Top
Image Alt

استكمال الحديث عن العوامل التي تجزم فعلين

  /  استكمال الحديث عن العوامل التي تجزم فعلين

استكمال الحديث عن العوامل التي تجزم فعلين

ما تطلبه أدوات الشرط الجازمة:

قد عبر عن ذلك ابن مالك في (الألفية) بقوله:

فعلين يقتضين شرطٌ قدِّمَا

*يتلو الجزاءُ وجَوابًا وُسِمَا

أي: أن أدوات الشرط الإحدى عشرة -التي تقدم ذكرها- كل واحدة منهن “تقتضي” أي: تطلب جملتين؛ إحداهما: وهي المتقدمة تسمى شرطًا، والثانية: وهي المتأخرة تسمى جوابًا وجزاءً، ويدل على هذا التفسير قول ابن مالك في (التسهيل): “وكلها تقتضي جملتين”. وإنما قال هنا “فعلين”؛ لأمرين:

الأول: تنبيه السامع على أن حق الشرط والجزاء أن يكونَا فعلين، نحو: إن تنصت إلى الشرح تفهمْ، ومَن يفعل خيرًا يلقَ ثوابه، لكن ذلك لا يلزم في الجزاء؛ لأنه قد يأتي جملة اسميةً، كما في قوله تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدُيرٌ}  [الأنعام: 17].

الثاني: أن التعبير بجملتين قد يُوهِم جواز كون الشرط جملةً اسميةً، وهذا لا يكون أبدًا، وإنما سمي الأول شرطًا؛ لتعليق الحكم عليه كما في تعليق الفَهم على الإنصات، بمعنى: أن المتكلم يعتبر تحققَ مدلوله شرطًا لتحقق مدلول ما بعده، ويعتبره وقوعَه شرطًا لوقوع ما بعده، وإنما سمي الثاني جوابًا؛ لأنه مرتب على الشرط كما ترتب الجواب على السؤال، فلكونه لازمًا عن الأول أشبه الجوابَ اللازم عن السؤال، ويسمى الثاني أيضًا جزاءً؛ لأن مضمونه جزاء لمضمون الشرط، فلكونه مرتبًا على حصول الأول أشبه الجزاء المرتب على الفعل ثوابًا أو عقابًا.

ما يجب أن يكون عليه فعلُ الشرط:

يجب أن يكون فعل الشرط مضارعًا بشروط ثلاثة، أو ماضيًا بشروط أربعة:

فشروط المضارع الواقع شرطًا هي:

  • ألا يكون طلبيًّا.
  • وألا يكون ذا تنفيس.
  • وأن يكون إما مثبتًا وإما منفيًا بـ”لا”، أو لم.

ومثال المستوفي للشروط: إن تجتهد تنجح، وإن لا تُهمل في عملك تُحمد، وقوله تعالى: {وَإِن لّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67].

وشروط الماضي الواقع شرطًا هي:

  • ألا يكون طلبيًّا.
  • وألا يكون جامدًا.
  • وألا تسبقه “قد”.
  • وألا يسبقه حرف نفي.

ومثال المستوفي للشروط: إن زارني علي أكرمته.

وإنما اشترط في فعل الشرط ألا يكون طلبيًّا؛ لأن فعل الطلب مطلوب حصولُه، وذلك ينافي التعليقَ في الشرط الذي يتطلب أن يكون الشرط غيرَ محقق الوقوع، بل يجوز وقوعُه أو عدم وقوعه، وإنما اشترط في المضارع ألا يكون ذَا تنفيس، وفي الماضي ألا يسبق بـ”قد” ولا حرف نفي؛ لشدة طلب الأداة للفعل، فلا يجوز الفصل بينها وبينه. وقد اغتفر في المضارع الفصل بينهما بـ”لا” النافية؛ لأنها يغتفر الفصل بها بين المضارع وناصبه، فاغتفر الفصلُ بها في الجزم مثله، واغتفر فيه الفصلُ بينهما بـ”لم”؛ لأن “لَمْ” لم تعد فاصلًا، لكونها حرفًا بسيطًا، قوي التأثير في المضارع يجزمه ويقلب زمنه، وينفي معناه، فاعتبر كالجزء منه.

