Top
Image Alt

استكمال الحديث عن أسباب ارتقاء العالم الإسلامي

  /  استكمال الحديث عن أسباب ارتقاء العالم الإسلامي

استكمال الحديث عن أسباب ارتقاء العالم الإسلامي

ثانيًا: طبيعة الفاتحين:

تربى هؤلاء الرجال في مدرسة النبوة، وكان كل فرد منهم معجزة جليلة لمحمد صلى الله عليه وسلم إيمانًا وعقيدةً وعملًا، وتربيةً وتهذيبًا وتزكيةً للنفس وسمو سيرة، وكمالًا واعتدالًا، لقد صاغهم النبي صلى الله عليه وسلم صوغًا وصبهم في قالب الإسلام صبًّا، فعادوا لا يشبهون أنفسهم إلا في الأجسام لا في الميول والنزعات، ولا في الرغبات والأهواء ولو دقق مدقق لما رأى في سيرتهم وأخلاقهم مأخذً جاهليًّا، ينافي روح الإسلام والنفسية الإسلامية، ولو تمثل الإسلام بشرًا لما زاد على أن يكون كأحدهم.

ثالثًا: نبل الغاية والهدف:

وكانت الفتوح الإسلامية لإخراج الناس من الظلمات إلى النور؛ لإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد؛ لهدايتهم سواء السبيل، والمتتبع للتاريخ العام لانتشار الإسلام بين تلك الأمم، ونشوء ما يعرف بالعالم الإسلامي يرى أنه قد تكون إما نتيجة لفتوح عسكرية مدت نطاق دولة إسلامية إلى مناطق غير إسلامية مما يليها، وخططهم في ذلك الخطة التي سار عليها النبي صلى الله عليه وسلم في نشر الدعوة، وهي التي رسمه القرآن الكريم في قوله تعالى: {ادْعُ إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنّ رَبّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، ونلاحظ من خلال هذه الآية الكريمة في مغازي النبي صلى الله عليه وسلم وفي كل الفتوح الإسلامية، أن الهدف المنشود هو إيصال الهداية إلى قلوب الناس من غير إكراه، والمسلمون لم يحاربوا قومً أو أمةً أو شعبًا، إنما حاربوا القوى التي تحول دون وصول الإسلام إلى الناس.

فقد جاهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة معه أئمة الكفر في مكة، ولكنه لم يحارب أهل مكة، مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة يدعو إلى الله وحده، والإيمان برسالته واليوم الآخر، لا يلين ولا يستكين، وقامت قريش وأضرموا البلاد نارًا؛ ليحولو بينه وبين أبنائهم وإخوانهم فأصبح الإيمان به والانحياز إليه جد الجد، فسمعت فتية مؤمنة، فضاقت عليهم الحياة بما رحبت، ورأوا أنهم لا يسعهم إلا الإيمان بالله ورسوله، فآمنوا وتقدموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلموا أنفسهم وأرواحهم إليه سمعوا القرآن يقول: {الَـمَ (1) أَحَسِبَ النّاسُ أَن يُتْرَكُوَاْ أَن يَقُولُوَاْ آمَنّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنّا الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنّ اللّهُ الّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 1-3]. ولم يزدهم هذا البلاء والاضطهاد في الدين إلا متانة في عقيدتهم وحمية لدينهم، ومقتً للكفر وأهله، وخرجوا من كل محنة وبلاء خروج السيف بعد الجلاء.

رابعًا: اعتزازهم بالإسلام:

فلقد حقق المسلمون في القرن الأول الهجري بالإسلام ما لم يستطع المتأخرون أن يحققوه في الثلاثة عشر قرنًا التي تلته، لقد عاشت الأمة الإسلامية فترة من الزمان لا يستهان بها، كانت فيها عزيزة الجانب قوية، يخاف الأعداء بطشها ويهابونها، وذلك عندما كانت متمسكة بتعاليم الإسلام، ومحافظة على عقيدتها الإسلامية، ومنهجها الإلهي الذي شرعه الله للناس، فعزت الأمة وملكت ناصية الأمم وسادت، وكانت لها الريادة والزعامة لكافة الشعوب.

ومم يلفت النظر في هذا الأمر أن أسلحة المسلمين في ذلك التاريخ كانت بسيطة، أل وهو سلاح الإيمان الذي علمهم كيف يقاتلون، وكيف يصمدون أمام الفئة الباغية بعدده وعدتها، وكيف يصبرون على البلاء، وهم يحرصون على الاستشهاد، واستطاع المسلمون الأوائل بما منحهم الله من قوة الإيمان أن يقضو على دول الكفر، ويفتحو البلاد والأمصار غربًا وشرقًا وجنوبًا وشمالًا، حتى تم إقامة دولة الإسلام تقع في متوسط قارات العالم القديم: آسيا، وإفريقيا، وأوربا، حتى أصبح البحر المتوسط بحيرة إسلامية؛ ونتيجة لذلك ظهرت الدولة الإسلامية الكبرى التي فرضت وجودها بقوة الإيمان والرحمة، وحسن الخلق لا بقوة السيف، ورهبة البطش والعدوان.

