام على يد الخليفة المكتفى، واشتهر بين معاصريه بثقافته العميقة بالفلسفة والمنطق.

وقد دفعه عمله في الديوان إلى تأليف كتابين هما (الخراج) و(صنعة الكتابة وجواهر الألفاظ) كما دفعته ثقافته الفلسفية إلى التصنيف في السياسة وصناعة الجدل، وهو يستهل كتابه (نقد الشعر) بأن العلم بالشعر ينقسم أقسامًا؛ قسم ينسب إلى علم عروضه ووزنه، وقسم ينسب إلى علم قوافيه ومقاطعه، وقسم ينسب إلى علم غريبه ولغته، وقسم ينسب إلى علم معانيه والمقصد منه، وقسم ينسب إلى علم جيده ورديئه، ويقول: إن الناس عنوا بوضع الكتب في القسم الأول وما يليه إلى الرابع عناية فائقة، أما القسم الأخير فإنه لم يجد فيه كتابًا منظمًا، ومن ثم كان الناس يخبطون فيه منذ تفقهوا في العلم وقليلًا ما يصيبون.

وهو بذلك كأنه يريد أن يلغي كل ما ألف قبله في تمييز جيد الشعر من رديئه، أو هو على الأقل لا يعترف بأن أحدًا كتب شيئًا يغني بعض الغناء في هذا الموضوع، فلا ثعلب في (قواعد الشعر) ولا ابن المعتز في كتاب (البديع) ولا غيرهما ممن سبقوه وعاصروه قد كتب فيه شيئًا بحد زعمه.

ويبدو أن ابن قدامة قد تأثر في كتابه بالفكر اليوناني في تنظيمه للكتاب؛ إذ جعله فصولًا ثلاثة، أما الفصل الأول: فبدأه بتعريف الشعر وببعض مقدمات ضرورية ثم بيان أجزائه، وأما الفصل الثاني: فتحدث فيه عن نعوت الجودة في الشعر، وأما الفصل الثالث: فخصه بعيوب الشعر، ونعوت رداءته. في الفصل الثاني الذي خصه بنعوت الجودة مضَى يوزعها على عناصر الشعر مفردة ومرتبة بالصورة التي صورها آنفًا، وبدأ باللفظ فقال: إن نعت جودته أن يكون سمحًا سهلًا مخارج الحروف من مواضعها، عليه رونق الفصاحة مع الخلو من البشاعة.

ونلحظ أنه يستمد من الجاحظ في بيانه كما يستمد من ابن قتيبة في حديثه عن حسن اللفظ بمقدمة كتابه (الشعر والشعراء).

ثم بعد ذلك انتقل يتحدث عن نعت المعاني، ولاحظ أن أغراض الشعر كثيرة، من ثم اكتفى منها ببيان الأغراض المهمة، وهي المدح والهجاء والمراثي والتشبيه والوصف والنسيب، ثم راح يقول: إن هذه الأغراض التي ذكرها إنما هي وجوه من جملة معاني الشعر، أما ما يعم جميع تلك المعاني فإنه سيعنَى بذكره وبيانه، وأول ما يعنى به من ذلك صحة التقسيم، وهو أن يستوفي الشاعر جميع الأقسام لما ابتدأ به، ثم بعد ذلك تكلم عن صحة المقابلات، وتحدث فيما بعد عن صحة التقسيم، هو أن يذكر الشاعر في بيت معنيين متقابلين في إجمال، ويفسرهما ويستوفي شرحهما، إما في الشطر الثاني المقابل، وإما في بيت لاحق.

تحدث بعد ذلك في نعوت الجودة عن عناصر الشعر الأربعة: اللفظ والمعنى والوزن والتقفية، واستطاع من خلال ذلك أن يصل إلى ثمانية عشر محسنًا، هي على الترتيب: الترصيع والغلو وصحة التقسيم وصحة المقابلات وصحة التفسير والتتميم، وقد ضمنه ما سماه ابن المعتز بالاعتراض والمبالغة والإشارة والإرداف والتمثيل، وقد سمي بعده باسم المماثلة، والمطابق وسمي بعده باسم التعطف، والتوشيح، وقد وسع معناه بالقياس إلى ما سماه ابن المعتز باسم رد الأعجاز على ما تقدمها، والإيغال والتكافؤ، إلى غير ذلك حتى بلغ هذه الثمانية عشر.

وكما قلنا: اقتفَى أثره في ذلك أبو هلال العسكري الذي جمع في كتابه (الصناعتين) وغاية ما جمعه سبعة وثلاثين نوعًا، ثم جاء ابن رشيق القيرواني فأضاف إلى ذلك في كتابه (العمدة) ثلاثة وثلاثين بابًا من فضائل الشعر وصفاته وأغراضه وعيوبه، وغير ذلك من أنساب الشعراء وأحوالهم.