وإنما اشترط في الماضي ألا يكون جامدًا؛ لأن تأثير أداة الشرط في فعل الشرط بتحويله لمعنى الاستقبال، هو نوع من التصرف، وهو يتناقض مع وضعه على صفة الجمود.

ما يجب أن يكون عليه الجواب والجزاء:

قد يكون الجواب أو الجزاء فعلًا مضارعًا، كما في قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ خَيْراً يَرَهُ} [الزلزلة: 7] وقد يكون فعلًا ماضيًا، كقولهم: مَن جدَّ وجدْ، ومن زرع حصد، وقد يكون جملة فعلية مقرونة بالفاء، كما في قوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبّونَ اللّهَ فَاتّبِعُونِي} [آل عمران: 31] وقد يكون جملة اسمية مقرونة بالفاء، كما في قوله تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ} [الأنعام: 17] أو جملة اسمية مقرونة بـ”إذا” الفجائية، كما في قوله تعالى: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ بِمَا قَدّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم: 36].

وفي جميع هذه الأحوال لا بد أن يستوفي الجوابُ ثلاثةَ شروط:

الشرط الأول: أن يفيد معنًى غير المعنى المستفاد من الشرط، فلا يصح نحو: إن تجتهد تجتهد، ولا نحو: مَن يجتهد يجتهد؛ لأن الجواب لم يفِد معنًى غير ما يُستفاد من الشرط، واتحاد الشرط والجواب يخالف قاعدةَ الشرط والجزاء التي تقتضي تغايرَهما؛ لأن الشرط في الحقيقة سببٌ للجزاء، والجزاء مسبَّب عنه، والسبب غير مسبب، فإن اتحدَا الشرط والجواب لفظًا وكان مع ذلك غرض معنوي يتوخَّى من ذلك، جاز اتحادهما؛ لأن هذا الغرض المعنوي يؤدي إلى تغايرهما في المعنى. وذلك كما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فَمَن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله)) فالغرض المعنوي المراد هنا ترتيب قبول الهجرة وثوابها على الإخلاص في فعلها، وذلك أدى إلى تغاير معنوي بين الشرط والجواب؛ لأن المعنى في هذا الغرض: فَمَن كانت هجرته إلى الله ورسوله تقربًا وإخلاصًا، فهجرته إلى الله ورسوله قبولًا وثوابًا، فالشرط فيه كنايةٌ عن الإخلاص، والجواب فيه كنايةٌ عن القبول.

على أن بعض النحويين يذهب إلى أن جواب الشرط في الحديث محذوف؛ لدلالة ما ذكر عليه، والتقدير: فله ثواب الهجرة إلى الله ورسوله، والمذكور في الحديث دليل على هذا الجواب؛ لأنه مستلزم له فهو مِن إقامة السبب مقامَ المسبب.

الشرط الثاني: أن يتأخر الجواب عن الشرط، وقد أشار ابن مالك إلى هذا الشرط بقوله:”يتلو الجزاءُ”.

قال المرادي: فُهم من قوله: “يتلو الجزاء” أنه لا يتقدم، وإن تقدم على أداة الشرط شبيه بالجواب فهو دليل عليه وليس إياه.

هذا مذهب جمهور البصريين.

وذهب الكوفيين والمبرد وأبو زيد: إلى أنه الجواب نفسه، والصحيح الأول. انتهى.

