Top
Image Alt

الآثار النفسية والاجتماعية لإنفاق الزكاة

  /  الآثار النفسية والاجتماعية لإنفاق الزكاة

الآثار النفسية والاجتماعية لإنفاق الزكاة

لعلّنا نستطيع الكشف عن جانب مضيء في التشريعات الإسلامية التي تعنى بالإنسان وحقوقه، نفسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا في حديثنا عن الزكاة.

فالزكاة عبادة مالية، أو لنقُلْ: هي جباية مالية من أعدل الجبايات، وهي أكثر اتِّزانًا واعتدالًا من جميع الجبايات التي عرفها تاريخ الاقتصاد المالي في العالَم حتى الوقت الحاضر، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ولا نَنْسى أنّ هذا القانون المالي الإسلامي تسيطر عليه روح العبادة والتقرب إلى الله؛ فلا بد لأداء الزكاة من النِّية لأنها عبادة. وهي: أحد أركان الإسلام الخمسة؛ فالزكاة: نقْل لبعض المال الذي أعطاه الله الأغنياء واستخلفهم فيه، من أيديهم إلى أيدي إخوانهم في الجماعة الإسلامية، وهي اليد العاملة الكادحة التي لا يفي عملها بحاجتها، أو التي عجزت عن العمل.

ولفريضة الزكاة آثار متعدِّدة منها: ما هو اجتماعي يَترك بصمات واضحة في المجتمع الإسلامي. كما أنّ لها آثارًا نفسية بالنسبة للمعطي وللآخِذ، وإن كان يصعب في هذا المجال الفصل بين الآثار المتعلِّقة بالتحصيل والمتعلِّقة بالإنفاق كلّ على انفراد. كما أن لها آثارًا مالية واقتصادية مهمة وجوهرية.

وهكذا يُمكن القول بالفصل بين آثار إنفاق الزكاة عن آثار تحصيلها، وإن كان الذي يَعنينا في المقام الأوّل هنا هي: الآثار المالية والاقتصادية للإنفاق المترتِّب على فريضة الزكاة، ولكي نوضّح ذلك، فإن الأمر يتطلّب أن نوضِّح -ولو باختصار أو بإيجاز- تلك الآثار النفسية والاجتماعية لهذه الفريضة، حتى تأتي الصورة مكتملة.

كما أنه لا يمكن الفصل تمامًا بين الآثار المختلفة، فكلّ منها يؤثِّر في الآخَر ويتأثّر به، وهذه الآثار نسردها كما يلي:

أوّلًا: الآثار النفسية للزكاة بالنسبة للمُعطي والآخِذ.

ثانيًا: الآثار الاجتماعية.

ثالثًا: الآثار المالية والاقتصادية.

أوّلًا: الآثار النفسية بالنسبة للمُعطي، والآخِذ أو المستحِقّ لها:

أ. الآثار النفسية بالنسبة لمُعطي الزكاة:

شرَع الله الزكاة ليدفعها المقتدِر؛ ليحمي نفوسًا، ويُشبع بها بطونًا، ويمسح بها دموعًا، ويزيل بها آلامًا؛ فالزكاة فريضة إنسانية يبذلها الغني رابطة بينه وبين ربه، راضية بها نفسه. ويفيد منها المجتمع والدولة، حتى لا يعيش مسلم معدمًا محرومًا، ولا يبقى غني أنانيًّا جشعًا.

ومن أهمِّ آثارها النفسية: أنها تطهِّر نفس المسلم، يقول الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا}: تُطهِّرهم من رجس البخل والأثرة والطمع. تُطهِّرهم من رجس الرذائل الاجتماعية التي هي مثار التحاسد والعدوان. تطهِّرهم من الحرام وشبه الحرام في الكسب أو الإنفاق.

