Top
Image Alt

اسم الكتاب، ومنهج المؤلف وشرطه فيه

  /  اسم الكتاب، ومنهج المؤلف وشرطه فيه

اسم الكتاب، ومنهج المؤلف وشرطه فيه

اسم الكتاب أي: كتاب (سنن الترمذي) اسمه (الجامع الصحيح)، وهو (سنن الترمذي) لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، هذا الكتاب قال عنه العلماء الكثير والكثير، قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي: أخبرنا الحسن بن أحمد أبو محمد السمرقندي مناولةً، أخبرنا أبو بشر عبد الله بن محمد بن محمد بن عمرو، حدثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد الإدريسي الحافظ قال: محمد بن عيسى بن سورة الترمذي الحافظ الضرير، أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث، صنف كتاب (الجامع) و(التواريخ) و(العلل) تصنيف رجل عالم متقن، كان يضرب به المثل في الحفظ.

وقال الحافظ أبو الفضل المقدسي: سمعت الإمام أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري بهراة، وجرى بين يديه ذكر أبي عيسى الترمذي وكتابه، فقال: “كتابه عندي أنفع من كتاب البخاري ومسلم؛ لأن كتابي البخاري ومسلم لا يقف على الفائدة منهما إلا المتبحر العالم، وكتاب أبي عيسى يصل إلى فائدته كل أحد من الناس” أي: إنه سهل التناول.

ونقل أبو علي المنصور بن عبد الله الخالدي عن الترمذي أنه قال في شأن كتابه (الجامع): صنفت هذا الكتاب، فعرضته على علماء الحجاز والعراق وخراسان، فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب، فكأنما في بيته نبي يتكلم.

وقال العلامة طاش كبرى زادة في ترجمة الترمذي: “له تصانيف كثيرة في علم الحديث، وهذا كتابه (الصحيح) أحسن الكتب وأكثرها فائدة، وأحسنها ترتيبًا وأقلها تكرارًا، وفيه ما ليس في غيره من ذكر المذاهب ووجوه الاستدلال، وتبيين أنواع الحديث من الصحيح، والحسن والغريب، وفيه جرح وتعديل، وفي آخره كتاب (العلل)، وقد جمع فيه فوائد حسنة لا يخفى قدرها على من وقف عليها.

وقال الحافظ أبو الفضل المقدسي: “وأما أبو عيسى الترمذي وحده فكتابه على أربعة أقسام: قسم صحيح مقطوع به، وهو ما وافق فيه البخاري ومسلمًا، وقسم على شرط الثلاثة دونهما يريد أبا داود والنسائي وابن ماجه، وقسم آخر للضدية أبان عن علته ولم يغفله، وقسم رابع أبان هو عنه، وقال: ما أخرجت في كتابي إلا حديثًا قد عمل به الفقهاء، وهذا شرط واسع، فإن على هذا الأصل كل حديث احتج به محتج أو عمل بموجبه عامل أخرجه، سواء صح طريقه أو لم يصح، وقد أزاح عن نفسه الكلام، فإنه شفى في تصنيفه، وتكلم على كل حديث بما يقتضيه.

وكان من طريقته -رحمه الله تعالى- أن يترجم الباب الذي فيه حديث مشهور عن صحابي قد صح الطريق إليه، وأخرج من حديثه في كتب الصحاح، فيورد في الباب ذلك الحكم من حديث صحابي آخر لم يخرجوه من حديثه، ولا يكون الطريق إليه كالطريق إلى الأول؛ لأن الحكم صحيح، ثم يتبعه بأن يقول: وفي الباب عن فلان وفلان، ويعد جماعة فيهم ذلك الصحابي المشهور وأكثر، وقلما يسلك هذه الطريقة إلا في أبواب معدودة، والله أعلم.