والخلاف الذي ذكره يدور حول نحو قولنا: أكرمك إن زرتني، حيث تقدم على أداة الشرط إنْ شبيه بالجواب وهو أكرمك، والصحيح من القولين هو أن أكرمك دليل الجواب، وليس هو الجواب؛ لأن حق الجواب ألا يتقدم؛ لأنه مترتب على الشرط ومتوقفٌ عليه ومسبب عنه، فَرُتْبَتُه أن يتأخر عنه لا أن يتقدم عليه. ويلزم من اشتراط تأخر الجواب عن الشرط ألا يتقدم معمول الجواب على الشرط، فلا يجوز عند جمهور النحويين: محمدًا إنْ أكرمتني أكرمْه، على أن الأصل: إن أكرمتني أكرم محمدًا، وقد أجاز ذلك الكسائي، وردّ إجازتَه أبو حيان وقال: تحتاج إجازة هذا التركيب إلى سماع من العرب، وإذا كان الجواب مرفوعًا نحو: خيرًا إن أتيتني تصيبه، جاز عند الجميع تقدم معموله كما في المثال، وسبب ذلك أن المرفوع ليس بجواب على الحقيقة، وإنما هو دليل الجواب وفي نية التقديم، وكأنه قيل: تصيب خيرًا إن أتيتني، والجواب محذوف للدلالة عليه.

الشرط الثالث في الجواب: أن يكون معناه مستقبلًا كما تقدمت أمثلته، وذهب ابن مالك -تبعًا للجزولي- إلى أن الفعل الماضي المقرون بالفاء و”قد” ظاهرةً أو مقدرةً، يجوز أن يقع جوابًا للشرط، كما في قوله تعالى: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لّهُ مِن قَبْلُ} [يوسف: 77] .

وقوله تعالى: {إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ} [يوسف: 26] أي: فقد صدقت، وهذا الفعل ماض لفظًا ومعنًى، ووصف ذلك أبو حيان بأنه مستحيل من جهة أن الشرط يتوقف عليه مشروطه، فيجب أن يكون الجواب بالنسبة إليه مستقبلًا، وإلا لزم من ذلك تقدم المستقبل على الماضي في الخارج أو في الذهن، وذلك محال، ثم ذهب إلى تأويل ما ورد من ذلك على حذف الجواب، أي: إن يسرق فتأس، فقد سرَق أخ له من قبل، وإن كان قميصه قد من قبل فعاقبه، ومثل ذلك قوله تعالى: {وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ} [فاطر: 4] أي: فتسن، فقد كُذِّبت. قال: وسمي المذكور جوابًا؛ لأنه مغنٍ عنه بحيث لا يجامعه؛ لكثرة ما استعمل كذلك محذوفًا.

وفي توجيه ذلك ونحوه ذهب ابن الحاجب إلى أن الجزاء قسمان:

أحدهما: أن يكون مضمونه مسببًا عن مضمون الشرط، نحو: إن جئتني أكرمتك.

والثاني: ألا يكون مضمون الجزاء مسببًا عن مضمون الشرط، وإنما يكون الإخبار به مسببًا، نحو: إن تكرمني فقد أكرمتك أمس، والمعنى: إن اعتدت عليَّ بإكرامك إياي، فأنا أيضًا أعتدت عليك بإكرامي إياك.

وعلى هذا الذي ذكره يكون الجواب مستقبلًا في معناه، ويكون الفعل المقرون بالفاء و”قد” جوابَ شرطٍ، كما ذكر الجزولي وابن مالك، ولا يكون الجواب محذوفًا كما ذكر أبو حيان.

الخلاف النحوي حول جازم جواب الشرط:

اختلف النحويون حول عامل الجزم في جواب الشرط على خمسة أقوال:

القول الأول: أن أداة الشرط جازمة للجواب كما أنها جازمة للشرط، وهذا مذهب المحققين من البصريين، وإليه ذهب السيرافي، واختاره ابن عصفور وغيره. ووجه: أن أداة الشرط اقتضت الفعلين اقتضاءً واحدًا، وربطت الجملتين إحداهما بالأخرى، حتى صارتَا كالجملة الواحدة، فهي مثل: إن وظن وأخواتهما، فعملت في الجزأين؛ لاقتضائها لهما.

وقد أشار ابن مالك إلى اختيار ذلك بقوله: “فعلين يقتضين”.

