Top
Image Alt

اقتباس الأنظمة والمناهج اللادينية من الغرب

  /  اقتباس الأنظمة والمناهج اللادينية من الغرب

اقتباس الأنظمة والمناهج اللادينية من الغرب

وجدت المدارس الأجنبية في بلدان العالم الإسلامي، وأطلق غلاة المبشرين والقساوسة وأضرابهم في وضع برامج التعليم لمدارسهم، حتى إن الموضوعات العلمانية التي تُعلَّم من كتب غربية، وعلى يد مدرسين غربيين تحمل معها الآراء النصرانية، والواقع أن الاستعمار كان حريصًا على توجيه التعليم؛ لتخريج طائفة من المتعلمين يخدمون مصالح الحكومة والشركات، ويهدف أساسًا إلى القضاء على الثقافة الإسلامية بالطعن فيها، وإثارة الشكوك من حولها، والشبهات في أعماقها، فسيطر على المدارس الوطنية التي تضم عامة أبناء الأمة ممن يقدرون على التعليم عن طريق رجاله، وعملائه الذين تولوا وضع المناهج الجديدة، والسهر على تنفيذها، وخدمة أغراضها القريبة والبعيدة كالخطة التي رسمها “كرومر” في مصر، ونفذها القس الإنجليزي “دانلوب” وتلاميذه من بعده.

ولا تزال لها آثار وذيول سيئة تطبع بعض جوانب التعليم المصري، ومقلديه في العالم العربي المسلم، فقد استطاع أن ينزع من برامج التعليم الدين، وروح الأدب العربي، وتاريخ الإسلام وصلة مصر بالعرب والعربية، ثم أدخل في برامج المدارس أن مصر فرعونية، وفي كل وحدات العالم الإسلامي نجد الهدف نفسه قد أعد بصورة أخرى، ففي الهند الإسلامية يحاول التعليم التركيز على الحضارات الوثنية، وفي تركيا يجري الاهتمام بالتاريخ التوراني، وأمجاد جنكيزخان وفي إندونيسيا يركز على تاريخ ما قبل الإسلام، وكلها محاولات للقضاء على العوامل الجامعة للعالم الإسلامي، وحرص النفوذ الاستعماري أن يجعل من جامعاته، ومعاهده مصدرًا لتخريج القادة، والحكام في العالم الإسلامي.

فقد أوصى المؤتمر التبشيري، المنعقد سنة 1906/ 1324 هـ في القاهرة بوجوب إنشاء جامعة علمانية على نمط الجامعة الفرنسية لمناهضة الأزهر، والذي قالوا عنه: إنه يهدد كنيسة المسيح بالخطر، فعين اللورد “كرومر” أول معتمد بريطاني على مصر، المستر “دانلوب” القسيس المبشر مستشارًا لوزارة المعارف المصرية، فكان في يده السلطة الفعلية الكاملة، ففتح مدارس جديدة تعلم العلوم الدنيوية مهملة الدين، ويعين خريجوها في دواوين الحكومة، وأما خريج الأزهر فكان لا يجد عملًا، وإذا وجده ففي إقامة الشعائر في المسجد، وفرق في الراتبين كبير، فأصبح لا يذهب للأزهر إلا الفقراء، الذين يعجزون عن دفع مصاريف المدارس الحديثة.

وطبعًا هذه السياسة نفسها التي اتبعها الإنجليز في الهند المسلمة، وفي الأقطار الإسلامية الأخرى، التي ابتليت باستعمار الإنجليز؛ لذلك حرصت الجامعات منذ إنشائها على اقتباس الأنظمة والمناهج اللادينية، فحين قام سعد زغلول ولطفي السيد، وزملاؤهما في مصر بإنشاء الجامعة المصرية، كان النص الأول من شروط إنشائها: هو أن لا تختص بجنس أو دين، بل تكون لجميع سكان مصر على اختلاف جنسياتهم وأديانهم، فتكون واسطة الألفة بينهم، فخلت الجامعة من علوم الإسلام.

