Top
Image Alt

اقتداء المقيم بالمسافر، والمفترض بالمتنفل

  /  اقتداء المقيم بالمسافر، والمفترض بالمتنفل

اقتداء المقيم بالمسافر، والمفترض بالمتنفل

باب حكم اقتداء المقيم بالمسافر: 

قال ابن قدامة: إذا صلى مسافر ومقيم خلف مسافر، أتم المقيم إذا سلم الإمام. قال: أجمع أهل العلم على أن المقيم إذا ائتم بالمسافر وسلم المسافر من ركعتين، أن على المقيم إتمام الصلاة، ثم ذكر حديث عمران بن حصين قال: ((شهدت الفتح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، ثم يقول لأهل البلد: صلوا أربعًا؛ فإنا سفر)) ولأن الصلاة واجبة عليه أربعًا، فلم يكن له ترك شيء من ركعاتها كما لو لم يأتم بمسافر.                             

ويستحب للإمام إذا صلى بمقيمين أن يقول لهم عُقيب تسليمه: أتموا فإنا على سفر، لما ذكر في الحديث؛ ولئلا يشتبه الأمر على الجاهل في عدد ركعات الصلاة؛ فيظن أن الرباعية ركعتان. وقد روى الأثرم عن الزهري: أن عثمان إنما أتم الصلاة؛ لأن الأعراب حجّوا، فأراد أن يعرفهم أن الصلاة أربع.

قال الإمام ابن حزم -رحمه الله-: فإن صلى مسافر بصلاة إمام مقيم قصر ولا بد، وإن صلى مقيم بصلاة مسافر أتم ولا بد، وكل أحدٍ يصلي لنفسه، وإمامة كل واحد منهما للآخر جائزة ولا فرق. ثم روى من طريق عبد الرزاق عن سعيد بن السائب عن داود بن أبي عاصم، قال: ((سألت ابن عمر عن الصلاة في السفر فقال: ركعتان. قلت: كيف ترى ونحن ها هنا بمنى؟ قال: ويحك! سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنت به؟! قلت: نعم. قال: فإنه كان يصلي ركعتين، فصلِّ ركعتين إن شئت أو دع)) قال ابن حزم: وهذا بيانٌ جليّ بأمر ابن عمر المسافر أن يصلي خلف المقيم ركعتين فقط.

ثم روى ابن حزم بسنده عن تميم بن حزلم قال: كان أُبيّ إذا أدرك من صلاة المقيم ركعة وهو مسافر صلى إليها أخرى، وإذا أدرك ركعتين اجتزأ بهما. قال ابن حزم: تميم بن حزلم من كبار أصحاب ابن مسعود رضي الله عنه. ثم روى عن الشعبي قال: إذا كان مسافرًا فأدرك من صلاة المقيم ركعتين اعتد بهما.

وروى أيضًا عن سليمان التيمي قال: سمعت طاوسًا، وسألته عن مسافرٍ أدرك من صلاة المقيمين ركعتين، قال: تجزآنه، أو تجزيانه. قال ابن حزم: برهان صحة قولنا ما قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن الله تعالى فرض على لسانه صلى الله عليه وسلم صلاة الحضر أربعًا، وصلاة السفر ركعتين. وروى بسنده عن عمرو بن أمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ((إن الله قد وضع عن المسافر الصيام ونصف الصلاة)) ولم يخص عليه الصلاة والسلام مأمومًا من إمام من منفرد {وَمَا كَانَ رَبّكَ نَسِيّاً} [مريم: 64] وقال تعالى: {وَلاَ تَكْسِبُ كُلّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ} [الأنعام: 164].

قال ابن حزم: والعجب من المالكيين والشافعيين والحنفيين القائلين: بأن المقيم خلف المسافر يتم، ولا ينتقل إلى حكم إمامه في التقصير، وأن المسافر خلف المقيم ينتقل إلى حكم إمامه في الإتمام، وهم يدعون أنهم أصحاب قياس بزعمهم، ولو صح قياس في العالم لكان هذا أصح قياس يوجد، ولكن هذا مما تركوا فيه القرآن والسنن والقياس على حد زعم ابن حزم، قال: وما وجدت لهم حجة إلا أن بعضهم قال: إن المسافر إذا نوى في صلاته الإقامة لزمه الإتمام، والمقيم إذا نوى في صلاته السفر لم يقصرها، قال: فإذا خرج بنيته إلى الإتمام فأحرى أن يخرج إلى الإتمام بحكم إمامه. قال ابن حزم: وهذا قياس في غاية الفساد؛ لأنه لا نسبة ولا شبَه بين صرف النية من سفر إلى إقامة، وبين الائتمام بإمام مقيم، بل التشبيه بينهما هوس ظاهر.