واعترض هذا القول بأمرين:

الأمر الأول: أن الجازم كالجار في اختصاصه بنوع وعمله فيه، فلا يعمل في شيئين، كما أن الجار كذلك.

الأمر الثاني: أنه ليس في اللغة ما يتعدد عملُه إلا ويختلف كرفع ونصب.

وقد أجيب عن ذلك: بأن الجازم لَمَّا كان لتعليق حكم على آخر عمل فيهما بخلاف الجار، وبأن تعدد العمل قد عُهِدَ من غير اختلاف كمفعول ظن، ومفاعيل أعلم وأرى.

القول الثاني: أن الجازم للجواب هو أداة الشرط وفعل الشرط معًا، كما قيل: إن الابتداء والمبتدأ كلاهما رفعَا خبرًا، وهذا مذهب الخليل كما يُفهم من قوله سيبويه: وزعم الخليل أنك إذا قلت: إن تأتِني آتك، فآتِك انجزمت بأن تأتِني كما تنجزم إذا كانت جوابًا للأمر حين قلتَ: ائتِني آتِك، وإلى ذهب المبرد في (المقتضب) وابنُ جني في (اللمع) حيث قال: “تقول: إن تَقُمْ أقمْ، تجزم تقم بإنْ، وتجزم أقم بإن تقم جميعًا”.

وحجة أصحاب هذا القول أن حرف الشرط ضعيف كالجار لا يقدر على عملين، وقد جزَم فعلَ الشرط، فلا يجزم الجواب إلا بانضمام فعل الشرط إليه في العمل والتأثير. ورد هذا القول: بأن حرف الشرط لا يُقاس على حرف الجر؛ لتخالفهما، وبأن عمل الفعل الجزم مستغرب، وبأن العامل المركب لا يُحذف أحدُ جزأيه ويبقى الآخر، وفعل الشرط قد يُحذف.

القول الثالث: أن جازم الجواب هو فعل الشرط، وهذا القول نسب إلى الأخفش، وهو ظاهر قول سيبويه: اعلم أن حروف الجزاء تجزم الأفعالَ وينجزم الجوابُ بما قبله، وهو اختيار ابن مالك في (التسهيل) وشرحه. قال في (التسهيل): “وجزم الجواب بفعل الشرط لا بالأداة وحدها ولا بهما، ولا على الجوار؛ خلافًا لزاعم ذلك”. وقال في شرحه: وإذا بطَل جزمُ الجواب لما سوى فعل الشرط، تعين كونه مجزومًا بفعله؛ لاقتضائه إياه بما أحدثت فيه الأداةُ من المعنى والاستلزام، وعلى هذا يئول قول سيبويه: واعلم أن حروف الجزاء تَجزم الأفعالَ ويُجزم الجواب بما قبله؛ لأن ترك تأويله يقتضي أن يكون للفاعل والمفعول حظٌّ في جزم الجواب، وذلك لا يصح اتفاقًا.

وقد رَدَّ بعض النحويين هذا القولَ: بأن عمل الفعل الجزم مستغرب.

القول الرابع: أن الشرط والجواب تجازمَا أي: جزَمَ كل واحد منهما الآخرَ، فقول الكوفيين في المبتدأ والخبر: إنهما ترافَعا، وهذا القول ذكره المصرح، وقال: نقله ابن جني عن الأخفش، وهما مردود أيضًا: بأن عمل الفعل الجزم مستغرب في اللغة.

القول الخامس: أن الجواب مجزوم بالمجاورة؛ لكونه جاور الشرط المجزوم، وهذا قول الكوفيين، وهو مردود؛ لأن الجوابَ قد ينجزم ولا يكون الشرط مجزومًا، وقد يكون بين الشرط والجواب معمولاتٌ فاصلة، فلا يكون بينهما تجاور.

