Top
Image Alt

استكمال الحديث عن العوامل التي تجزم فعلًا واحدًا

  /  استكمال الحديث عن العوامل التي تجزم فعلًا واحدًا

استكمال الحديث عن العوامل التي تجزم فعلًا واحدًا

ما تنفرد به لَمَّا عن لَمْ:

تنفرد لما عن لم بأربعة أمور؛ إجمالها:

أ. جواز حذف مجزومها في الاختيار.

ب. وكون منفيها قريبًا من الحال.

جـ. وكونه متوقعَ الثبوت.

هـ. والخلاف حول بساطتها أو ترتيبها.

وفيما يلي تفصيل ذلك:

1. جواز حذف مجزومها في الاختيار نحو قولهم: قاربت المدينةَ ولمَّا…، والتقدير: ولمَّا أدخلها، فحذفت الفعل المجزوم بلمَّا. قال المصرح: وذلك لأنها لنفي: لقد فعلَ، والفعل قد يُحذف بعد “قد” كقول الشاعر:

أزف الترحل غير أن ركابَنا

*لَمَّا تزل برحالها وكأن قد

أي: وكأن قد زالت.

وقد جاء حذف مجزومها في الشعر في قول أعرابي من بني أسد:

فجئتُ قبورَهم بدأً ولَمَّا

*فناديتُ القبورَ فَلَمْ يجبْنَا

 

والتقدير فيه: ولمَّا أكن بدأً أي: سيدًا، فحذف الفعل المجزوم بلمَّا.

قال المرادي: الفعل بعد لمَّا يجوز حذفه اختيارًا، وهو أحسن ما تخرج عليه قراءة: “وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا”[هود: 111] وتمام الآية التي ذكرها: “وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ” [هود: 111]والقراءة التي ذكرها هي قراءة ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم، وهي بتشديد “إنَّ” وميم “لمَّا”، ولها توجيهات عديدة؛ أيسرها ما ذكره ابن الحاجب في “آماليه” من أن “لمَّا” في هذه القراءة جازمة حُذِفَ مجزومها، والتقدير: وإن كلًّا لمَّا يهملوا أو لم يتركوا، بدليل تقدم ذكر السعداء والأشقياء ومجازتهم. وقال ابن هشام في (المغني): “الأولى عندي أن يقدر: لما يوفوْها وسيوفوْنَها، ووجه رجحانه أمران؛ أحدهما: أن بعده: {لَيُوَفّيَنّهُمْ} وهو دليل على أن التوفية لم تقع بعد وأنها ستقع، والثاني: أن منفي لما متوقع الثبوت، والإهمال غير متوقع الثبوت. وهذا الحذف مما تنفرد به لمَّا”.

وأما “لمْ” فلا يجوز حذف مجزومها إلا في الضرورة، كما في قول إبراهيم بن هرمة:

احفَظ وَديعَتَكَ الَّتي اِستودِعتَها

*يَومَ الأَعازِبِ إِن وَصلتَ وَإِن لَمِ

فهذا على تقدير: وإن لم تصل، والحذف فيه للضرورة ولا يجوز اختيارًا.

2. كون منفي “لمَّا” متصلًا نفيه بزمن الحال وهو زمن التكلم، نحو اشتعل رأسي شيبًا ولمَّا أستقم، فالاستقامة في المثال منفية إلى زمن التكلم، واتصال النفي بزمن التكلم ليس لازمًا مع لمْ، ويدل على ذلك نحو قولنا: زيد لمْ يتعلم في طفولته وهو الآن عالم كبير، وقد يكون هذا حاصلًا بدلالة خارجة عن معنى لمْ، كما في قولنا: لم يسجد إبليس لآدمَ، فإن عدم سجوده مستمر إلى زمن التكلم، لكن هذا ليس مستفادًا من لمْ.

3. كون منفي لمَّا متوقعَ الثبوت في المستقبل غالبًا، ومثال ذلك قولُه تعالى: {بَل لّمّا يَذُوقُواْ عَذَابِ} [ص: 8] إذًا المعنى: هم الآن ما ذاقوا العذاب وسوف يذوقونه، فَذَوْقهم له متوقع، وذلك مستفاد من لمَّا، ومثل ذلك قوله تعالى: {وَلَمّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] إذًا المعنى: إلى الآن ما دخل الإيمان في قلوبكم وسوف يدخل. ولهذا قال الزمخشري في تفسير هذه الآية: ما في “لمَّا” من معنى التوقع دالٌ على أنَّ هؤلاء قد آمنوا فيما بعد، وأما “لَمْ” فلا تقتضي ذلك، والعلة في ذلك: أن لمَّا لنفي “قد فعل” وهو مفيد للتوقع، بخلاف لَمْ فإنها لنفي “فعَلَ” ولا دلالةَ فيه على التوقع، وتوقع ثبوت المنفي مع “لمَّا” غالبٌ لا لازمٌ، كما أن التوقع بـ”قد” كذلك، فلهذا إذا قال القائل: ندِمَ إبليس ولمَّا ينفعه الندمُ، كان هذا من غير الغالب، إذ لا يُتوقع أن ينفع إبليسَ ندمُه.

