Top
Image Alt

استكمال الحديث عن كتاب (الشعر المصري بعد شوقي) لمندور

  /  استكمال الحديث عن كتاب (الشعر المصري بعد شوقي) لمندور

استكمال الحديث عن كتاب (الشعر المصري بعد شوقي) لمندور

استكمال الحديث عن الموازنة التي أجراها الدكتور مندور بين ديوانين من الشعر:

كنا نتحدث عن الموازنة التي أجراها الدكتور مندور، بين ديوانين من الشعر هما ديوان (أنات حائرة) للشاعر عزيز أباظة، وديوان (من وحي المرأة) للشاعر عبد الرحمن صدقي. وقد انتهى كلام الناقد الدكتور مندور عن مضامين القصيدة التي اختارها من ديوان (أنات حائرة) لعزيز أباظة؛ لأنها تدل على الديوان كله وهي قصيدة (ذكريات)، وقد أثنى على هذه المضامين وعلى عرض الشاعر لها.

وتحدث عن الديباجة والأسلوب فقال: وأما عن الديباجة اللغوية؛ فواضح أن الشاعر قد عمد في قصيدته -كما عمد في الديوان كله- إلى إيثار اللفظ الجزل القديم على اللفظ السلس الحديث، حتى عندما تواتيه اللغة اللفظ السهل الذي يستقيم معه الوزن، وذلك في نحو قوله مثلًا:

حبست بعشنا فانهلَّ دمعي

* وضج بأضلعي الشجن الحبيس

فقد كان من الممكن أن يقول في بساطة وجمال:

وقفت بعشنا فانهلَّ دمعي

* وضج بأضلعي الشجن الحبيس

وأكبر الظن أن الشاعر لم يحبس ناقة، وإنما أوقف سيارة أو أوقف ساقيه، وما نظن أن الجناس بين “حبست” و”الحبيس” يستطيع أن يعوِّض جمال البساطة في التعبير الذي نقترحه، ومع أن الشاعر نفسه استطاع أحيانًا أن يبكي الديار بأيسر لفظ وأجمله في قصيدة “من أطياف الماضي”، مخاطبًا بيته القديم في ميت غمر:

طوَّفت بالبيت الحزين مسلما

* فبكى وأوشك أن يرد سلامي

وجعلت أسأله وأسأله وهل

* يجدي سؤالي أو يفيد كلامي

أعرفتني يا دار أم أنكرتني

* نهب الأسى والبث والآلام

أسوان تهمي نفسه من وحشة

* وتلدد في مثل بحر طامي

يقول: بل إن اللفظين الذين يبدوان غريبين حتى احتاج الشاعر إلى شرحهما في الهامش وهما “أسوان” و”تلدد” لهما وشائج قريبة ببعض تعبيراتنا الشعبية الحية أو القريبة المنال.

ثم يقول الدكتور مندور: وإذا كان صاحب (الأنات الحائرة) قد جنح في أغلب قصائده نحو الرثاء، وإبراز فضائل الفقيدة والتفجع على تلك الفضائل المغلفة بالذكريات، ولم يسهب في وصف أحزانه وأحزان الفقيدة في لحظات المرض الأخيرة ودبيب الموت كما فعل صاحب (من وحي المرأة) الأستاذ عبد الرحمن صدقي؛ فإن عزيز أباظة لم يغفل هذا الحديث هو الآخر في لمحات خاطفة؛ ولكنها بالغة التأثير في النفس، مثل قوله في قصيدة “وحي الغروب”:

قالت ارعَ الأولاد وابقَ كما

* كنت مثال الأب المحب الرفيقِ

ومضت تنزع الحياة وتُلقي

* في زفير أعباءَها وشهيقِ

في سنًا سمح وعرفٍ زكي

* وابتسامٍ عذبٍ ووجهٍ طليقِ

لو تراها تقول قد مسها البُهْر

* فآوتْ إلى سبات رقيق

ووقفنا مروَّعين نجيل الطرف


* بين التكذيب والتصديق

ثم عدنا للحق عانين صرعى

* من مفيقٍ يهذي وغير مفيقِ

وعزيز أباظة -كزميله عبد الرحمن صدقي- يقطع في شعره على نفسه عهدًا، بأن يظل وفيًّا لذكرى زوجته الفقيدة وألا يأوي لغيرها، وأكبر الظن أن كليهما قد كان صادقًا عندما قطع هذا العهد، وإن كانا قد تزوجا فيما بعد عندما اندمل الجرح بتراخي الزمن، وها هو ذا العهد الذي قطعه عزيز أباظة على نفسه:

يا زينُ والدنيا تغير أهلها

* والناس رهن تقلب الأيام

 أقسمت لا آوي لغيرك لحظة

* عهدي إليكِ على المدى وذمامي

ثم ينتقل الدكتور مندور إلى ديوان (من وحي المرأة)، للأستاذ عبد الرحمن صدقي؛ فيقول: أما ديوان (من وحي المرأة) للأستاذ عبد الرحمن صدقي، فإن عنوانه -لسوء الحظ- لا يدل عليه؛ وذلك لأن عبارة (من وحي المرأة) قد يفهم منها أنه يشير إلى ديوان في الغزل، بل قد يتسع معناها حتى تشمل كل شعر يوحي به جنس المرأة لا امرأة بعينها، وكم كنا نود لو اختار الشاعر لديوانه اسمًا آخر، مثل (من وحيها) الذي يفيد تخصيصًا لا يفيده العنوان الحالي؛ كما يوحي بأنه صادر عن وحي امرأة بعينها هي زوجته الفقيدة ماري كانيلا الإيطالية الأصل المصرية المولد، والتي لم تطل عشرته معها ولا أنجب منها أطفالًا؛ إذ تزوجها في سنة 1940، وفقدها سنة 1945، وتوفرت بين الزوجين في خلال هذه الفترة القصيرة محبة كل منهما وصداقته لرفيقه، لم يشاركهما فيها ولد ولا أضعف منها اختلاف نزعة أو تباين محور اهتمام.

فالزوجة كانت مشفقة تشارك زوجها ما يقرأ وتعينه عليه، ويتبادلان فيه الرأي؛ حتى نشأ بينهما انسجام روحي فضلًا عن الحب الخالص؛ ولذلك أحس الشاعر عند فقدها بأنه قد فقد جزءًا من نفسه؛ حتى ليذكرنا هذا الديوان بفصل رائع كتبه الفيلسوف الفرنسي مونتيني عن الصداقة في كتابه الخالد المسمى بـ(المقالات)، وفيه يتحدث عن صديق روحه، فيقول: إنه لم يعد يصيب خيرًا في الحياة إلا خيل إليه أنه يختلس فيه نصيب صديقه الفقيد.

ثم يبين الدكتور الناقد محمد مندور: ما يحتوى عليه ديوان (من وحي المرأة) لعبد الرحمن صدقي، فيقول: ديوان (من وحي المرأة) يضم ثلاثة أجزاء: الأول: الحب والموت، الثاني: عود على بدء، الثالث: الرحلة إلي ايطاليا، ثم ينتهي بخاتمة تضم بضع قصائد، والديوان مذيل بمجموعة من الصور الجميلة عن مشاهد إيطاليا، والجزء الأول من الديوان الخاص بالحب والموت كتبه الشاعر في شهر وبضعة أيام عقب الفاجعة مباشرة، وباستثناء قصيدة “الأنة الأولى” استخدم الشاعر البحر الطويل في كافة القصائد الأخرى، وأكبر الظن أنه لم يعمد إلى ذلك، وإنما إحساسه هو الذي ساقه إلى هذا الوزن الذي وجد فيه بسطته وترجيع نغماته ما يشفي حرقة نفسه.

ويلاحظ الدكتور مندور ملاحظة مهمة جدًّا ويذكرها؛ إذ يقول: والغريب في أمر هذين الشاعرين -عزيز أباظة وعبد الرحمن صدقي- أنهما لم يعرفا بالشعر وقرضه قبل أن ينكب كل منهما بفاجعته، ولربما يكون كل منهما قد حاول الشعر أو قاله قبل ذلك، ولكن شاعرية كل منهما لم تنفجر ثرةً إلا بعد الفاجعة التي حدثت في سن متأخرة.