كما أنّ الله تعالى كره للأغنياء الشح والبخل الذي يمنع من التعاطف وبذل المال، فقال -جلّ شأنه-: {وَمَن يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9]، وقال -عزّ من قائل-: {وَلاَ يَحْسَبَنّ الّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لّهُمْ بَلْ هُوَ شَرّ لّهُمْ سَيُطَوّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَللّهِ مِيرَاثُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ}.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إيّاكم والشّحّ! فإنما هلك من كان قبلكم بالشّحّ: أمَرَهم بالقطيعة فقطعوا، وأمَرَهم بالبخل فبخلوا، وأمَرَهم بالفجور ففجروا))، أو كما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود والنسائي.

ومن أهمِّ آثارها النفسية: أنها تزكي النفس من الشح، والحرص، والأثرة، وحب المال، وظلْم حقوق الفقراء. وتعمل كذلك على قوّة النفس، وتزكية المال وتنميته. في هذا يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَمَآ آتَيْتُمْ مّن رّباً لّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللّهِ وَمَآ آتَيْتُمْ مّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللّهِ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ}.

هذا؛ وقد أخرج أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنّ الله لم يفرض الزكاة إلاّ لِيطيب ما بقي من أموالكم))؛ ولذلك كان المسلمون يؤدّون الزكاة عن طيب نفس. وكانوا رقباء أنفسهم. وكانوا سعاة بيت المال المتطوِّعين، ووكلاء فقراء المسلمين: أموالهم وحرثهم ونسلهم. فكانوا يبحثون عن المصارف ومستحقِّي الزكاة بحثًا أمينًا دقيقًا، ويتحرّوْن مواضعها، ويحرصون على أداء ما يجب عليهم من حق الله؛ فلا يطيب لهم عيش ولا يهنأ لهم طعام، حتى يتخلّوْا من ذلك.

ولقد وعَدهم الله بالخلف إذا بذلوا، قال تعالى: {وَيُرْبِي الصّدَقَاتِ}
[البقرة: 276]، كما قال: {مّثَلُ الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّئَةُ حَبّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261]، وقوله: وَمَآ أَنفَقْتُمْ مّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ}.

كما وعَدهم بمحْق المال وبالفقر إذا شحّوا وبخلوا، فقال تعالى: {وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالْفِضّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34].

فالمسلم الحق يُعطي الزكاة عن طيب خاطر، ساعيًا بها للتقرب إلى الله، موقنًا بأن المال لا تُنقصه الصدقة، بل تطهِّره وتنمّيه. ولا يحتاج في ذلك إلى رقيب أو ضاغط من الخارج؛ لأنّ النية من لوازم العبادات في الإسلام، كما قال تعالى: {وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلاّ لِيَعْبُدُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ} [البيِّنة: 5]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنّما الأعمال بالنِّيّات)).

ب. الآثار النفسية لآخذي الزكاة أو مستحقِّيها:

وعنه أقول أيضًا: الزكاة حقّ شرَعه الله تعالى لمستحقِّيها، وليست مِنّةً ولا إحسانًا من أحَد. وقد جاء في القرآن الكريم تحذير شديد لِمن يشعرون بالاستعلاء عند أداء الزكاة وأنواع الصدقات، مثْل قوله تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنّ وَالأذَىَ كَالّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً} [البقرة: 264].

فمستحِقّ الزكاة عندما يأخذ نصيبَه منها، فإنّما يأخذ حقًّا له أو واجبًا له، ولا يَسقط حقّه هذا بعدم مطالبته به، بل هو قائم في أموال الأغنياء حتى يحصل عليه.

فالزكاة تُحقِّق لآخذها من الفقراء والمساكين استقرارًا نفسيًّا وتأمينًا لحياته، لشعوره بأنه فرد في جماعة تُعينه وقت الشدة، وتغنيه وقت الحاجة.