واحتج بعضهم: بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) فقلنا لهم: فقولوا للمقيم خلف المسافر أن يأتم به إذًا، فقال قائلهم قد جاء: ((أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر)) فقلنا: لو صح هذا لكان عليكم، لأن فيه أن المسافر لا يتم، ولم يفرق بين مأموم ولا إمام، فالواجب على هذا أن المسافر جملة يقصر، والمقيم جملة يتم، ولا يراعي أحد منهما حال إمامه. وبالله تعالى التوفيق.

باب: هل يقتدي المفترض بالمتنفل، أم لا؟

الحديث الأول: عن جابر رضي الله عنه: ((أن معاذًا كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم عشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة)) متفق عليه، ورواه الشافعي، والدارقطني وزاد: ((هي له تطوع، ولهم مكتوبة العشاء)).

الحديث الثاني: عن معاذ بن رفاعة عن سُليم -رجلٌ من بني سلمة-: ((أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن معاذ بن جبل يأتينا بعدما ننام، ونكون في أعمالنا في النهار، فينادي بالصلاة فنخرج إليه فيطول علينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معاذ، لا تكن فتَّانًا، إمّا أن تصلي معي، وإمّا أن تخفف على قومك)) رواه أحمد.

ج. بيان اختلاف روايات الحديث، وشرحه:

وحديث جابر أخرجه البخاري ومسلم. قال البخاري: حدثنا مسلم قال: حدثنا شعبة عن عمرو عن جابر بن عبد الله: ((أن معاذًا بن جبل كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجع فيؤم قومه)) وروى البخاري أيضًا قال: حدثني محمد بن بشار قال: حدثنا غُندر قال: حدثنا شعبة عن عمرو قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: ((كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجع فيؤم قومه، فصلى العشاء فقرأ بالبقرة، فانصرف الرجل، فكأن معاذًا تناول منه، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: فتانٌ، فتانٌ، فتانٌ ثلاث مِرار، أو قال: فاتنًا، فاتنًا، فاتنًا، وأمره بسورتين من أوسط المفصل)) قال: عمرو لا أحفظهما.

وقوله في رواية البخاري: ((يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم)) زاد مسلم من رواية منصور عن عمرو: ((عشاء الآخرة)) فكأنّ العشاء هي التي كان يواظب فيها على الصلاة مرتين، وهكذا في حديث الباب كان يُصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم عشاء الآخرة.

قوله: ((ثم يرجع فيؤم قومه)) في رواية: ((فيصلي بهم تلك الصلاة)) وللبخاري في الأدب: ((فيصلي بهم الصلاة)) أي: المذكورة، وفي هذا ردٌّ على من زعم أن المراد أن الصلاة التي كان يصليها مع النبي صلى الله عليه وسلم غير الصلاة التي كان يُصليها بقومه، وفي رواية ابن عيينة: ((فصلى ليلة مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء، ثم أتى قومه فأمهم))، وفي رواية الحميدي عن ابن عيينة: ((ثم يرجع إلى بني سلمة فيصليها بهم)) ولا مخالفة فيه؛ لأن قومه هم بنو سلمة كما ذكرنا في ترجمة معاذ، وفي رواية الشافعي عنه: ((ثم يرجع فيصليها بقومه في بني سلمة)) ولأحمد: ((ثم يرجع فيؤمنا)).

قوله: ((فصلى العشاء)) كذا في معظم الروايات، ووقع في رواية لأبي عوانة والطحاوي من طريق محارب: ((صلى بأصحابه المغرب)) وكذا لعبد الرزاق من رواية أبي الزبير، يعني: عبد الرزاق وأبو عوانة والطحاوي رووا أن الصلاة التي صلاها هي المغرب، وحديث الباب وفي البخاري أن الصلاة هي العشاء، فإن حُمل على تعدد القصة كما سيأتي، أو على أن المراد بالمغرب العشاء مجازًا تم، وإلّا فما في الصحيح أصح، يعني: تكون الصلاة هي العشاء؛ لأنها جاءت في الصحيح.