صور مجيء الشرط والجزاء فعلين:

ومَاضيين أو مُضارعين

*تُلفيهِمَا أو مُتَخالِفَين

ومعنى ذلك: أن الشرط والجزاءَ لا يُشترط فيهما أن يكونَا من نوع واحد، بل تارةً يكونان مضارعين، وتارةً يكونان ماضيين، وتارةً يكونان مختلفين؛ ماضيًا فمضارعًا، أو العكس، فالشرط مضارع والجواب ماض.

وهذه أربع صور فيما يلي بيانها:

الصورة الأولى: أن يكون كل من الشرط والجزاء فعلًا مضارعًا، وهذه الصورة هي أصل الشرط والجزاء، وهي أحسن صوره؛ لأن مبناه ترتب شيء في المستقبل على حصول شيء بعد زمن التكلم؛ ولأن تأثيرَ العامل يظهر في الفعلين، كما في قوله تعالى: {وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ} [الأنفال: 19].

الصورة الثانية: أن يكون كل من الشرط والجزاء فعلًا ماضيًا، كما في قوله تعالى: {وَإِنْ عُدتّمْ عُدْنَا} [الإسراء: 8] وهذه الصورة تلي الأولى في الحسن؛ للمشاكلة بين الفعلين في عدم تأثير العامل فيهما، والفعلان الماضيان في هذه الصورة في محل جزم؛ لأن أداة الشرط تقلب الماضي سواء أكان شرطًا أم جزاءً للاستقبال، فمَن ثَم تستحق التأثيرَ في محله حيث تعذر تأثيرها في لفظه، والماضي في هذه الصورة ماض في لفظه دون معناه، سواء أكان بلفظ كان أم بلفظ فعل غير كان على الأصح، بدليل نحو قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطّهّرُواْ} [المائدة: 6] الآية. وزعم المبرد وتبعه الرضي أن كانَ في الشرط تبقى على المضي؛ لقوتها في هذا المعنى، وحمَل على ذلك قولَه تعالى: إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} [المائدة: 116] وأجاب الجمهور: بأن المعنى: إن يتبين في المستقبل أني كنتُ قلته في الماضي، فالماضي في الآية مئول بالمستقبل، كما حُمِلَ على ذلك بيت الفرزدق:

أتغضب إن أذنًا قتيبة حزتَا

*جَهارًا ولم تغضبْ لقتلِ ابْن خازم 

أي: أتغضب إن تبين في المستقبل أن أذني قتيبة حزتَا فيما مضى.

الصورة الثالثة: أن يكون الشرط والجزاء متخالفين، والشرط ماض والجزاء مضارع، وهذه تلي الصورة الثانيةَ في الحُسن والقبول؛ لأن فيها خروجًا من الأضعف إلى الأقوى، أي: من عدم التأثير في فعل الشرط إلى التأثير في فعل الجزاء، كما في قوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الاَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} [الشورى: 20] ويرى بعض النحويين وجهًا آخرَ للحسن في الآية، وهو أن الاعتماد في المعنى على خبر كان وهو مضارع، فكأنه قيل: مَن يرِد نَزِدْ، وليس هذا مثل قول القائل: إن زرتني أكرمك.

الصورة الرابعة: أن يكونَا متخالفَيْن، والشرط مضارع والجزاء ماضٍ، واستعمال هذه الصورة قليل؛ لأن فيها خروجًا من الأقوى إلى الأضعف، فهي بمنزلة تهيأة العامل للعمل، ثم قطعه عن العمل، ولهذا خَصه الجمهور بضرورة الشعر، كما في قول أبي ذؤيب الطائي:

مَن يُكِدْني بِسَيئٍ كُنتَ مِنهُ

*كَالشجَا بَينَ حَلْقِهِ وَالوَريدِ

والشجا”: ما يَنشب في الحلق من عَظْم وغيرِه.