حقًّا؛ إنّ الزكاة تُعين الفقراء والمساكين، وتفرج عنهم ضيق الفقر وكربة الحاجة، ممّا يستتبع ذلك من هدوء نفسي ينتزع من الفقير قلق الاحتياج وذلّ السؤال ومرارة اللجوء إلى الغير؛ فيَصِله حقّه مع احتفاظه بعزّة نفسه. وفي نفس الوقت، هو لا يأخذ إلاّ قدر حاجته ويعفّ، أو هكذا ينبغي أن يكون؛ يعفّ عمّا يزيد عن ذلك فلا يطمع في أموال الغير وحقوق الآخَرين.

هكذا نجد أنّ تشريع الزكاة يهدف من الناحية النفسية والاجتماعية أيضًا ؛ فضلًا عن مصارف الزكاة المنصوص عليها في القرآن الكريم- يهدف إلى تنمية الأخوّة بين أفراد الجماعة الإسلامية، وإلى دعْم روابط الودّ والألفة، والحفاظ عليها بينهم، على أساس من التعاون والرحمة والمساواة، بما يجعل منهم أسرة واحدة متعاونة على الخير؛ حيث يقدِّم صاحب المال عن طواعية ورضًا جزءًا من ماله لأخيه المحتاج الذي يتلقّى سهمه من الزكاة بيد القبول والتقدير، بعيدًا عن أي مذلّة أو هوان.

فالزكاة تدعم روابط الألفة والمحبة، وتحمي بواعث الإخاء والود بين أفراد الجماعة، وتجعل المناخ النفسي مناسبًا وملائمًا للتنمية والازدهار في ظل سلام اجتماعي حقيقي.

كما أنه ليس الهدف من الزكاة ماليًّا فقط، بل هدفها الأوّل والأسمى: أن يعلو المسلم على المادّة، ويكون سيدًا للمال لا عبدًا له، سواء في ذلك المعطي أو الآخِذ.

ومن هذا المنطلق اهتمّ تشريع الزكاة بالمعطِي اهتمامَه بالآخِذ؛ وهذا تميّز لفريضة الزكاة عن الضرائب الوضعية القديم منها والحديث، تلك التي لا تكاد تنظر إلى المعطِي إلا باعتباره مموِّلًا للخزانة العامة.

ولم ينظر الإسلام هذه النظرة المالية البحتة لدافع الزكاة، بل جعل الزكاة تطهيرًا لنفسه من الشح، وتدريبًا لها على الإنفاق والبذل، شكرًا لله تعالى، وتطهيرًا لمالِه ونماء له.

ثانيًا: الآثار الاجتماعية لإنفاق الزكاة:

ينتج عن إنفاق الزكاة -على نحو ما قدّمنا- آثار اجتماعية بالغة الأهمية، تهيِّئ لكلِّ عضو من أعضاء المجتمع أسبابَ الحياة الشريفة الكريمة التي يستطيع بها القيام بحقوق الله وحقوق النفس، ويستطيع الوصول إلى الكمال المطلوب والغاية المطلوبة من كلِّ مسلم.

ومن هذه الآثار الاجتماعية ما يلي:

1. وجود مجتمع التّكافل والتضامن: حيث يقصد بالتكافل الاجتماعي في معناه اللفظي: أن يكون الناس في كفالة جماعتهم، وأن يكون كل قادر أو ذي سلطان كفيلًا في مجتمعه، يمدّه بالخير، وأن تكون كلّ القوى الإنسانية في المجتمع متلاقية في المحافظة على مصالح الأفراد أو الآحاد، ودفع الأضرار عنهم؛ وفي ذلك حفاظ على البناء الاجتماعي، وإقامته على أسس سليمة.

ولعلّ أبلغ تعبير جامع لمعنى هذا التكافل الاجتماعي يتمثّل في قوله صلى الله عليه وسلم: ((مثَل المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى))، وهو حديث مشهور، وله ألفاظ كثيرة.