ويقول اللورد “لويد” ممثل بريطانيا في مصر، في حفل كلية فيكتوريا بالإسكندرية عام 1926 ميلادية: “إن أبناء هذه الكلية من ثمانية أجناس أو تسعة أجناس مختلفة، كل هؤلاء لا يمضي عليهم وقت طويل، حتى يتشبعوا بوجهة النظر البريطانية”، فهو يكشف عن الغاية من التعليم البريطاني خلق جيل يؤمن بانجلترا، ويتعاطف معها مغضيًا عن استعمارها ونفوذها في البلاد، والجامعة الأمريكية في بيروت معروفة الأهداف والمرامي، كان التعليم الحديث علمانيًّا منذ البداية، وتعدى الأمر المناهج إلى أسلوب التربية، وفلسفة السلوك، فقد طبق الاختلاط بين الذكور والإناث في معظم جامعات العالم الإسلامي، وأدخلت التقاليد الغربية المنافية للإسلام في صلب النظام الجامعي، أو شيدت في إطاره معاهد عليا للرقص والتمثيل والنحت والموسيقى باسمٍ براق: الفنون الجميلة.

فقد قال قاسم أمين: “لعل أكبر الأسباب في انحطاط الأمة المصرية تأخرها في الفنون الجميلة التمثيل، والتصوير والموسيقى”، وقد أصبح في مصر وفي غيرها من أقطار العالم الإسلامي جيوشًا من هؤلاء، فماذا كانت النتيجة؟ كما حشيت مقررات التاريخ بدسائس المستشرقين وسموم المبشرين، وكتبت بأسلوب شديد التأثير بالأساليب الغربية التي تفسر التاريخ تفسيرًا ماديًّا، أو فلسفيًّا خاصًّا أو اقتصاديًّا، وكتب التاريخ الإسلامي على شكل سلسلة عنيفة من الصراعات، والدسائس والفتن، وأغفلت الدعوة الإسلامية تمامًا، ودور المسلمين في الرقي البشري، وما قدمته الحضارة الإسلامية في انتشال الأمم من وهدة الجهل، والانحطاط والجاهلية.

6.استيراد المذاهب اللادينية في الفكر والأدب: كان من أخطر الأدوات العصرية التي اعتمد أعداء الإسلام عليها الصحافة باعتبارها أكثر شيوعًا وأبعد تأثيرًا، سواء كانت محلية أو مستوردة مجلوبة من وراء البحار والحدود تحمل للمسلمين قيمًا جديدة، وتحفل بضروب من الأفكار المخربة، وأحاديث الجنس الفاضحة، والصور العارية والقصص البذيئة، والمقالات والبحوث التي تتناول كثيرًا من المقدسات بالنقد والتجريح في غير ما جرح.

وليس من قبيل الصُّدَف أن تنشأ الصحافة في بلاد الإسلام على يد النصارى، ففي مصر قلب العالم الإسلامي نشأت الصحافة على يد الموارنة النصارى. فدار الأهرام لآل تقلا ودار الهلال لآل زيدان، ودار المقطم لآل صروف، وازدهرت هذه بحماية الحراب الإنجليزية، وعاثت فسادًا وتشويهًا لكل القيم في ظل الاحتلال، يقول “جب”: “وللوصول إلى هذا التطور البعيد يجب أن لا ينحصر الاعتماد على التعليم في المدارس، بل يجب أن يكون الاهتمام الأكبر منصرفًا إلى خلق رأي عام، والسبيل إلى ذلك هو الاعتماد على الصحافة.

ثم يقول: الصحافة هي أقوى الأدوات الأوربية وأعظمها نفوذًا في العالم الإسلامي”، وبالصحافة صارت النهضة الفكرية والأدبية الحديثة مسارًا غريبًا؛ حتى آل الأمر إلى الواقع الفكري والأدبي المعاصر، فنقلت الداروينية والفرويدية إلى مجال الأدب بطريق الترجمة أولًا، ثم الدراسة المستفيضة، كما استورد المسلمون المذاهب الفكرية الحديثة، مثل: الإلحاد والشك واللاأدرية واللا معقول، فعملوا بذلك على تفريغ الكلمة العربية، والحرف العربي من مدلوله ومعناه باسم الرمزية، وباسم العقل الباطن، وباسم القاموس الخاص بالمفكر أو الأديب، وتعرض الأدب إلى ظاهرة التقسيم والتجزئ.

