Top
Image Alt

استكمال الحديث عن نصب الفعل المضارع بـ”كي”

  /  استكمال الحديث عن نصب الفعل المضارع بـ”كي”

استكمال الحديث عن نصب الفعل المضارع بـ”كي”

مذاهب النحويين حول استعمال “كي”:

للنحويين حول استعمال كي ثلاثة مذاهب:

أولها: مذهب سيبويه وجمهور البصريين، وهو أن كي تأتي في الاستعمال على وجهين: تعليلية جارة بمنزلة اللام، ومصدرية ناصبة بمنزلة أن، وهذا هو الراجح المؤيد بالسماع.

والثاني: مذهب الكوفيين، وهو أن كي لا تكون إلا مصدرية ناصبة، ولا تقع جارة أبدًا، وقد رد مذهبهم لقول العرب في الاستفهام عن علة الشيء: كيمه، بمعنى لم، فإن هذا القول ليس فيه فعل منصوب، ولهذا تأوله الكوفيون بأن أصله: كي تفعل ماذا، ورد تأويلهم بأن فيه كثرة الحذف؛ لأنه يقدر فيه حذف فعل وفاعله وجزء من مفعوله، كما أن فيه حذف الفعل المنصوب مع بقاء ناصبه، وذلك لم يثبت، كما رد مذهبهم بنحو قول حاتم الطائي:

فأوقدت ناري كي ليبصر ضوؤها

*وأخرجت كلبي وهو في البيت داخله

ولقول عبد الله بن قيس الرُّقَيّات:

كي لتَقْضِيني رقية ما


*وعدتني غير مختلس

لأن الحرف الناصب لا يفصل بينه وبين منصوبه بلام الجر؛ لكون تلك اللام لا تفصل بين المنصوب وناصبه، فالنصب في هذين البيتين بأن مضمرة، وكي تعليلية جارة مؤكدة باللام بعدها.

المذهب الثالث: أن كي حرف جر دائمًا، والنصب بعدها بأن مضمرة أو ظاهرة، وهذا المذهب ينسب إلى الأخفش، خلافًا لما ثبت في معانيه، وهو مردود بنحو قوله تعالى: {لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىَ مَا فَاتَكُمْ} [الحديد: 23] وقوله تعالى: {لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ} [الأحزاب: 37].

فإن جعل النصب بأن مضمرة في ذلك ونحوه يؤدي إلى اجتماع حرفي جر، وهو شاذ لا يصح تخريج الكلام الفصيح عليه. إذ تكون كي على هذا التخريج تعليلية جارة مؤكدة للام التعليلية الجارة، وذلك لا يقبل في فصيح الكلام.

هل يجوز تقديم معمول منصوب كي عليها؟

الجمهور على أن ذلك ممتنع؛ لأن كي الناصبة حرف مصدري وما بعده صلة له، والصلة لا يجوز أن تتقدم على الموصول، وكذلك ما كان جزءًا من الصلة حكمه حكم الصلة، وعلى هذا لا يجوز عندهم أن يقال: جئت النحو كي أتعلم، أو خرجت عندك كي أجلس، أو سافرت في المدينة كي أقيم، ولو عُدت كي في هذه الأمثلة تعليلية لم يجز هذا التقديم أيضًا؛ لأن الفعل المنصوب يكون حينئذ صلة لأنِ الناصبة، فلا يجوز تقديم معموله عليها. وقد أجاز ذلك الكسائي، ولعله أجازه قياسًا لا سماعًا.

حكم الفصل بين كي والمضارع الواقع بعدها:

أجمع النحويون -كما ذكر الصبان- على جواز الفصل بين كي والمضارع الواقع بعدها بلا النافية، أو ما الزائدة، أو بهما معًا، فيصح أن يقال: فعلت ذلك لكي لا تغضبَ، ولكيما تفرح، ولكيما لا تحزن، وأما الفصل بغير لا النافية وما الزائدة ففيه ثلاثة أقوال:

الأول: أنه ممنوع مطلقًا في الاختيار، وهو قول البصريين وهشام ومن وافقه من الكوفيين.

الثاني: أنه جائز في الاختيار بشرطين:

أ. أن يبطل عملها فيرتفع الفعل.

ب. أن يكون الفاصل قَسَمًا أو شرطًا أو معمولًا للفعل، نحو: جئت كي والله أتعلمُ، وجئت كي إنْ أجتهد أتعلم، وجئت كي النحو أتعلم، وهذا قول الكسائي.

الثالث: أنه جائز في الاختيار بالقسم والشرط ومعمول الفعل، مع إعمال كي، نحو: جئت كي والله أتعلمَ، وجئت كي إن أجتهد أتعلم، وجئت كي النحو أتعلم، وهو قول ابن مالك وابنه بدر الدين.

هل يجوز إضمار كي ناصبة؟

أجاز ذلك ابن كيسان ووافقه أبو سعيد الصيرافي، وذلك في نحو: جئت لأتعلم، فيجوز عندهما أن يكون أتعلم منصوبًا بكي مضمرة بعد اللام، وحجتهما في إجازة ذلك أن العرب تظهر بعد لام التعليل أنْ تارة، وكي تارة أخرى، والجمهور على أن المضمر في نحو: جئت لأتعلم، هو أن لا كي؛ لأن أن أم الباب، وهي أمكن في عمل النصب من غيرها، فهي أقوى على التجوز فيها بأن تعمل مضمرة.

فائدة: ذهب أبو علي الفارسي في توجيه قول جميل:

وطرْفكَ إما جئتنا فاحبسنّه

*كما يحسب أن الهوى حيث تنظر


 

إلى أن قوله: كما يحسب، أصله: كيما يحسب، فحذفت الياء لضرورة الشعر، والفعل يحسب منصوب بكي، إن كانت مصدرية، وتقدر اللام قبلها، أو بأن مضمرة إن كانت كي جارة تعليلية، وما في الحالتين زائدة.

error: النص محمي !!