هذا، والتكافل الاجتماعي في مغزاه ومؤدّاه: أن يحسّ كلّ واحد في المجتمع بأنّ عليه واجبات لهذا المجتمع، ومن ثَمّ يجب عليه أداؤها، وأنه إن تقاصر في أدائها أو تقاعس أو تخاذل، فقد يؤدِّي ذلك إلى انهيار البناء عليه وعلى غيره، وأنّ للفرد حقوقًا في هذا المجتمع يجب على القوّامين عليه أن يُعطوا كلّ ذي حقٍّ حقّه من غير تقصير ولا إهمال ولا هوان، وأن يدفع الضرر عن الضعفاء.

إنّ التكافل الاجتماعي يوجب سدّ حاجة المحتاجين ممّن لا يستطيعون القيام بعمل أو حرفة مثلًا، كما أنه يسدّ عجْز العاجزين.

فمصارف الزكاة التي نعرفها وسنفصِّلها، من شأنها: إقامة التكامل أو التكافل الاجتماعي في المجتمع الصغير، في محيط القرية أو الحيّ أو المدينة؛ وذلك لأنّ الزكاة تُصرف في البلد الذي جُمعت فيه في الأساس. كما أنها تُقيم التكافل الاجتماعي في مجتمع الدولة، لأن أموال الزكاة إذا زادت عن حاجات البلد الذي جُمعت فيه تُنقل إلى غيره من البلاد المجاورة، كما ذهب إلى ذلك جمهور الفقهاء.

ففريضة الزكاة بمثابة رابطة بين الإنسان وربّه من ناحية، وبينه وبين المجتمع الذي نعيش فيه من ناحية أخرى.

وكأن الإسلام -بِفرْضها، أو حين فرَضها- أراد أن يلفت المسلم إلى ضرورة شكْر الله على ما أسدى إليه من نِعَم حتى يؤدّي الزكاة. وكأنه أيضًا أراد أن يلفته إلى أنه عضو في مجتمع يجب أن يكون متعاونًا متساندًا.

إن الشرائع بأسرها -سماوية كانت أو وضعيّة- لم تتضمّن تشريعًا كتشريع الزكاة الذي تضمّنته شريعة الإسلام. هذا التشريع الإنساني الذي يفرض على المسلم ضريبة مقدّسة، يفيد منها المجتمع الذي يعيش فيه، وتفيد منها الدولة التي ينتمي إليها مَن تتوافر فيه شروط الزكاة.

الإسلام يدعو المسلمين جميعًا إلى الوحدة، ويعتبر أنهم جميعًا تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم، وهم يد واحدة على مَن سواهم، وهذا هو: التضامن الاجتماعي أو التكافل الجماعي: {إِنّ هَـَذِهِ أُمّتُكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]، أو {وَأَنَاْ رَبّكُمْ فَاتّقُونِ} [المؤمنون: 52].

والإسلام فرَض الزكاة لتكون بمثابة ضريبة إنسانية مقدّسة يَبذلها الغني، ويفيد منها المجتمع والدولة، حتى لا يعيش مسلم معدومًا، ولا يبقى غنيّ أنانيًا جشعًا؛ فهذا هو الضمان والتكافل الاجتماعي في أرقى وأفضل صورة، كثمرة من ثمار تشريع الزكاة.

2. محاربة الفقر: فإن الاعتماد على الإحسان الفرديّ كوسيلة لمحاربة الفقر غير كافية، وكان لا بدّ من فرْض ضريبة تعتمد عليها الدولة في محاربة الفقر وآثاره. يقول الدكتور إبراهيم اللبان، في بحثه، عن حق الفقراء في أموال الأغنياء، الذي قدّمه للمؤتمر الأوّل لمجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة، سنة (1383/ 1964): “أظهرت تجارب الإنسانية في اعتمادها على الإحسان كوسيلة لمكافحة الفقر، أنّ هذه الوسيلة غير كافية، وأنّ هذا العجز يرجع إلى نقص في كيان هذا الأسلوب العلاجي، وأنه لا بد للنجاح في هذه المهمة الاجتماعية الكبرى من تلافي كلّ ضروب النقص فيه. لا بد من ضريبة تَفرضها الدولة وتجبيها.