وللقاضي أبي بكر بن العربي في أول شرحه على الترمذي الذي سماه (عارضة الأحوذي) فصل نفيس في مدح كتاب الترمذي ووصفه، ولكن طابعيه حرفوه حتى لا يكاد يفهم، وسأنقله هنا بشيء من الاختصار والتصرف؛ لنصل إلى المراد منه، وهذا كلام الشيخ أحمد شاكر قال: “اعلموا -أنار الله أفئدتكم- أن كتاب الجعفي -يعني الإمام البخاري- هو الأصل الثاني في هذا الباب، و(الموطأ) هو الأول واللباب، وعليهما بناء الجميع كالقشيري أي: (صحيح مسلم) والترمذي، فمن دونهما، وليس فيهم مثل كتاب أبي عيسى حلاوة مقطع، ونفاسة منزع، وعذوبة مشرع، وفيه أربعة عشر علمًا، وذلك أقرب إلى العمل وأسند، وصحَّح وضعف وعدَّد الطرق، وجرَّح وعدل وأسمى وأكنى، ووصل وقطع، وأوضح المعمول به والمتروك، وبين اختلاف العلماء في الرد والقبول لآثاره، وذكر اختلافهم في تأويله.

وكل علم من هذه العلوم أصل في بابه، وفرض في نصابه، فالقارئ له لا يزال في رياض مونقًة وعلوم متفقة متسقة، وهذا شيء لا يعمله إلا العلم الغزير، والتوفيق الكبير، والفراغ والتدبير، وللترمذي كتب أخرى تحت عنوان، وكتبه الأخرى يقول الشيخ أحمد شاكر: “وصفه العلماء فيما مضى أنه صاحب التصانيف، وسموا كتبًا من مؤلفاته، ولكنا لم نر منها إلا كتابين (الجامع الصحيح) وكتاب (الشمائل)، وهو كتاب نفيس معروف مشهور، ولعل باقي كتبه فقد فيما فقد من نفائس المؤلفات، وكنوز الأئمة العلماء، وفي (التهذيب): ولأبي عيسى كتاب (الزهد) مفرد لم يقع لنا، وكتاب (الأسماء والكنى).

وهذا بيان مؤلفاته كما ظهر لنا من أقوال العلماء:

1. (الجامع الصحيح)، و(الشمائل)، و(العلل)، و(التاريخ)، و(الزهد)، و(الأسماء والكنى)، ولعل له كتبًا أخرى لم يصل إلينا خبرها.

شرط الترمذي في كتابه:

في بيان شرط الترمذي في كتابه (الجامع) كلام كثير، وشروط بينها العلماء الذين استنبطوها من دراستهم لهذا الكتاب، قال الحافظ أبو الفضل بن طاهر في كتاب (شروط الأئمة): “لم ينقل عن واحد من الأئمة الخمسة أنه قال: شرطت في كتابي هذا أن أخرج على كذا، لكن لما صبغت كتبهم -أي: درست- علمت الشروط من خلال تلك القراءة والدراسة، فللبخاري ولمسلم شروط لم يفصحا عنها، وإنما استنبطها العلماء، وكذلك الإمام الترمذي وغيره لم يعلنوا عن شروطهم، وإنما استنبطت الشروط من قراءة العلماء لهذه الكتب.

وإليك شيء من التفصيل: شرط البخاري ومسلم أن يخرج الحديث المجمع على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور، أما أبو داود والنسائي فإن كتابيهما ينقسمان إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: الصحيح المخرج في (الصحيحين). القسم الثاني: صحيح على شرطهما. القسم الثالث: أحاديث أخرجاها من غير قطع منهما بصحتها، وأما أبو عيسى الترمذي فكتابه على أربعة أقسام:

الأول: ما هو صحيح مقطوع به، وهو ما وافق البخاري ومسلمًا، الثاني: ما هو شرط أبي داود والنسائي كما بين ذلك في القسم الثاني لهما أي: صحيح على شرطهما، وقسم ثالث: كالقسم الثالث لأبي داود والنسائي أيضًا، وهو أحاديث أخرجاها من غير قطع منهما بصحتها.

