Top
Image Alt

اقتداء بمن أخطأ بترك شرط أو فرض ولم يعلم

  /  اقتداء بمن أخطأ بترك شرط أو فرض ولم يعلم

اقتداء بمن أخطأ بترك شرط أو فرض ولم يعلم

باب: من اقتدى بمن أخطأ بترك شرط أو فرض ولم يعلم:

الحديث الأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يصلون بكم؛ فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم)) رواه أحمد، والبخاري.

قوله: ((يصلون بكم)) وفي البخاري: ((يصلون لكم)) باللام التي للتعليل، والمراد بذلك الأئمة.

قوله صلى الله عليه وسلم: ((فإن أصابوا فلكم)) أي: ثواب صلاتكم، وقوله: ((ولهم)) هذه العبارة ليست في (البخاري)، وهي في (مسند أحمد)، والمراد: أن لهم ثواب صلاتهم، وثواب إمامتهم أيضًا.

وزعم ابن بطال: أن المراد بالإصابة هنا: إصابة الوقت، واستدل بحديث ابن مسعود مرفوعًا: ((لعلكم تدركون أقوامًا يصلون الصلاة لغير وقتها، فإذا أدركتموهم فصلوا في بيوتكم في الوقت، ثم صلوا معهم واجعلوها نافلة)) وهو حديثٌ حسن، أخرجه النسائي، وغيره.

قال: فالتقدير على هذا: فإن أصابوا الوقت فيها وإن اخطئوا الوقت فلكم، يعني الصلاة التي في الوقت، وأجاب عنه الحافظ ابن حجر: بأن زيادة (لهم) كما في رواية أحمد تدل على أن المراد صلاتهم معهم لا عند الانفراد، وكذا أخرجه الإسماعيلي، وأبو نعيم في (مستخرجيهما).

وكذلك أخرج هذه الزيادة ابن حبان من حديث أبي هريرة، وأبو داود من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا بلفظ: ((من أمَّ الناس فأصاب الوقت فله ولهم)).

وفي رواية لأحمد في هذا الحديث: ((فإن صلوا الصلاة لوقتها، وأتموا الركوع والسجود فهي لكم ولهم)).

قال الحافظ ابن حجر: فهذا يبين أن المراد ما هو أعم من إصابة الوقت، قال ابن المنذر: هذا الحديث يرد على من زعم أن صلاة الإمام إذا فسدت فسدت صلاة من خلفه.

وقوله: ((وإن اخطئوا)) أي: ارتكبوا الخطيئة، ولم يرد الخطأ المقابل للعمد، لأنه لا إثم فيه، قال المهلب: فيه جواز الصلاة خلف البر والفاجر.

واستدل به البغوي على أنه يصح صلاة المأمومين إذا كان إمامهم محدثًا، وعليه الإعادة.

قال الحافظ ابن حجر: واستدل به غيره على أعم من ذلك، وهو صحة الائتمام بمن يخل بشيء من الصلاة ركنًا، أو غيره إذا أتم المأموم، وهو وجه للشافعية بشرط أن يكون الإمام هو الخليفة، أو نائبه، والأصح عندهم صحة الاقتداء إلا لمن علم أنه ترك واجبًا، ومنهم من استدل به على الجواز مطلقًا، وهو الظاهر من الحديث، ويؤيده ما روي عن الثلاثة الخلفاء رضي الله عنهم.

باب: حكم الإمام إذا ذكر أنه محدث، أو خرج لحدث سبقه، أو غير ذلك:

الحديث الأول: عن أبي بكرة: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم استفتح الصلاة فكبر, ثم أومأ إليهم: أن مكانكم، ثم دخل ثم خرج، ورأسه يقطر، فصلى بهم، فلما قضى الصلاة، قال: إنما أنا بشر مثلكم، وإني كنت جنبًا)) رواه أحمد، وأبو داود، وقال: رواه أيوب، وابن عون، وهشام، عن محمد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((فكبر، ثم أومأ إلى القوم أن اجلسوا، وذهب فاغتسل)).    

قوله: ((فكبر)) في رواية أبي داود وغيره على: أراد أن يكبر، أو بأنهما واقعتان، وذكره -أيضًا- القاضي عياض، والقرطبي، وقال النووي: إنه الأظهر، فإن ثبت ذلك، وإلا فما في (الصحيحين) أصح.