ولا يجوز الاكتفاء بتقرير واجب ديني يترك للفرد وحده أمْر القيام به وأداؤه، فيصبح عرضة للترك والإهمال.

ولا بد من تحديد الأموال؛ حتى تستطيع الدولة أن تقوم بالجباية على أساس واضح. ولا بدّ أن تكون الحصيلة كبيرة؛ حتى يمكن الاعتماد عليها في تخفيف ويلات الفقر وشروره.

لابد لنا -بالإجمال- أن نتجاوز مرحلة الواجبات الفردية غير الدقيقة، إلى مرحلة النظم العامة التي تدخل في اختصاص الدولة وحدود سلطتها. وقد قام الإسلام لأوّل مرة في تاريخ البشرية بهذا التطور الاجتماعي العظيم”. انتهى كلام الدكتور اللبان.

ففُرضت الزكاة، وإنّ أوّل مصارفها -كما بيّن الله تعالى- للفقراء والمساكين؛ وهذا يدلّنا على أنّ الهدف الأول من الزكاة هو القضاء على الفقر والعوز.

فمِن المعروف أنّ الفقر مشكلة اجتماعية لها عواقب وخيمة على المجتمعات، ولقد لجأت الدول إلى مختلف الأنظمة الاقتصادية، ولا هدف لها إلاّ محاربة الفقر، وتوفير الحياة الكريمة البعيدة عن الحاجة والعوز لشعوبها.

فاختارت بعض الدول النظام الرأسمالي معتقدة أنه السبيل إلى إيجاد عمل للعمّال عن طريق مضاعفة رأس المال يمكن توجيهه إلى استثمارات أخرى تنتج عمالة إضافية.

ووجدت دول أنّ هذا النظام فيه احتكار واستغلال، وأنّ الفرد الغنيّ يستغلّ حاجة العمال فيستأجرهم بأبخس مقابل، وتتزايد أرباح الفرد الغنيّ، وتضمحل قوة العامل، حتى إذا استهلك العامل قدراته على العمل، وجد نفسه يتضوّر جوعًا دون أن يكون قد تقرّر له ما يؤدِّي عنه حاجة الحياة وما يدفع عنه ذلّ الحاجة، في الوقت الذي يكون فيه صاحب المال قد تضاعف مالُه وزادت ثروته. فاتجهت هذه الدول إلى نظام اقتصادي مخالف هو: الشيوعية. وفيه تؤمِّم كلّ وسائل الإنتاج، وتنعدم الملكيات الفردية، مقابل توفير حاجة العمّال وعدم استغلالهم.

وأوضحت التطبيقات الفعلية أنّ لكلّ نظام من هذيْن عيوبه التي تؤثِّر تأثيرًا مباشرًا على الفرد وعلى المجتمع. وأظهرت أنظمة أخرى تحاول الاستفادة من نتاج التطبيقات السابقة للنظم الاقتصادية الوضعية. وكل هذه النظم والمحاولات إنما هي في المقام الأوّل لمحاربة الفقر، وتيسير العمل للعاملين، وتوفير الحياة الكريمة للأفراد وللدولة في مجموعها.

والنظام المالي الإسلامي لم يشذّ عن ذلك؛ فهو يهتمّ بالفقير، ويحول دون تفشِّي أسباب الفقر، بل ويعالجها، ويبذل عناية خاصة ورعاية مطلقة للفقراء والمساكين؛ ففريضة الزكاة وطريقة توزيعها تجعل لكلِّ فرد في الدولة حقًّا له عليها؛ فهي توفّر له الحياة، وفرصة العمل، وترعاه شيخًا وعجوزًا بما يقدّم له من نصيبه في الزكاة لا مِنة ولا هِبة.