وقوله في رواية البخاري: ((فقرأ بالبقرة)) فيه ردٌّ على من يقول: يكره أن يقول البقرة بل سورة البقرة، لكن في رواية الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن محمد بن بشار شيخ البخاري فيه: ((فقرأ سورة البقرة)) ولمسلم عن ابن عيينة نحوه، وللبخاري في الأدب: ((فقرأ بهم البقرة)) فالظاهر أن ذلك من تصرفات الرواة، يعني: بعض الرواة يذكر سورة البقرة، وبعضهم يقول البقرة دون سورة، والمراد أنه ابتدأ في قراءتها، وبه صرح مسلم، ولفظه: ((فافتتح سورة البقرة)) وفي رواية محارب: ((فقرأ بسورة البقرة أو النساء)) على الشك، وفي رواية: ((فقرأ بالبقرة والنساء)) فإن كان كذلك احتمل أن يكون قرأ في الأولى بالبقرة، وفي الثانية بالنساء، ووقع عند أحمد من حديث بريدة بإسناد قوي: ((فقرأ اقتربت الساعة)) وهي شاذة إلّا إن حُمل على التعدد -يعني: إن حمل على تعدد القصة- فذلك جائزٌ وسائغ، ولم يقع في شيء من الطرق المتقدمة تسمية هذا الرجل.

لكن روى أبو داود الطيالسي في (مسنده) والبزار من طريقه عن طالب بن حبيب عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه قال: “مرَّ حزم بن أُبيّ بن كعب بمعاذ بن جبل وهو يصلي بقومه صلاة العتمة، فافتتح بسورة طويلة، ومع حزم ناضح له -وسيأتي قريبًا معنى ناضح…” الحديث قال البزار: لا نعلم أحدًا سماه عن جابر إلّا ابن جابر، وقد رواه أبو داود في (السنن) من وجه آخر عن طالب، فجعله عن ابن جابر عن حزم صاحب القصة، وابن جابر لم يدرك حزمًا، ووقع عنده صلاة المغرب، وهو نحو ما تقدم من الاختلاف في رواية محارب.

ورواه ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر فسماه حَازمًا، وكأنه صحفه، أخرجه ابن شاهين من طريقه. ورواه أحمد والنسائي وأبو يعلى وابن السكن بإسناد صحيح عن عبد العزيز بن صُهيب عن أنس قال: ((كان معاذ يؤم قومه، فدخل حرام وهو يريد أن يسقي نخله)) وحرام هو: حرام بن مِلْحان، الحديث جاء فيه حرام براء بعدها ألف يعني: ليس بحزم، وظن بعضهم: أنه حرام بن مِلْحان خال أنس، وبذلك جزم الخطيب في (المبهمات)، لكن قال ابن حجر: لم أره منسوبًا في الرواية، ويحتمل أن يكون تصحيفًا من حزم -يعني: هو اسمه حزم فصحف إلى حرام- فتجتمع هذه الروايات، وكأن ابن حجر لا يريد أن يقول بتعدد القصة لما سيأتي من إشكال عندما نقول: إن القصة متعددة، وإلى ذلك يومئ صنيع ابن عبد البر، فإنه ذكر في الصحابة حرام بن أبي كعب وذكر له هذه القصة.

قال ابن حجر: وعزا تسميته لرواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس. قال ابن حجر: ولم أقف في رواية عبد العزيز على تسمية أبيه، وكأنه بنى على أن اسمه تصحف والأب واحد، سماه جابر ولم يسمه أنس، وجاء في تسميته قولٌ آخر أخرجه أحمد أيضًا من رواية معاذ بن رفاعة عن رجل من بني سلمة يقال له: سُليم، كما في حديثنا في هذا الباب: ((أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، إنا نظل في أعمالنا فنأتي حين نمسي فنصلي، فيأتي معاذ بن جبل فينادي بالصلاة فنأتيه، فيطول علينا…)) الحديث وفيه أنه استشهد برجلٍ آخر، وهذا مرسل؛ لأن معاذ بن رفاعة لم يدركه، وقد رواه الطحاوي والطبراني من هذا الوجه عن معاذ بن رفاعة: “أن رجلًا من بني سلمة…” فذكره مرسلًا، ورواه البزار من وجه آخر عن جابر وسماه سليمًا أيضًا، لكن وقع عند ابن حزم من هذا الوجه أن اسمه: سَلْم بفتح أوله وسكون اللام، وكأنه تصحيف كما قال ابن حجر.