وقسم رابع: أبان هو عنه، وقال: “ما أخرجت في كتابي إلا حديثًا قد عمل به بعض الفقهاء” أي: ليس كل الفقهاء، فعلى هذا الأصل كل حديث احتج به محتج، أو عمل بموجبه عامل أخرجه سواء صح طريقه أو لم يصح، وقد أزاح عن نفسه، فإنه تكلم على كل حديث بما فيه، وكان من طريقه أن يترجم بابًا فيه حديث مشهور عن صحابي قد صح الطريق إليه، وأخرج حديثه في الكتب الصحاح، فيورد في الباب ذلك الحكم من حديث صحابي آخر لم يخرجوه من حديثه، ولا يكون الطريق إليه كالطريق إلى الأول إلا أن الحكم صحيح، ثم يتبعه بأن يقول: وفي الباب عن فلان وفلان، ويعد جماعة منهم الصحابي الذي أخرج ذلك الحكم من حديثه.

وقلما يسلك هذه الطريق إلا في أبواب معدودة، وقد تقدم ذكر ذلك عندما تحدثنا عن منزلة الكتاب، وعن دراسة الكتاب للشيخ أحمد شاكر، وقال الحافظ الحازمي في (شروط الأئمة): مذهب من خرج الصحيح: أن يعتبر حال الراوي العدل في مشايخه، وفيمن روى عنهم، وهم ثقات أيضًا، وحديثه عن بعضهم صحيح ثابت يلزم إخراجه، وعن بعضهم مدخول لا يصلح إخراجه إلا في الشواهد والمتابعات، قال: “وهذا باب فيه غموض، وطريق إيضاحه معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل، ومراتب مداركهم”.

ولنوضح ذلك بمثال، وهو أن تعلم أن أصحاب الزهري مثلًا على خمس طبقات، ولكل طبقة منها مزية على التي تليها، فالأولى في غاية الصحة نحو: مالك، وابن عيينة، وعبد الله بن عمر ويونس وعقيل، ونحوهم، وهي مقصد البخاري.

والثانية: شاركت الأولى في التثبت، غير أن الأولى جمعت بين الحفظ والإتقان، وبين طول الملازمة للزهري، فكان فيهم من يلازمه في السفر، ويلازمه في الحضر، والثانية لم تلازم الزهري إلا مدة يسيرة، فلم تمارس حديثه، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى، وهذه شرط مسلم نحو الأوزاعي، والليث بن سعد، والنعمان بن راشد، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، وابن أبي ذئب.

والثالثة: جماعة لزموا الزهري؛ كالطبقة الأولى غير أنهم لم يسلموا من غوائل الجرح، فهم بين الرد والقبول نحو سفيان بن حسين، وجعفر بن برقان، وإسحاق بن يحيى الكلبى، وهم شرط أبي داود والنسائي.

والرابعة: قوم شاركوا أهل الثالثة في الجرح والتعديل، وتفردوا بقلة ممارستهم لحديث الزهري؛ لأنهم لم يصاحبوا الزهري كثيرًا، وهم شرط الترمذي، قال: وفي الحقيقة شرط الترمذي أبلغ من شرط أبي داود؛ لأن الحديث إذا كان ضعيفًا أو من حديث أهل الطبقة الرابعة، فإنه يبين ضعفه وينبه عليه، فيصير الحديث عنده من باب الشواهد والمتابعات، ويكون اعتماده على ما صح عند الجماعة، ومن هذه الطبقة زمعة بن صالح بن معاوية بن يحيى الصدفي، والمثنى بن الصباح.

والخامسة: قوم من الضعفاء والمجهولين لا يجوز أن يخرج لهم إلا على سبيل الاعتبار والاستشهاد عند أبي داود فمن دونه، فأما عند الشيخين فلا، كبحر بن كنيز السقاء، والحكم بن عبد الله الأيلي، وعبد القدوس بن حبيب، ومحمد بن سعيد المصلوب، وقد يخرج البخاري أحيانًا عن أعيان الطبقة الثانية، ومسلم يخرج عن أعيان الطبقة الثالثة، وأبو داود يخرج عن مشاهير الرابعة؛ وذلك لأسباب اقتضت ذلك.

error: النص محمي !!