وقد واصل الأستاذ عزيز أباظة بعد ذلك قرض الشعر، وإن يكن قد اختار له صورة المسرحية، وأما الأستاذ عبد الرحمن صدقي فقد غلب عليه الإنتاج النثري، فكتب المقالات الأدبية والنقدية وترجم بعض القصص، ودرس أبا نواس وشعره، وأصدر عنه كتابًا كبيرًا بعنوان (ألحان وألحان)، كما نشر في مجموعة “اقرأ” كتابًا عن الشاعر الروحي بودلير، وجمع في كتابه (ألوان من الحب) مجموعة من القصص الروسية والأسبانية والفرنسية، وأخرج أيضًا مجموعة (أعلام الإسلام).

ثم يقدم الناقد نماذج من الشعر، الذي ورد في ديوان (من وحى المرأة) لعبد الرحمن صدقي، ويبدأ بقصيدة “الأنة الأولى” التي يفتتح بها عبد الرحمن صدقي ديوانه، ويقول عن هذه القصيدة: هذه القصيدة تعطينا مفتاح الديوان كله ومحاوره الشعرية، وفيها يقول:

كان لي في أخريات العمر بيت فعدمته

سنوات أربع أم كان ذا حلمًا حلمته

ليته طال ولو طال لما كنت سئمته

زوجتي صنوي وما لي غيرها صنو علمته

هي لم تنقم على نقصي ولا شيء نقمته

همها همي فلا تعزمُ إلا ما عزمته

همنا الدرس وما تفهمه منه فهمته

نظمت بالعطف والتفكير عيشي فنظمته

وارتضينا من لقانا عوضًا عما حرمته

برهة وانتبه الدهر فعفى ما رسمته

أترى الرضوان ذنبًا أثِمَتْه وأثِمْتُه

أحرام أن سعدنا أم خيال ما زعمته

كل ما أعرف أني كان لي بيت عدمته

يعلق الناقد فيقول: ففي هذه القصيدة نلمح جوانب الفاجعة التي فجرت ينابيع الشعر في نفس عبد الرحمن صدقي الذي يتفجع في هذا الديوان على نفسه بقدر ما يتفجع على فقيدته، ويصور تصويرًا فنيًّا مؤثرًا حياته معها وساعات الفجيعة وما أصابه من مواجد لفقدها؛ ففي قصيدة “الواقعة” يصف الفقيدة في مرض موتها وهلعه عليها، فيقول:

دعوت لها الأفذاذ في الطب جملة

* وشتى ومن غرب نماه ومشرقُ

فلم يأتلوا جهدًا ولا وجه حيلة

* وقد صوروا دون الظنون وخندقُ

نهاري حيران ألاقي أساتها

* وأُرسَل في إثر الدواء وأُلحَقُ

وليلي سهران لصيق فراشها

* أُراعي إلى أنفاسها وأحملقُ

تقول بصوت قد تهضَّمه الضنى

* وأجهش حتى ما يبين منطقُ

أأشفَى؟ أجل يا قرة العين لا تهِ

* ولا تجزعي إن الشفاء محققُ

مقالة ملتاع الجنان أقولها


* وبين الرجا واليأس قلبيَ مرهقُ

وترمقني منها لواحظ وامقٍ

* تجلى هواه كله حين يرمُقُ

نجرعها مر الدواء تسيغه

* وناظرها في ناظريَّ معلقُ

وننحي عليها إبرةً بعد إبرةٍ

* فترضى وهذا جلدها يتحرقُ

تريد لتحيى من رضاها بصحبتي

* ولولاي ما كانت من الموت تفرَقُ

وتحرص أن تبدو كعهدي جميلةً

* يطالعني منها على السقم رونقُ

تعرَّقتها يا داء ما شئت جاهدًا

* ولكن حسن الروح في الوجه مشرقُ

يعلق الناقد فيقول: ففي هذا القصص الوصفي الصادق المؤثر بما فيه من تفاصيل أليفة ما يهز النفس ويثير الوجدان، وتتراوح بقية هذا الجزء من الديوان بين تصوير تفاصيل حياة الشاعر مع فقيدته قبل الفجيعة، أو تصوير حياته وآلامه ومواضع لوعته بعد وفاتها وحرمانه من صحبتها السعيدة في تفاصيل دقيقة أليفة، من ذلك النوع الحبيب المؤثر الذي نسميه فتات الحياة، ومنه يتكون نسيجها الواقعي الصادق، فهو طورًا يحدثنا عن أسفار مكتبه وما أصابها من خرس بعد موتها، فيقول:

شريكة درسي تلك أسفار مكتبي

* خرسن وكانت في جوارك تنطقُ

فما لي إلى الأسفار بعدك نهضة

* ولا متعة فيما يشوق ويغلقُ

وطورًا يحدثنا عما خلفت من طيب وأبراد وحلي، فيقول:

هنا الطيب والأبراد والحَلْي كله

* فأين التي كانت بها تتحبب

والشاعر لا يبكي آلامه بكاء مجردًا، بل يربطه بدقائق ذكرى وفتاتها الموحية؛ فالطريق إلى البيت يذكره بها كما يذكره الطير الذي كان يلتقط فتات الحب من يديها، ولعله قد أجمل هذه المذكيات في قوله:

أخي حيثما أرسلت طرفي وخاطري

* يذكرنيها خاطري وتوسمُ

يذكرنيها العلم والفن والهوى

* لطفُ الحواشي والشباب المنعمُ

وهكذا يبدو ديوان (من وحى المرأة) أكثر بساطة وإلف وواقعية مؤثرة من ديوان (أنات حائرة) -هنا مندور يوازن بعد ما قدم ديوان (أنات حائرة) لعزيز أباظة وأثنى على مضمونه وتحدث عن ديباجته وذكر أن الشاعر يؤثر اللفظ الجزل والصياغة أو الديباجة التي ترجع إلى القديم وذكر لذلك مثالًا، يذكر هنا أن ديوان (من وحى المرأة) أكثر بساطة وإلفًا وواقعية مؤثرة من ديوان (أنات حائرة) الذي يبدو أكثر جلالًا وأحيانًا أكثر قوة؛ ولكنه أقل إلفًا وإن استوى الديوانان في الصدق والحرارة وقوة التأثير؛ مما يبرر المكانة المرموقة التي يحتلها هذان الديوانان في شعرنا المعاصر.

هذا هو حكم الناقد بعد أن قدم الديوانين: حكم بأن ديوان عبد الرحمن صدقي، أكثر بساطة وإلفًا وواقعية مؤثرة؛ لأنه ذكر تفاصيل الحياة التي تكون بين الزوج والزوجة، وهذه التفاصيل هي التي تجسد لنا معاني المحبة والمودة والرحمة التي تقوم بين الزوجين؛ فعندما نقرأ هذه التفاصيل في رثاء الشاعر لزوجه، نجدها قريبة من نفوسنا نحس بأنها مألوفة لنا يكون تأثيرها فينا شديدًا … وصف ديوان (أنات حائرة) لعزيز أباظة بأنه أكثر جلالًا وأحيانًا أكثر قوة، وهذا الجلال وهذه القوة في رأيي، راجعان إلى كون الرجل محافظًا -كما قال الدكتور مندور- كان الرجل محافظًا في حياته وفي نشأته وفي أدبه، وهذه المحافظة هي التي تهب الكلام هذا الجلال، وتهبه هذه أيضًا تلك القوة.

ويحكم الناقد بأن الديوانين استويا في الصدق والحرارة وقوة التأثير، والصدق والحرارة نابعان من كون كل منهما صدر في ديوانه عن تجربة حقيقية عاشها، وفقد الزوجة من أكبر المصائب التي تواجه الرجال؛ لأنه عندما يفقد الرجل زوجه فإن عمود بيته يتحطم ونظام حياته يتبدل ويحمل في نفسه همًّا لا يفارقه في ليله ولا في نهاره، وتتداعى عليه ذكريات حياته مع زوجته التي رحلت فتؤرقه وتضنيه وتعذبه، كِلا الشاعرين أحس بهذه المصيبة واندفع إلى التعبير عنها في عدة قصائد شكلت لكل منهما ديوانًا.