وجمع بعضهم بين هذا الاختلاف بأنهما واقعتان، وأيد ذلك بالاختلاف في الصلاة: هل هي العشاء أو المغرب؟ وبالاختلاف في السورة: هل هي البقرة أو اقتربت؟ وبالاختلاف في عذر الرجل: هل هو لأجل التطويل فقط لكونه جاء من العمل وهو تعبان، أو لكونه أراد أن يسقي نخله إذ ذاك، أو لكونه خاف على الماء في النخل كما في حديث بريدة؟ يعني: هذا كله خلافٌ في الحديث، يعني: اختلاف في اسم الرجل، واختلاف في السورة التي قُرئت، واختلاف في الصلاة هل هي العشاء أو المغرب؟ واختلاف في عذر الرجل.

وإذا قلنا بتعدد القصة استُشكل هذا الجمع، لماذا؟ لأنه لا يُظن بمعاذ أنه صلى الله عليه وسلم يأمره بالتخفيف، ثم يعود إلى التطويل، يعني: إن قلنا: إن القصة حدثت أولًا، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا أن يخفف على قومه، فلا يظن بمعاذ بعد ذلك أن يعود إلى التطويل، فالجامع بتعدد القصة فيه هذا الإشكال، لكن يُجاب عن ذلك باحتمال أن يكون قرأ أولًا بالبقرة، فلما نهاه قرأ “اقتربت” وهي طويلة بالنسبة إلى السور التي أمره أن يقرأ بها، ويحتمل أن يكون النهي أولًا وقع لما يخشى من تنفير بعض من يدخل في الإسلام، ثم لما اطمأنت نفوسهم بالإسلام ظن معاذ أن المانع زال -يعني: المانع من التطويل زال- فقرأ باقتربت؛ لأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فصادف صاحب الشغل، وجمع النووي: احتمال أن يكون قرأ في الأولى بالبقرة فانصرف رجل، ثم قرأ اقتربت في الثانية فانصرف آخر، ووقع في رواية أبي الزبير عند مسلم: ((فانطلق رجلٌ منّا)) وهذا يدل على أنه كان من بني سلمة، ويقوي رواية من سماه سليمًا.

قوله في رواية البخاري: ((فانصرف الرجل)) اللام فيه للعهد الذهني، ويحتمل أن يراد به الجنس، فكأنه قال: واحدٌ من الرجال؛ لأن المعرف تعريف الجنس كالنكرة في مؤداه، ووقع في رواية الإسماعيلي: “فقام رجلٌ فانصرف” وفي رواية: “فتجوز فصلى صلاة خفيفة” ولابن عيينة عند مسلم: “فانحرف رجلٌ فسلم ثم صلى وحده” وهو ظاهر في أنه قطع الصلاة، لكن ذكر البيهقي أن محمد بن عباد شيخ مسلم تفرد عن ابن عيينة بقوله: “ثم سلم” وأن الحفاظ من أصحاب ابن عيينة، وكذا من أصحاب شيخه عمرو بن دينار، وكذا من أصحاب جابر لم يذكروا السلام، وكأنه فهم أن هذه اللفظة تدل على أن الرجل قطع الصلاة؛ لأن السلام يتحلل به من الصلاة، وسائر الروايات تدل على أنه قطع القدوة فقط، -يعني: قطع الاقتداء مع الإمام- ولم يخرج من الصلاة، بل استمر فيها منفردًا.

قال الرافعي في (شرح المسند): في الكلام على رواية الشافعي عن ابن عيينة في هذا الحديث: “فتنحى رجلٌ من خلفه فصلى وحده” هذا يحتمل من جهة اللفظ أنه قطع الصلاة، وتنحى عن موضع صلاته واستأنفها لنفسه، لكنه غير محمول عليه؛ لأن الفرض لا يُقطع بعد الشروع فيه، ولهذا استدل به الشافعية على أن للمأموم أن يقطع القدوة، ويتم صلاته منفردًا، ونازع النووي فيه فقال: لا دلالة فيه؛ لأنه ليس فيه أنه فارقه وبنى على صلاته، بل في الرواية التي فيها أنه سلم دليل على أنه قطع الصلاة من أصلها ثم استأنفها فيدل على جواز قطع الصلاة وإبطالها لعذر.