ومن المهم -ونحن نعرض المراحل التي مر بها علم البديع، وهي الجهود التي بُذلت لإرساء قواعد هذا العلم من قبل المتأدبين، وأصحاب البديعيات، وغيرهم- أن نرقب مواقف أقطاب البلاغة الذين على أيديهم استقرت علوم البلاغة الثلاثة، وأخص بالذكر من هؤلاء الإمام عبد القاهر وأبا يعقوب السكاكي والخطيب القزويني، وذلك نرى كيف وصلت الدراسات المتعلقة بالبديع على أيديهم وكيف عولجت فنونه وقُسمت.

لقد حاول عبد القاهر أن يكشف في كتابه (أسرار البلاغة) عن دقائق الصور البيانية متخللًا لها بنظرات نفسية وذوقية جمالية رائعة، واستطاع أن يصيغ من خلال ذلك نظرية البيان على نحو ما فعل الشيء ذاته في كتابه (دلائل الإعجاز) عندما وضع نظرية المعاني، وهي نظرية النظم، وكان له في كل ذلك باع طويل؛ إذ كان محيطًا بنماذج الشعر العربي وفرائده، وكان له حس مرهف وبصيرة نافذة، استطاع بهما أن يحرر مسائل هذين العلمين، وأن يميز أقسامهما ومباحثهما.

إلا أن الملاحظ أنه لم يحاول وضع نظرية في علم البديع، وإن كان فسر القول في (أسرار البلاغة) عن الجناس بأنواعه، والسجع، وحسن التعليل، والسرقات الشعرية، وأشار غير ما مرة إلى الطباق، كما أنه وقف في (الدلائل) على الجناس التام، ولو صنع لأعفى أصحاب البديع من توزع مباحثهم فيه توزعًا حال بينه وبين أن تصبح له نظرية متشابكة، على غِرار نظريتي المعاني والبيان، لكن حسبه أنه حثَّ من خلال ما كتب في (الأسرار) بالذات على عدم التوسع في استخدام هذه الأصباغ؛ حتى لا تصبح الألفاظ حليًا ووشيًا يغمر المعاني بحيث لا تكاد تتضح.

وكان ينوه بأسلوب الجاحظ، وأنه لم يكن أثناء كتابته يعمد إلى السجع؛ خشيةَ أن يتجرد عن معانيه ويقول عبد القاهر: إن الكاتب ينبغي ألا يجلبه إلى كتابه إلا أن يأتي عفوا وبدون تعمد في طلبه.

ومن بعده جاء السكاكي في غرة مصنفاته (مفتاح العلوم) وقسمه إلى ثلاثة أقسام أساسية، خص القسم الثالث منها بعلم المعاني والبيان، ثم ألحق بهما نظرة في الفصاحة والبلاغة ودراسة للمحسنات البديعية اللفظية والمعنوية. ومضى الخطيب القزويني بعده في كتاب (الإيضاح) يعرض علم البديع بمحسناته عرضا أكثر تفصيلًا بالطبع من عرضه له في (تلخيص المفتاح) ومع هذا فهو خير من خلف السكاكي في دائرة تلخيص قواعد البلاغة وتقعيدها، وسرعان ما رأينا من خلفوه يعكفون على تلخيصه بالشرح مرارًا كأنهم رأوا فيه خير ما يجمع تلك القواعد.

نخلص مما سبق إلى أن ألوان البديع كانت تأتي في أشعار العرب القدامى عفو الخاطر، وأن مَن وليهم من نحو بشار ومسلم بن الوليد والعتابي وأبي نواس وأبي تمام وابن المعتز وأضرابهم؛ رأوا مواقع تلك الأبيات من الغرابة والحسن وتميزها، فتكلفوا الاحتذاء بها، حتى أضحى البديع صنعة لها روادها، وراح المولعون بهذه الأصباغ وعلى رأسهم الخليفة الشاعر عبد الله بن المعتز، يسجل هذه الألوان التي كثرت في الشعر، واستطاع أن يحولها إلى قواعد وأصول.

وقد تبعه في ذلك قدامة بن جعفر، وأبو هلال العسكري، وابن رشيق، ومن سُموا بأصحاب البديعيات، وهم الذين كانوا ينظمون أبياتًا في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم يضمنونها هذه الأصباغ، وكثرت هذه الأصباغ كثرة فاحشة ومتكلفة، حتى أوصلها بعضهم إلى مائة وخمسين صبغًا بديعيًّا، وقد كان كثرتها سببًا في إسفافها وتجريدها -كما سبق أن ذكرنا- من الرواء والروعة التي كانت تتسم به في أشعار القدامى، وما ذلك إلا لأنها أضحت مؤخرًا تُقصد لذاتها وتأتي بطريق التعمل والتكلف.

error: النص محمي !!