وكان من ضمن القائمين بهذه الحركة إسماعيل حمد أدهم، المتوفى عام 1353هـ 1940 م، وهو مستعرب من أصل مزيج تركي وروسي، كان على صلة بالاستشراق الروسي، وجاء إلى مصر من تركيا بعد إعلان العلمانية، وحاول نشر الإلحاد فيها، فأول رسالة صغيرة عنونها، لماذا أنا ملحد؟ وطبعها في مطبعة التعاون بالإسكندرية، بين فيها أنه من جماعة المجمع الشرقي لنشر الإلحاد، وأما إسماعيل مظهر المتوفى سنة 1382هـ 1962 م، فقد ركز على فكرة الداروينية والأصل الحيواني للإنسان في مقالاته، فيقول -بخبث وتلاعب بالألفاظ-: “اكتفت الأديان بالقول بأن الغاية من خلق الإنسان والجن هي أن يعبدوا الله -فكرة حسنة، ولكنها غير صحيحة، إذ لو صح هذا إذًا لاعتقد بجانبه بأن الله في حاجة لأن يعبده الإنس والجن؛ ولظهر النظام الكوني في مجموعه بمظهر شيء ما خُلق ليعضد الحياة الإنسانية التي يجب أن تسخر لعبادة الله، وهذا في معتقدي أبعد الأشياء عن أن يكون الغاية من وجود الإنسان-“.

كما أصدر الدكتور طه حسين كتابه (في الشعر الجاهلي) عام 1345/ 1926 م، مستخدمًا منهج الشك الديكارتي والنقد التاريخي الأوربي في غربلة الروايات، والنصوص الدينية بما في ذلك آيات القرآن الكريم، وهنا تكمن خطورة هذا الكتاب، وليس في مجرد تشكيكه بمصادر الشعر الجاهلي، ومن هذا المنطلق كان طه حسين يؤكد وقتها أن العلم في ناحية، والدين في ناحية أخرى، وأن التوفيق بينهما محال، واستمرت أفكار الغرب المنحرفة تظهر في الأدب العربي من إسماعيل مظهر إلى لطفي السيد ومنصور فهمي وأمين الخولي وطه حسين إلى صادق جلال العظم، تخفَّى بعضهم تحت أقنعة البحث العلمي، أو التمذهب الأدبي؛ حتى لا يصدم مشاعر المسلمين فتنصرف عن إنتاجه، وبعضهم هاجم مشاعر المسلمين، وعقيدتهم بكل جرأة وصراحة كما سبق.

بل إن بعض الأدباء في محاضراتهم وكتاباتهم زيفوا التاريخ، ووضعوه في إطار عجيب من الأفكار المتناقضة المنحرفة، كجورجي زيدان في رواياته عن تاريخ الإسلام، والدكتور لويس عوض المستشار الثقافي للأهرام، إذ جعل في محاضراته بمعهد الدراسات العربية المعلم يعقوب العميل، الذي استغله المحتل الفرنسي في غزو نابليون مصر بداية القومية المصرية، والكفاح القومي وهو نفسه الذي كون فيلقًا لضرب الشعب المصري، وتحطيم ثورته، ونهب أمواله. كما يعتبر الحملة الفرنسية هي بداية تاريخ مصر القومي وتحريرها، ويشيد الدكتور عوض بمحاكمة الفرنسيين لسليمان الحلبي قاتل “كليبر”، ويفسر الصراع أثناء الحملة الفرنسية بأنه بين قوتين أجنبيتين: الفرنسيون والأتراك، الأول يحمل مبادئ الثورة الفرنسية، ويسعى لإيقاظ القومية المصرية، والثاني يختص بكل الموبقات والصفات الكريهة، كما وضع السيد عمر مكرم ومحمد الكريم والمحروقي وحسن طوبار وسليمان الحلبي في كفة، والجنرال يعقوب وفرط الرمان في كفة أخرى على قدم المساواة.

error: النص محمي !!