وكما في قول قعنب بن أم صاحب:

إن يسمع سبة طاروا بها فرحًا

*مني وما يسمع من صالح دَفنُوا

 

وقول الآخر:

إن تصرمونا وصلناكم وإن

*تصلوا مَلأتمُ أنفسَ الأعداء إرهابا

وذهب الفراء ومَن تبعه، ومنه ابن مالك، والأشموني، إلى جواز استعمال هذه الصورة في الاختيار. ومن شواهدها قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن يقم ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غفِر له)) رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه وقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: “إن أبا بكر رجل أسيف، متى يقم مقامَك رق” وقوله تعالى: {إِن نّشَأْ نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ مّنَ السّمَآءِ آيَةً فَظَلّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 4] لأن الفعل “ظلت” ماضٍ وهو معطوف على الجواب: {نُنَزّلْ} فيكون جوابًا؛ لأن تابعَ الجواب جوابٌ. وجمهور النحويين لا يسلمون ذلك ويقولون: إن الحديث تجوز روايته بالمعنى فليس نصًّا في الدليل، والآية لا دليل فيها؛ لأنه يُغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع.

حكم رفع المضارع الواقع جوابًا لأداة شرط جازمة:

يقول ابن مالك ملخصًا ذلك الحكمَ:

وَبَعدَ مَاضٍ رَفعَكَ الجزَا حَسَن

*وَرفعُهُ بَعدَ مُضَارِعٍ وَهَـن

ومعنى قوله هذا: أن الحكم يتوقف على نوع الشرط، فلدينا صورتان لكل صورة حكمُها.

وفيما يلي بيان ذلك:

الصورة الأولى: إذا كان فعل الشرط ماضيًا لفظًا أو معنًى، جاز رفعُ المضارع الواقع جوابًا له، وكان هذا الرفع حسنًا. وهذا معناه: جواز جزمه أيضًا، وجزمه أحسن؛ لأنه الأصل.

ومن شواهد الرفع قولُ زهير بن أبي سلمة:

وإِنْ أَتاهُ خَلِيلٌ يومَ مَسْغَبَةٍ

*يَقُولُ لا غائِبٌ مالِي ولا حَرِمُ

والمسغبة: المجاعة.

ومثله قول الآخر:

ولا بالذي إن بانَ عنه حبيبُه

*يقول ويخفي الصبر إني لجازعُ

آراءُ النحويين في توجيه رفع المضارع بعد الشرط الماضي:

للنحويين في هذه التوجيه ثلاثة آراء:

أولها: رأي سيبويه: وهو أن المرفوعَ -وهو الفعل “يقول” في البيتين- ليس جوابًا للشرط، بل هو دليل الجواب وفي نية التقديم، والأصل: يقول: لا غائب مالي ولا حرم إن أتاه خليل يوم مسغبة” وعلى هذا يكون مستأنفًا، ولا يجوز جزمُ ما عطف عليه، ولذلك رفع الفعل “يخفي” في البيت الثاني، ويجوز أن يفسر ناصبًا لمعمولٍ قبل أداة الشرط نحو: محمدًا إن زارني أكرمه، وهذا الرأي هو أقرب الأراء إلى القبول.

الرأي الثاني: رأي الكوفيين والمبرد: وهو أن رفع المضارع في ذلك على تقدير الفاء داخلةً على مبتدأ محذوف خبره الفعل المضارع المرفوع، والتقدير: إن أتاه خليل يوم مسغبة فهو يقول.

فالجواب هنا جملة، والمضارع المرفوع جزءٌ منها، وعلى ذلك يجوز أن يُعطف فعل بالجزم على محل الجملة، ولا يجوز أن يفسر المضارع عاملًا فيما قبل الأداة؛ لأن ما بعد فاء الجواب لا يتصلت علي شيء قبلها، فلا يفسر عاملًا فيه.

الرأي الثالث: أن المرفوع ليس على نية التقديم -كما في رأي سيبويه- وعلى تقدير الفاء -كما في رأي الكوفيين والمبرد- بل هو جواب الشرط مرفوع، ولم تعمل فيه أداة الشرط الجزمَ؛ لضعفها؛ لأنها لَمْ يظهر لها تأثير في فعل الشرط لكونه ماضيًا، ضَعُفت عن العمل في الجواب.

