Top
Image Alt

اقتداء القادر على القيام بالجالس

  /  اقتداء القادر على القيام بالجالس

اقتداء القادر على القيام بالجالس

باب: اقتداء القادر على القيام بالجالس، وأنه يجلس معه.

1. الروايات التي جاءت في صلاة القاعد أو القائم خلف الإمام وهو قاعد:             

الحديث الأول: عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته وهو شاكٍ، فصلى جالسًا، وصلى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم: أن اجلسوا، فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا)).

الحديث الثاني: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: ((ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسًا بالمدينة فصرعه على جزم نخلة فانفكت قدمه، فأتيناه نعوده، فوجدناه في مشرُبة لعائشة يسبح جالسًا، قال: فقمنا خلفه، فسكت عنا، ثم أتيناه مرة أخرى نعوده، فصلى المكتوبة جالسًا، فقمنا خلفه، فأشار إلينا فقعدنا، فلما قضى الصلاة قال: إذا صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا، وإذا صلى الإمام قائمًا فصلوا قيامًا، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها)) رواه أبو داود.   

المعنى العام للأحاديث:  

لقد أرسل الله رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأرسل الرسل إلى الناس مبشرين ومنذرين، واقتضت حكمته سبحانه وتعالى أن يكون الرسلُ من البشر يتحدثون بلسانهم: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رّسُولٍ إِلاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4] ولما كان نبينا صلى الله عليه وسلم من البشر، فيعتريه ما يعتري البشر من أكلٍٍ،وشربٍ، وحياةٍ، وموت، ومرضٍ، ووجع، وألمٍ وغير ذلك، فقد أُصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد، وكسرت رباعيته، وسحره لبيد بن الأعصم اليهودي، وأثَّر السحر فيه صلى الله عليه وسلم بجانب بشريته. روى البخاري وغيره بسنده عن عائشة قالت: ((سُحِر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان يخيل إليه أنه فعل الشيء، وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلةٍ وهو عندي، لكنه دعا ودعا ودعا، ثم قال: يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته، قلت: وما ذاك؟ قال: أتاني رجلان -وفي رواية: ملكان- فقعد أحدهما عند رجلي والآخر عند رأسي، فقال الذي عند رجلي للذي عند رأسي: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط، ومشاطة، وجف طلع نخلة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذروان، تحت راعوفة البئر، فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم في ناس من أصحابه، ثم قال: يا عائشة، والله لكأن ماءها نُقاعة الحناء، ولكأن نخلها رءوس الشياطين)).

وهذا الحديث فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر، وأن السحر قد أثّر فيه صلى الله عليه وسلم سحره لبيد بن الأعصم اليهودي.

أيضًا ما في هذا الحديث الذي معنا من أنه صلى الله عليه وسلم وقع من على فرس فانفكت قدمهصلى الله عليه وسلم فرسولنا صلى الله عليه وسلم بجانب بشريته يعتريه ما يعتري البشر.

2. بيان أقوال الفقهاء في حكم الصلاة خلف الجالس:     

واستدلوا بالحديث على صحة إمامة القاعد المعذور بمثله، وبالقائم أيضًا، وخالف في ذلك مالك في المشهور عنه، ومحمد بن الحسن فيما حكاه الطحاوي، ونقل عنه أن ذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم واحتج بحديث جابر عن الشعبي مرفوعًا: “لا يؤمن أحدٌ بعدي جالسًا” واعترضه الشافعي فقال: قد علم من احتج بهذا ألا حجة فيه؛ لأنه مرسل، ومن رواية رجلٍ يرغِّب أهل العلم عن الرواية عنه -يعني: جابرًا الجعفي- وقال بعضهم: لو صح لم يكن فيه حجة؛ لأنه يُحتمل أن يكون المراد منع الصلاة بالجالس، أي: يُعرب قوله: “جالسًا” مفعولًا لا حالًا.