والملاحظة العجيبة التي ذكرها الناقد: أن كلًّا من الشاعريْن لم يسبق له أن قال شعرًا قبل فجيعته بزوجته، وهذا أمر مهم جدًّا؛ كأن هذه الحادثة لجلالتها وعظمتها وقوة تأثيرها في نفس كل واحد منهما هي التي جعلته ينطق بالشعر، كانت الموهبة -بلا شك- كامنة عند كل منهما، ولكن يبدو أن كلًّا منهما لم يمر في حياته -وهذا شيء عجيب- بحدث يفجر ينابيع هذه الموهبة حتى ماتت الزوجة؛ فتفجرت ينابيع الشعر في نفس كل واحد من الشاعرين.

نلاحظ أن الناقد قدم لنا معلومات كثيرة في هذه الموازنة: معلومات عن حياة كل من الشاعرين، معلومات عن المذهب الذي غلب على طبيعة كل من الشاعرين في تفكيره وسلوكه وحياته، وربط بين ظروف الحياة وهذا المذهب؛ فعبد الرحمن صدقي -بسبب ظروف حياته- أقل محافظة من عزيز أباظة، ثم قدم معلومات عن الديوانين، وما تضمنه كل منهما من القصائد، ثم اختار نماذج من الديوانين، وأشار إلى أن النماذج التي اختارها من الديوانين هي أقرب النماذج لتمثيل تجربة الشاعر في ديوانه، ووازن بين شعر عبد الرحمن صدقي وشعر عزيز أباظة من جهة المحتوى والمضمون ثم من جهة التعبير والديباجة والأسلوب، ثم في النهاية حكم حكمه النقدي على الديوانين، هذا نموذج من النقد المفسر والكاشف، الذي يستفيد منه القارئ ويستفيد منه المبدع أيضًا.

ثم يختم الدكتور مندور كلامه في هذه الموازنة، بالحديث عن المجموعة الثالثة في ديوان عبد الرحمن صدقي، وهي القصائد التي عنون لها الشاعر، بعنوان “عود على بدء” وقال الناقد عنها: قد قالها الشاعر في السنة التالية لوفاة زوجته، وهي وإن كانت لا تزال -أي القصائد- تتسم بنفس اللوعة التي تتسم بها قصائد الحب والموت، إلا أنه ربما كانت صنعة الشعر قد أخذت تزداد فيها ظهورًا -على حد تعبير الناقد الفرنسي الذي قرر أن الآلام الحديثة تصرخ أما الآلام القديمة فتغني.

وفي الجزء الثالث من الديوان الخاص بالرحلة إلى إيطاليا نطالع عددًا كبيرًا من القصائد التي يصف فيها الشاعر مباهج إيطاليا: ريفها، ومدنها، ويلم بأطراف من تاريخها المجيد الذي تنطق به آثارها الباقية، ويمزج كل ذلك بذكريات الفقيدة الإيطالية الأصل، ويود أن لو شاركته مباهج ما يرى وما يدرس.

يقول الدكتور مندور: وإن كنا نحس بأن الزمن ومشاكله التي لا ترحم قد أخذت تهدئ من لواعجه، فلم نعد نسمع منه أنغام الثورة والتمرد على القدر، واتهامه بالغيرة من سعادة البشر، على نحو ما كان يعتقد الإغريق القدماء في مواجهة آلهتهم، عندما قال:

أترى الرضوان ذنبًا أثِمَتْه وأثِمْتُ

* أحرام أن سعدنا أم خيال ما زعمته

نعم؛ لم نسمع منه هذه النغمات وأمثالها، بل على العكس رأينا نغمات التأسي تطالعنا من خلال قصائده الأخيرة.

error: النص محمي !!