ومن أجل لمَّا يغلب عليها التوقع امتنع أن يقال: لمَّا يجتمع الضدان؛ لِمَا في ذلك من الغلط؛ لأن الكلام حينئذٍ يدل على توقع حصول ما بعد لمَّا، واجتماع الضدين محال؛ لأن من أحكام الضدين أنه لا يجوز اجتماعُهما، وتوقع المحال خطأ لا يجوز، وإنما قلنا: في المستقبل؛ لأن توقع الثبوت بالنسبة للماضي تستوي فيه “لمْ” و”لمَّا”، ومثاله قولك: ما لي قمتُ ولم تقم؟ أو ما لي قمتُ ولَمَّا تقمْ؟ لأن التعجبَ من عدم قيام المخاطب يُشعِر بأن قيامَه كان متوقعًَا عند المتكلم، وهذا التوقع في الماضي جائز فيهما، ومثال عدم التوقع قولك: لمْ يقم زيدٌ ولمَّا يقم.

4. اختلاف النحويين في كون لمَّا بسيطة أو مركبةً: فبعضهم يرى أنها مركبة من “لمْ وما” الزائدة، ويرى آخرون أنها بسيطة مثل لَمْ.

أوجه الاستعمال العربي لـ”لما”:

لمَّا لها في الاستعمال العربي ثلاثة أوجه:

أولها: أن تدخل على الفعل المضارع فتجزمَه وتفيد نفي معناها نفيًا مستمرًّا إلى زمن التكلم- كما تقدم بيانه- ويطلق عليها في هذا الاستعمال “أخت لم” أي: نظيرتها في الصفات المشتركة بينهما.

الثاني: أن تدخل على الفعل الماضي لفظًا ومعنًى وتختص به، وتقتضي جملتين وُجِدَ مضمون الثانية منهما عند وجود مضمون الأولى، نحو قولنا: لمَّا جاءني أخوك أكرمتُه، ونحو قوله تعالى: {فَلَمّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} [هود: 82] وقوله تعالى: {وَلَمّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجّيْنَا شُعَيْباً وَالّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} [هود: 94] وتسمى “لمَّا” هذه “لَمَّا الحينية” وبعض النحويين يسميها “حرف وجود لوجود” وبعضهم يسميها “حرف وجوب لوجوب”. وتسميتها “لمَّا الحينية” مبنية على ما ذهب إليه ابن السراج والفارسي وابن جني وجماعةٌ من أنها ظرف بمعنى حين، وقريب منه ما ذهب إليه ابن مالك واستحسنه ابن هشام والأشموني من أنها ظرف بمعنى إذ؛ لأنها مختصة بالماضي وبالإضافة إلى جملة، فقد رجح الدمامني قول القائلين بحرفيتها، وعلى رأسهم سيبويه. ومما رجح به هذا القول مجيء الجملة الثانية معها وقد تقدمتها “ما” النافية، أو “إذا” الفجائية، وهذان لا يعمل ما بعدهما فيما قبلهما. مثال الأول: قوله تعالى: {فَلَمّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلّهُمْ عَلَىَ مَوْتِهِ إِلاّ دَابّةُ الأرْضِ} [سبأ: 14] المثال الثاني: {فَلَمّآ أَحَسّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مّنْهَا يَرْكُضُونَ} [الأنبياء: 12].

كذلك رجح هذا القول بإجماع النحاة على زيادة “أنْ” بعدها كما في قوله تعالى: {فَلَمّآ أَن جَآءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىَ وَجْهِهِ} [يوسف: 96] ولو كانت ظرفًَا والجملة بعدها في محل خفض بالإضافة، للزِمَ الفصل بين المضاف والمضاف إليه بأنْ، ومجيء جواب لمَّا هذه فعلًا ماضيًا أو جملة اسمية مقرونة بـ”إذا” الفجائية محل اتفاق بين النحويين. وتقدم التمثيل لذلك. والجمهور على أنه لا يكون جملة اسمية مقرونة بالفاء، وأجازه ابن مالك، واستدل له بقول الله عز وجل: {فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرّ فَمِنْهُمْ مّقْتَصِدٌ} [لقمان: 32] والجمهور على أن الجواب في الآية محذوف، وتقديره: انقسموا قسمين أو فريقين، فمنهم مقتصد… إلى آخره.

ومذهب الجمهور أن جواب “لَمَّا” هذه لا يكون فعلًا مضارعًا، وأجاز ذلك ابن عصفور، واستدل له بقوله تعالى: {فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرّوْعُ وَجَآءَتْهُ الْبُشْرَىَ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ} [هود: 74] والجمهور على أن جواب “لمَّا” في الآية محذوفٌ تقديره: أقبَلَ يجادلنا، أو أن الجواب هو قوله عز وجل: {وَجَآءَتْهُ الْبُشْرَىَ} والواو زائدة. الثالث:أن تدخل على الجملة الاسمية وتكون حرفَ استثناء بمعنى “إلا” كما في قوله تعالى: {إِن كُلّ نَفْسٍ لّمّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق: 4] فـ”إنْ” في الآية نافية، و”لَمَّا” بمعنى “إلا” والمعنى” ما كل نفس إلا عليها حافظ. وتسمى لمَّا هذه “لمَّا الاستثنائية” ومن أمثلتها أيضًا: لمَّا الداخلة على الماضي لفظَا لا معنًى في قول العرب: أُنشدك اللهَ لما فعلت، ومعناه: إلا فعلت، بمعنى: إلا أن تفعل، أي: ما أسألك إلا فعلكَ.

error: النص محمي !!