وقد ظلت هذه الدولة محافظة على وجودها ما دامت متمسكة بتعاليم القرآن، ونصرها على عدوها باعتصامه بحبل الله، وكان الإيمان بالله ورسله وكتبه هو السلاح الذي تسلح به الذين خرجوا لرفعة راية التوحيد، ويدعون إلى الإسلام لا يهابون الموت إن وقع عليهم أو وقعوا فيه، ولا يطلبون إلا النصر والشهادة، هدفهم في هذا رضا الله عنهم عز وجل ونشر الإسلام إلى الشعوب المقهورة المغلوبة على أمرها، من قبل الحكام المجرمين الذين حجبوا عنها نور الإسلام، وعن مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم وبتمسك المسلمين بدينهم شمخت دولتهم، وعظمت وارتفع شأنهم بين شعوب العالم، وبلغت اتساع دولتهم إلى الصين شرقًا وفرنسا غربًا، وأعماق إفريقيا جنوبًا.

وهكذ نجد الإسلام هو السلاح القوي الفعال، الذي يمكن أن يسند إليه سر انتصار المسلمين، واتساع دولتهم بتلك الصورة المذهلة في فترة وجيزة من تاريخهم المجيد، وبعد أن استقرت دعائم الدولة الإسلامية عكف المسلمون في البحث في شتى العلوم الناقصة، فأقاموا نهضة رائعة تتمثل في العلوم والعمارة، ويرجع السبب في ذلك إلى منهج المسلمين الذين تربوا على المفاهيم الصحيحة، أدركوا أن مسألة الاهتمام بالناحية العلمية بالدرجة الأولى قضية تعبدية، وليست مجرد وسيلة للوصول إلى الغاية والقوة، أو التسلط في الدنيا، ولم يكن الجيل الأول من المسلمين يرى التفريق الحادث الآن بين العلم التجريبي، والعلوم الشرعية.

لقد كان همة العلماء لا تقف بهم في طلب العلم عند هذا الحد، بل كان الواحد منهم يجمع شتى أنواع العلوم، سواء أكانت نظرية أو عملية؛ لأن تعليم العلوم الشرعية يعتبر فرض عين عليهم أو العلوم الأخرى فهي فرض كفاية، وانطلق المسلمون في مسيرة العلم، وقدموا نماذج على أعلى درجة من التخصص العلمي، وقامت النهضة الشاملة على أكتاف هؤلاء النفر من علماء الإسلام الأفذاذ؛ وبذلك بدأت حركة علمية واسعة في شتى أنحاء الدولة الإسلامية، اعتمدت في أول أمرها على الترجمة من اللغات الأجنبية: اليونانية، والسريانية، والهندية.

وبدأ المسلمون يمارسون عملية نقل المعارف التي كانت موجودة في الحضارات السابقة عن طريق الترجمة، التي أخذت صورة ضخمة من إقبال المسلمين عليها، واهتمام الحكام وتشجيع العاملين في صناعة الترجمة، والنسخ وإغداق الأموال عليهم بسخاء، لقد قام المسلمون بعملية الترجمة، ونقل المعارف الإنسانية بهمة بالغة النشاط، فضلًا عن أنهم كانوا أمناء في الترجمة والنقل من اللغة الأصلية إلى اللغة العربية، إلا أنهم مفطورون على الإبداع والابتكار، وصححوا ما في هذه المعارف من أخطاء، وكملوا ما بدأه السابقون وأضافوا إليه. وهكذا ظهرت الإنجازات العلمية العظيمة، التي تميزت بها الحضارة الإسلامية إبان عصورها الزاهية.

الانحطاط في الحياة الإسلامية الحد الفاصل بين العصرين: قال أحد الأدباء: أمران لا يحدد لهم وقت بدقة: النوم في حياة الفرد والانحطاط في حياة الأمة، فلا يشعر بهما إلا إذ غلبا واستوليا، إنه لحق في قضية أكثر الأمم، ولكن بدأ التدني والانحطاط في حياة الأمة الإسلامية أوضح منه في حياة الأمم الأخرى، ولو أردنا أن نضع إصبعنا على الحد الفاصل بين الكمال والزوال، لوضعنا على ذلك الخط التاريخي الذي يفصل بين الخلافة الراشدة والملوكية العربية، أو ملوكية المسلمين.

error: النص محمي !!