وحكى عياض عن بعض مشايخهم: أن الحديث المذكور يدل على نسخ أمره المتقدم لهم بالجلوس لما صلوا خلفه قيامًا، وتعقب بأن ذلك يحتاج لو صح إلى تاريخ وهو لا يصح، لكنه زعم أنه تقوى بأن الخلفاء الراشدين لم يفعله أحد منهم. قال: والنسخ لا يثبت بعد النبي صلى الله عليه وسلم لكن مواظبتهم على ترك ذلك تشهد لصحة الحديث المذكور، وتعقب بأن عدم النقل لا يدل على عدم الوقوع، ثم لو سلم لا يلزم منه عدم الجواز، لاحتمال أن يكونوا اكتفوا باستخلاف القادر على القيام، للاتفاق على أن صلاة القاعد بالقائم مرجوحة بالنسبة إلى صلاة القائم بمثله، وهذا كافٍ في بيان سبب تركهم الإمامة من قعود، واحتج أيضًا: بأنه صلى الله عليه وسلم إنما صلى بهم قاعدًا؛ لأنه لا يصح التقدم بين يديه صلى الله عليه وسلم لنهي الله عز وجل عن ذلك، ولأن الأئمة شفعاء، ولا يكون أحدٌ شافعًا له صلى الله عليه وسلم وتعقب بصلاته صلى الله عليه وسلم خلف عبد الرحمن بن عوف كما سبق، وهو ثابتٌ بلا خلاف، وصح أيضًا: أنه صلى خلف أبي بكر.

والعجبُ أن عمدة مالك في منع إمامة القاعد قول ربيعة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في تلك الصلاة مأمومًا خلف أبي بكر، وإنكاره أن يكون صلى الله عليه وسلم أمّ في مرض موته قاعدًا، كما حكاه عنه الشافعي في (الأم) فكيف يدعي أصحابه عدم تصور أنه صلى مأمومًا، وكأن حديث إمامته المذكور لما كان في غاية الصحة، ولم يمكنهم رده سلكوا في الانتصار وجوهًا مختلفة، وقد تبين بصلاته خلف عبد الرحمن بن عوف أن المراد بمنع التقدم بين يديه في غير الإمامة، وأن المراد بكون الأئمة شفعاء أي: في حق من يحتاج إلى الشفاعة، ثم لو سلِم أنه لا يجوز أن يؤمه أحد، لم يدل ذلك على منع إمامة القاعد.

وقد أَمّ قاعدًا جماعة من الصحابة بعده صلى الله عليه وسلم منهم: أسيد بن حضير، وجابر، وقيس بن قهد الأنصاري، وأنس بن مالك، والأسانيد عنهم بذلك صحيحة أخرجها عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وغيرهم، بل ادعى ابن حبان وغيره: إجماع الصحابة على صحة إمامة القاعد.

شرح حديث: ((صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته وهو شاكٍ…)):

تحدثنا عن باب: اقتداء القادر على القيام بالجالس، وأنه يجلس معه، وذكرنا تحته حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته وهو شاكٍ، فصلى جالسًا، وصلى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا؛ فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا)).

كما ذكرنا حديث جابر: ((ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسًا بالمدينة فصرعه على جذم نخلة؛ فانفكت قدمه، فأتيناه نعوده؛ فوجدناه في مشربة لعائشة يسبح جالسًا، قال: فقمنا خلفه فسكت عنّا، ثم أتيناه مرة أخرى نعوده؛ فصلى المكتوبة جالسًا، فقمنا خلفه؛ فأشار إلينا فقعدنا، فلما قضى الصلاة قال: إذا صلى الإمام جالسًا؛ فصلوا جلوسًا، وإذا صلى الإمام قائمًا؛ فصلوا قيامًا، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها)) رواه أبو داود.

قال البخاري: قال الحميدي قوله: ((إذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا)) هو في مرضه القديم، ثم صلى بعد ذلك صلى الله عليه وسلم جالسًا، والناس خلفه قيامًا، لم يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ بالآخر، فالآخر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

قوله: ((في بيته)) أي: في المشربة التي في حجرة عائشة، كما بيّنه أبو سفيان، عن جابر، وهو دالّ على أن تلك الصلاة لم تكن في المسجد، وكأنه صلى الله عليه وسلم عجز عن الصلاة بالناس في المسجد، فكان يصلي في بيته بمن حضر، لكنه لم ينقل أنه استخلف، ومن ثم قال عياض: إن الظاهر أنه صلى في حجرة عائشة، وائتم به من حضر عنده، ومن كان في المسجد، وهذا الذي قاله محتمل.

ويحتمل أيضًا: أن يكون استخلف، وإن لم ينقل، ويلزم على الأول صلاة الإمام أعلى من المأمومين، ومذهب عياض خلاف ذلك، لكن له أن يقول محل المنع ما إذا لم يكن مع الإمام في مكانه العالي أحد، وهنا كان معه بعض أصحابه، يعني: المنع إذا صلى الإمام في مكان عالٍٍ وحده، أما في هذه الحالة، فكان معه صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه.

قوله: ((وهو شاكٍ)) بتخفيف الكاف بوزن قاضٍٍ، من الشكاية وهي المرض، وكان سبب ذلك ما في حديث أنس، وما جاء في حديث جابر: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقع من على فرسه فجُحِش شقه الأيمن)).