وقوله أيضًا في رواية البخاري: ((فكأن معاذ ينال منه)) وفي رواية: ((تناول منه)) وفي أخرى: ((فكأن معاذًا تناول منه)) والأولى تدل على كثرة ذلك منه بخلاف الثانية، ومعنى “ينال منه” أو “تناوله”: ذكره بسوء، وقد فُسر هذا التناول في رواية سُليم بن حيان ولفظه: ((فبلغ ذلك معاذًا فقال: إنه منافق)) يعني: الكلام الذي تناول به معاذ الرجل الذي صلى وحده، أن معاذًا قال عنه: إنه منافق، وهذا معنى قوله: ((فنال منه)) يعني: قال: إنه منافق، وكذا لأبي الزبير ولابن عيينة: ((فقالوا له: أنافقت يا فلان؟ قال: لا، والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأخبرنه)) وكأن معاذًا قال ذلك أولًا، ثم قاله: أصحاب معاذ للرجل.

قوله في رواية البخاري: ((فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم)) بيّن ابن عيينة في روايته وكذا محارب وأبو الزبير: أنه الذي جاء فاشتكى من معاذ، وفي رواية النسائي: ((فقال معاذ: لئن أصبحت لأذكرن ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فأرسل إليه فقال: ما حملك على الذي صنعت؟ فقال: يا رسول الله عملت على ناضح لي…)) فذكر الحديث وكأن معاذًا سبقه بالشكوى، فلما أرسل إليه جاء فاشتكى من معاذ، والناضح: جاء في حديث: ((ما يُسقى من الزرع نضحًا ففيه نصف العشر)) أي: ما سقي بالدوالي والاستيقاء، والنواضح: الإبل التي يستقى عليها واحدها ناضح.

قوله في رواية البخاري: ((فقال: فتان)) وفي رواية ابن عيينة: ((أفتان أنت؟)) وفي الرواية التي معنا: ((يا معاذ، لا تكن فتانًا)) زاد محارب: ((قالها النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثًا)) وقوله: ((أو قال: فاتنًا)) كما في رواية البخاري شكٌّ من الراوي يعني: أقال فاتنًا؟ أو أقال فتانًا؟ وهو منصوب على أنه خبر كان المقدرة، وفي رواية أبي الزبير: ((أتريد أن تكون فاتنًا)) ولأحمد في حديث معاذ بن رفاعة الذي معنا: ((يا معاذ لا تكن فاتنًا)) وزاد في حديث أنس: ((لا تطول بهم)) ومعنى الفتنة ها هنا: أن التطويل يكون سببًا لخروجهم من الصلاة، وكراهتهم للصلاة في الجماعة، وروى البيهقي في (الشعب) بإسناد صحيح عن عمر قال: “لا تبغضوا إلى الله عباده، يكون أحدكم إمامًا، فيطول على القوم الصلاة حتى يبغض إليهم ما هم فيه”.

وقال الداودي: يحتمل أن يريد بقوله: ((فتان)) أي: معذِّب؛ لأنه عذبهم بالتطويل، ومنه قوله تعالى: {إِنّ الّذِينَ فَتَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ} [البروج: 10] قيل: معناه عذَّبوهم.

قوله في رواية البخاري: ((وأمره بسورتين من أوسط المفصل)) قال عمرو -أي: ابن دينار- أحد رواة حديث البخاري: ((لا أحفظهما)) يعني: لا يحفظ السورتين اللتين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذًا بقراءتهما، وكأنه قال ذلك في حال تحديثه لشعبة، وإلا فقد جاء في بعض الروايات: ((اقرأ و”الشمس وضحاها” و”سبح اسم ربك الأعلى”)) وقال في رواية ابن عيينة عند مسلم: ((اقرأ بكذا… واقرأ بكذا…)) قال ابن عيينة: فقلت لعمرو: إن أبا الزبير حدثنا عن جابر أنه قال: ((اقرأ بـ”الشمس وضحاها” و”الليل إذا يغشى” و”سبح اسم ربك الأعلى”)) فقال عمرو نحو هذا، وجزم بذلك محارب في حديثه عن جابر. وفي رواية الليث عن أبي الزبير عند مسلم مع الثلاثة: ((اقرأ باسم ربك)) زاد ابن جريج عن أبي الزبير: ((والضحى)) أخرجه عبد الرزاق، وفي رواية الحميدي عن ابن عيينة مع الثلاثة الأول: ((والسماء ذات البروج، والسماء والطارق)) وهذا إن دل فإنما يدل على تعدد القصة.

error: النص محمي !!