قوله: ((ثم أومأ)) أي: أشار، ورواية البخاري: ((فقال لنا)) وتحمل رواية البخاري على إطلاق القول على الفعل، ويمكن أن يكون جمع بين الكلام، والإشارة.

قوله: ((أن مكانكم)) منصوبٌ بفعل محذوف هو وفاعله، والتقدير: الزموا مكانكم، قوله: ((ورأسه يقطر)) أي: من ماء الغسل، قوله: ((فصلى بهم)) في رواية للبخاري: ((فصلينا معه)) وفيه جواز التخلل الكثير بين الإقامة والدخول في الصلاة.

قوله: ((إنما أنا بشر)) معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم يجوز في حقه ما يجوز لسائر البشر من أمراض، وأوجاع، ومن سهو، وغير ذلك.

قوله: ((وإني كنت جنبًا)) فيه دليلٌ على جواز اتصافه صلى الله عليه وسلم بالجنابة، وعلى صدور النسيان منه صلى الله عليه وسلم.

قوله: عن محمد، أي: محمد بن سيرين، قوله: ((أن اجلسوا)) هذا يدل على أنهم قد كانوا اصطفوا للصلاة قيامًا، وقد صرح بذلك البخاري عن أبي هريرة، ولفظه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وقد أقيمت الصلاة، وعدلت الصفوف)).

قوله: ((وذهب)) في رواية لأبي داود: ((فذهب)) وللنسائي: ((ثم رجع إلى بيته)).

حكم الصلاة خلف المحدث أو الفاسق:

قال الإمام الشيرازي: ولا تجوز الصلاة خلف المحدث؛ لأنه ليس من أهل الصلاة، فإن صلى خلفه غير الجمعة، ولم يعلم، ثم علم فإن كان ذلك في أثناء الصلاة نوى مفارقته، وأتم، وإن كان بعد الفراغ لم تلزمه الإعادة؛ لأنه ليس على حدثه أمارة؛ فعذر في صلاته خلفه.

وإن كان في الجمعة. قال الشافعي -رحمه الله- في (الأم): إن تم العدد به لم تصح الجمعة؛ لأنه فقد شرطها، وإن تم العدد دونه صحت؛ لأن العدد قد وجد، وحدثه لا يمنع صحة الجمعة، كما لا يمنع في سائر الصلوات.

قال الإمام النووي في شرحه: أجمعت الأمة على تحريم الصلاة خلف المحدث لمن علم حدثه، والمراد محدث لم يؤذن له في الصلاة، أما محدث أذن له فيها كالمتيمم، ومن عنده سلس بول، والمستحاضة إذا توضأت، أو من لا يجد ماءً، ولا ترابًا، ففي الصلاة وراءهم تفصيل وخلاف، فإن صلى خلف المحدث بجنابة، أو بول وغيره، والمأموم عالم بحدث الإمام، أثم بذلك، وصلاته باطلة بالإجماع، وإن كان جاهلًا بحدث الإمام فإن كان في غير الجمعة انعقدت صلاته، فإن علم في أثناء الصلاة حدث الإمام؛ لزمه مفارقة الإمام، وأتم الصلاة منفردًا بانيًا على ما صلى مع إمامه، فإن استمر على المتابعة لحظة، أو لم ينوِِ المفارقة، بطلت صلاته بالاتفاق؛ لأنه صلى بعد صلاته خلف محدث مع علمه بحدثه.

وممن صرح ببطلان صلاته إذا لم ينو المفارقة، ولم يتابع في الأفعال الشيخ أبو حامد، والقاضي أبو الطيب في تعليقهما، وخلائق من كبار أصحاب الشافعي، وإن لم يعلم؛ حتى سلم منها أجزأته، وسواء كان الإمام عالمًا بحدث نفسه أم لا؛ لأنه لا تفريط من المأموم في الحالين، هذا هو مذهب الشافعية، وبه قطع جمهور العلماء.

قال الشافعي -رحمه الله-: إن كان الإمام عالمًا بحدثه لم تصح صلاة المأمومين، وإن كان ساهيًا صحت.

ونقل صاحب (التلخيص) فيما إذا تعمد الإمام قولين في وجوب الإعادة، وقال: هما منصوصان للشافعي.

error: النص محمي !!