قوله: ((فصلى جالسًا)) قال عياض: “يحتمل أن يكون أصابه من السقطة رضٌّ في الأعضاء منعه من القيام”.

قال ابن حجر: وليس كذلك، وإنما كانت قدمه صلى الله عليه وسلم انفكت، كما في رواية بشر بن المفضل، عن حميد، عن أنس عند الإسماعيلي، وكذا لأبي داود، وابن خزيمة من رواية أبي سفيان، عن جابر.

وأما قوله في رواية الزهري، عن أنس بن مالك: ((جحش شقه الأيمن)) وفي رواية يزيد، عن حميد، عن أنس: ((جحش ساقه أو كتفه)) فلا ينافي ذلك كون قدمه انفكت لاحتمال وقوع الأمرين، يعني: انفكت قدمه، وجحش شقه الأيمنصلى الله عليه وسلم والجحش: هو الخدش، والخدش: قشر الجلد.

قوله: ((وصلى وراءه قوم قيامًا)) ولمسلم: ((فدخل عليه ناس من أصحابه يعودونه)) وقد سمى منهم في الأحاديث: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبو بكر الصديق، وعمر رضي الله عنهم أجمعين.

قوله: ((فأشار إليهم)) من الإشارة ووقع في بعض الروايات: ((فأشار عليهم)) من المشورة، والأول أصح.

قوله: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) قال البيضاوي وغيره: الائتمام: الاقتداء، والاتباع، أي: جعل الإمام إمامًا ليقتدى به ويتبع، ومن شأن التابع ألا يسبق متبوعه، ولا يساويه، ولا يتقدم عليه في موقفه، بل يراقب أحواله، ويأتي على أثره بنحو فعله، ومقتضى ذلك: ألا يخالفه في شيء من الأحوال.

قوله: ((فإذا ركع فاركعوا)) قال ابن المنير: مقتضاه أن ركوع المأموم يكون بعد ركوع الإمام، إما بعد تمام انحنائه، وإما أن يسبقه الإمام بأوله فيشرع فيه بعد أن يشرع، قال: وحديث أنس أتم من حديث عائشة؛ لأنه زاد فيه المتابعة في القول أيضًا، قال ابن حجر: قد وقعت الزيادة المذكورة وهي قوله: ((وإذا قال: سمع الله لمن حمده)) في حديث عائشة أيضًا.

وكذا وردت زيادة ذلك في حديث أنس الذي رواه البخاري، وقد وافق عائشة، وأنسًا، وجابرًا على رواية هذا الحديث دون القصة التي في أول حديث أبي هريرة، وله طرق عنه عند مسلم منها ما اتفق عليه الشيخان من رواية همام عنه أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون)).

قوله: ((مشرُبة)) بفتح الميم، وبالشين المعجمة، وبضم الراء وفتحها، وهي: الغرفة، وقيل: كالخزانة فيها الطعام والشراب، ولهذا سميت مشربة، فإن المشرَبة بفتح الراء فقط هي الموضع الذي يشرب منه الناس.

قوله: ((على جذع)) بجيم مكسورة، وذال معجمة ساكنة وهو: أصل الشيء، والمراد هنا أصل النخلة، وفي رواية ابن حبان: ((على جذع نخلة ذهب أعلاها وبقي أصلها في الأرض)) وحكى الجوهري فتح الجيم وهي ضعيفة، فإن الجزم بالفتح القطع.

قوله: ((فانفكت)) الفك نوع من الوهن والخلل، وانفك العظم انتقل من مفصله، يقال: فككت الشيء: أبنت بعضه من بعض.

قوله: ((لا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها)) وجاء عند مسلم: ((إن كدتم آنفًا لتفعلون فعل فارس والروم)) إن: مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها، وفعل فارس: مفعول مطلق مبين لنوعه، وتفعلون: منزل منزلة اللازم، وفي الكلام تشبيه، والتقدير: تفعلون مثل فعل فارس، وآنفًا: نصب على الظرفية، وهو من استأنفت الشيء إذا ابتدأته، والمعنى: كدتم في أول الوقت الذي يقرب منا أن تفعلوا فعل فارس، وفي بعض النسخ: ((إن كدتم آنفًا تفعلون)) بدون اللام.

قوله: ((فلا تفعلوا)) الفاء فصيحة في جواب شرط مقدر أي: إذا كان هذا فعل فارس والروم، فلا تفعلوه؛ لئلا تتشبهوا بهم في فعل لا يرضاه الشرع، ومفعول تفعلوا محذوف.

error: النص محمي !!