وقد اختار ذلك الرأي المصرح، مصرحًا بأن الأداة إذا لم تعملْ في لفظ الشرط لكونه ماضيًا مع قُربه، فلا تعمل في الجواب مع بُعده، وإذا كان المرفوع هو الجواب فلا يجوز جزم ما يعطف عليه؛ لأنه لا تأثيرَ للأداة فيه بالجزم، كما لا يجوزُ أن يفسِّر عاملًا فيما قبل الأداة؛ لأن رتبتَه التأخيرُ.

الصورة الثانية: إذا كان فعل الشرط مضارعًا غير منفي بـ”لَمْ” فهو مستقبل لفظًا ومعنًى، كان رفع المضارع الواقع جزاءً له ضعيفًا؛ لأن الأداة إذا عملت في الشرط الجزمَ، فالقياسُ أن تعمل في الجواب، فإذا جاء الجواب مرفوعًا كان ذلك بمنزلة تهيئة العامل للعمل ثم قطعه عن العمل، وهو أمر مستهجن.

ومن شواهد هذه الصورة قولُ جرير بن عبد الله البجري:

يا أقرعَ بن حابس يا أقرع

*إنك إن يصرع أخوك تُصرع

وقول أبي ذؤيب الهذلي:

فقلتُ تحمَّل فوق طوقِك إنها

*مطبعةٌ مَن يأتيها لا يضيرها

وعليها قراءة طلحة بن سليمان في الشواذ: “أينما تكونوا يدركَكَم الموت” [النساء: 78] برفع الكافين. وقد خص بعض النحويين هذه الصورةَ بضرورةِ الشعر، إلا أن هذه القراءةَ تمنع ذلك. وقد تَحسن هذه الصورة وتُقبل إذا كانت أداة الشرط “إنْ” وتَقدم عليها ما يطلبه الجزاء، نحو: طعامَنا إن تزرنا تأكله، وتقديره: تأكل طعامنَا إن تزرنا، فالمرفوع -وهو تأكل- دليل الجواب وليس جوابًا. والدليل على ذلك أمران:

الأول: أنَّ “إنْ” أم أدوات الشرط الجازمة وأقواها تأثيرًا، ولو كان “تأكل” جوابًا لها لجزمته.

الثاني: تقدم معمول المرفوع فلو كان جوابًا ما تقدم معمولُه؛ لأن معمولَ الجواب من تمام الجواب، فلا يتقدم كما لا يتقدم الجوابُ.

آراء النحويين في توجيه رفع المضارع بعد شرط المضارع:

للنحويين في هذا التوجيه ثلاثة آراء:

الرأي الأول: رأي المبرد: وهو أنه على تقدير الفاء كما كان في المرفوع بعد الشرط الماضي، فالتقدير عنده في البيت الأول: فأنتَ تُصرع، وفي البيت الثاني: فهو لا يضيرها.

الرأي الثاني: رأي سيبويه: وهو أنه يجوز أن يكون على تقدير الفاء كما ذهب إليه المبرد، وأن يكون على نية التقديم كما في المرفوع بعد الماضي، فإن تقدم أداة الشرط ما يمكن أن يطلب الجواب كما في البيت الأول، فالأولَى تخريجُه على نية التقديم؛ ليكونَ بجوارِ ما يطلبه، وإن لم يتقدم ما يطلبه فالأولى تخريجُه على تقدير الفاء كما في البيت الثاني.

الرأي الثالث: التفرقة بين ما إذا كانت الأداة حرف شرط كما في البيت الأول، أو اسم شرط كما في البيت الثاني، فإن كانت الأداة حرفَ شرط وجَبَ حمله على التقديم والتأخير، فالأصل: إنك تصرع إن يصرعْ أخوك، وفي هذه الحالة يقدر جوابًا لحرف الشرط، يظهر فيه تأثيرُه وفاءً بحقه في العمل، وإن كانت الأداة اسم شرط وجب عمله على إضمار الفاء، فيكون: “لا يضيرها” -في البيت- خبرًا لمبتدأ محذوف مع الفاء، والتقدير: فهو لا يضيرها، والجملة جوابُ الشرط؛ لأن طلب الأداة لجزم الجواب هنا ضعيف؛ بسبب عروض الشرطية في اسم الشرط، فاكتُفِيَ معه بالجواب الجملة الذي لا يظهر فيه الجزمُ.

