Top
Image Alt

الآثار المترتبة على عزل القاضي

  /  الآثار المترتبة على عزل القاضي

الآثار المترتبة على عزل القاضي

يترتب على موت القاضي, أو عزله أو اعتزاله أمور:

الأمر الأول: انتهاء ولايته، فلا يجوز له إذا بلغه الخبر -عند من يقول بصحة عزله؛ لأنَّ بعض الفقهاء وهم قلة قليلة جدًّا ترى أنه ليس من حق أحد أن يعزله- أن ينظر في شيء من أمور القضاء، وكذلك إذا عزل نفسه، أما أحكامه التي صدرت في أثناء ولايته فهي صحيحة نافذة, إذا كانت موثقة في سجل، أو قامت عليها بينة.

الأمر الثاني: انعزال كل مأذون له في فعل معين, إذا كان هذا الإذن قد صدر من ذلك القاضي؛ كأن يكون هذا القاضي الذي عُزل قد أعطى أمرًا ببيع على ميت -أي: بيع تركة شخص مات- أو بيع ممتلكات شخص وهو غائب، أو سماع شهادة في حادثة معينة؛ فكل هذا يتوقف. وأما من استخلفه في القضاء ففيه ثلاثة أوجه: وجه أنه ينعزل قياسًا على الوكيل، فكما أن الموكل له الحق في أن يعزل الوكيل، كذلك القاضي له أن يعزل خليفته؛ لأنه هو الذي اختاره وعينه، فهو بمثابة الوكيل عنه لهذه الفترة المعينة.

ووجه آخر يقول: لا ينعزل؛ لحاجة الناس إليه، وهناك وجه ثالث: أنه لا ينعزل حتى لو انعزل الذي استخلفه وهو القاضي, فخليفته لا ينعزل، وأصحها: ينعزل إن لم يكن القاضي مأذونًا له في الاستخلاف؛ لأنه كان يعمل له وكيلًا عنه، لكن إذا كان القاضي مأذونًا له في الاستخلاف فهذا لا يُعزل للحاجة إليه, ولأنه لا يعمل للقاضي وإنما يعمل للوالي، فلا ينعزل إلا بأمر الوالي، ولا ينعزل بمجرَّد انعزال القاضي.

وإذا مات الخليفة، فهل ينعزل القاضي؟ الراجح: أنه لا ينعزل القاضي؛ لأن هذا القاضي لا يعمل عند الخليفة ولا يعمل لمصلحة الخليفة، إنما هو يعمل لمصلحة المسلمين عامة، وإذا مات الإمام يُعيَّن إمام آخر، ويظل القاضي في منصبه إلى أن يعزل نفسه، أو إلى أن يعزله الإمام، أو يختلّ فيه شرط من شروط التعيين.

الأمر الثالث: وقد نص عليه الشافعية، ويتلخَّص في أنَّ القوَّام على اليتامى والأوقاف لا ينعزلون بموت القاضي وانعزاله؛ لئلَّا تتعطل مصالح المسلمين، وهو المذهب عند الشافعية، خلافًا للإمام الغزالي الذي جعلهم كالخلفاء.

الأمر الرابع: لا يُقْبَل قوله: كنت قد حكمت لفلان بكذا، أو حكمت على فلان بكذا، إلّا إذا قامت بذلك بينة من شهود أو نحوها، والحكمة في هذا: أنه لو قبلنا قوله فكأننا قبلنا شهادته لنفسه، وشهادته لنفسه لا تجوز؛ لأنه متَّهَم بتحقيق مصلحة له، فإذا قال: كنت قد حكمت لفلان بكذا، أو حكمت على فلان بكذا، فلا يقبل قوله قياسًا على عدم قبول شهادته لنفسه؛ لأنه متهم، والمتهم لا تقبل شهادته كمن يشهد لابنه أو يشهد لأبيه، أو يشهد لزوجته، فلا تُقبل شهادته، فكذلك قول القاضي هنا: كنت قد حكمت لفلان بكذا، أو حكمت على فلان بكذا، وهو في الواقع قول جمهور فقهاء المسلمين؛ كالحنفية والمالكية والشافعية.

وخالف في ذلك الحنابلة؛ حيث يرون قبول قوله؛ لأنَّ القاضي أخبر بما حكم به وهو غير متهم، فيجب قبوله كحال ولايته، فهذا خبر وليس شهادة، وهو قد أخبر بهذا, ولأنه صادق يُقبل خبره. وبالتأمل والتدبر نجد أن قول الجمهور هو الأرجح؛ لأن القضاء كالشهادة، وتطبق عليه أحكام الشهادة، ومن أحكام الشهادة أنه لا تُقبل شهادة الإنسان لنفسه أو لأقاربه أو لزوجته؛ لأن له في ذلك مصلحة. وأما قول الحنابلة فهو قول ضعيف؛ لأنَّ القاضي لا يخبر فقط، إنما هو يشهد على هذا الموقف وفي هذه القضية، وشهادته موضع تهمة في هذه الحالة؛ لأنها تحقق له مصلحة، وهو نفاذ حكمه.

الأمر الخامس: أن يقوم القاضي الذي عُزِلَ أو اعتزل بتسليم ما تحت يديه من سجلات ومحاضر وصكوك وودائع وأموال لليتامى؛ لأن ذلك كان في يده بحكم عمله، والآن عُزل فلم يعد قاضيًا، فيلزمه تسليم ذلك كله، وذلك للقاضي الذي عُيِّنَ بدلًا منه؛ لأنه لا مصلحة له في الاحتفاظ بهذه الأشياء، بل إن المصلحة تقتضي أن يسلمها حتى تتحقق مصالح الناس، ولا يترتب على عزله ضرر أو إيذاء لجمهور المسلمين.

error: النص محمي !!