متى يقترن جوابُ الشرط بالفاء؟

أجاب عن ذلك ابن مالك بقوله:

واقرُنْ بِفَا حَتمًا جَوَابًا لَو جُعِل

*شَرطًا لأن أو غَيرِها لَم يَنجعِل

قال المرادي: أصلُ جواب الشرط أن يكون فعلًا صالحًا لجعله شرطًا، فإذا جاء على الأصل لم يحتَجْ إلى فاء يَقترن بها وذلك إذا كان ماضيًا متصرفًا مجردًا من “قد” وغيرها، أو مضارعًا مجردًا، أو منفيًّا بـ”لا” أو لم، ومعنى قوله: “مجردًا” مثبتًا.

ومعنى قول ابن مالك: يجب قرنُ جواب الشرط بالفاء إذا كان لا يصلح شرطًا لـ”إنْ” أو إحدى أخواتها من أدوات الشرط، وإنما وجب قرنُه حينئذٍ بالفاء ليعمل الارتباط؛ لأن ما لا يصلح للارتباط مع الاتصال بأداة الشرط بأن يقع شرطًا، أحقُّ بألا يصلح له مع الانفصال عنها، فإذا قرن بالفاء علم الارتباطُ، وإنما اختيرت الفاء للربط؛ لِمَا فيه من معنى السببية والتعقيب، والجزاء مسبب عن الشرط ويجيء عقبه، وهذه الفاء في الأصل فاء السبب التي تعطف الجمل لإفادة السببية، نحو: يقوم محمد فيقوم أخوه، ثم تعينت هنا للربط، وليست للتشريك في الإعراب وإلا لَجُزم ما بعدها إن كان مضارعًا، ولا للتشريك في المعنى وإلا انقلب الجوابُ شرطًا، فلَمْ تعد عاطفةً في هذا الموضع بل هي كالفاء في نحو: أحسَنَ خالد إليك فأحسِنْ إليه، إذ لو جعلت في هذا المثال عاطفةً للزِمَ عطف الإنشاء على الخبر.

وقد يكون اقتران جواب الشرط بالفاء جائزًا، وذلك في كل جواب يصح جعله شرطًا، والأكثر خلوُّه من الفاء، وإذا اقترن بها وكان ماضيًا فهو الجواب، كما في قوله تعالى: {وَمَن جَآءَ بِالسّيّئَةِ فَكُبّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ} [النمل: 90] وإذا كان مضارعًا كان خبرًا لمبتدأ محذوف ويكون الجوابُ جملةً اسميةً، كما في قوله تعالى: {فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً} [الجن: 13] فالتقدير في الآية: فهو لا يخاف بخسًا ولا رهقًا.

وقد قسَّمَ المرادي الفعلَ الماضيَ الواقع جوابًا من جهة جواز اقترانه بالفاء إلى ثلاثة أضربٍ:

  • ضَرْب لا يجوز اقترانه بها, وهو ما كان مستقبلًا معنًى، ولَمْ يقصد به وعد أو وعيد، نحو: إن قام زيد قام عمرو.
  • وضَرْب يجب اقترانه بها، وهو ما كان ماضيًا لفظًا ومعنًى، ومعه “قد” مقدرة، نحو: {إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ} [يوسف: 26] أي: فقد صدقت.

 وضَرْب يجوز اقترانُه بها, وهو ما كان مستقبلًا معنًى، وقُصِدَ به وعد أو وعيد، كما في قول تعالى: {وَمَن جَآءَ بِالسّيّئَةِ فَكُبّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ} [النمل: 90].

error: النص محمي !!