وبذلك، فإنّ الزكاة تُحارب أسباب الفقر، وتحول دون انتشاره، علاوة على أنّها تسدّ حاجة المحتاجين، وتعالج مسكنة المساكين.

3. تقليل التفاوت بين الطبقات: حيث استهدف التشريع المالي الإسلامي مِن فرض الزكاة على الأغنياء، ومن توزيعها في مصارفها الثمانية، استهدف تعميم التكافل الاجتماعي، حتى يكثر حقّ الفقير ويزداد نصيبه؛ وبذلك تتقارب الفوارق بين الطبقات في المجتمع. وكراهية الإسلام للتفاوت الطبقي الكبير، وحرْصه على التقارب الطبقي إنما يرجع إلى إيمانه الكامل بأن هذا التفاوت الكبير سوف يؤدِّي بالضرورة وكما هو واقع، إلى الأحقاد وإلى الضغائن، وما يصاحبها من قلاقل واضطرابات قد تؤدِّي إلى تحطيم المجتمع كلِّه، وأن هذا الأثر أو هذا الهدف الاجتماعي للزكاة -وهو: تقليل التفاوت بين الطبقات في المجتمع الواحد- هو نتيجة حتمية للتضامن الاجتماعي ولمحاربة الفقر.

إنّ كارل ماركس -أعدى أعداء الأديان، ورأس الفكر الشيوعي، أو الاشتراكي الماركسي، نسبة إليه- يقول في هذا الصدد عن نظام الزكاة في الإسلام: “وكانت هذه الضريبة فرضًا دينيًّا يتحتّم على الجميع أداؤه. وفضلًا على هذه الصفة الدينية؛ فالزكاة نظام اجتماعي عام، ومصدر تدخّر به الدولة المحمدية ما تمدّ به الفقراء وتعينهم، وطريقة على نظامية قومية لا استبدادية تحكمية، ولا عرضية طارئة. وهذا النظام البديع كان الإسلام أوّل مَن وضَع أساسه في تاريخ البشرية عامة. فضريبة الزكاة كانت تجبر طبقات الملاك والتجار الأغنياء على دفعها لتصرفها الدولة على المعوزين والعاجزين من أفرادها، وهدمت السياج الذي يفصل بين جماعات الدولة الواحدة، ووحدات الأمة في دائرة اجتماعية عادلة؛ وبذلك برهن هذا النظام الإسلامي على أنه لا يقوم على أساس الأثرة البغيضة”.

ولكن يجب أن ننوِّه هنا إلى أن الإسلام يسمح بالتفاوت في الثروة والدخول؛ فيسمح بوجود الأثرياء، بشرط أن يؤدِّي هؤلاء حقّ الله وحق الجماعة إليها؛ فإن تشريع الزكاة أدّى ويؤدِّي دائمًا إلى ما طبّق تطبيقًا صحيحًا -جباية ومصرفًا- إلى التقريب بين الطبقات، بمعنى أنه رفع مستوى المعيشة لدى الطبقات الفقيرة في الصدر الأول، أو لنقُلْ: في القرن الأول الهجري؛ فقد اختفى الفقراء والمحتاجون في عهد الأئمة العادلين؛ حيث روي أنّ والي صدقات إفريقية قد أرسل إلى الحاكم العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله يشكو إليه اكتظاظ بيت المال بالصدقات من غير مصرف يُصرف فيه.

ممّا يدل دلالة قاطعة على عدم وجود فقراء أو مساكين في إفريقية الإسلامية في ذلك الحين؛ فقد أغنى الإسلام بتشريع الزكاة الجميعَ، أو أغنى الله الناس جميعًا.

4. المحافظة على الأمن العامّ للدولة: وهذا هدف رابع من أهداف الزكاة الاجتماعية، وهدف بديهي؛ ذلك أنّ نجاح الزكاة في التقليل من التفاوت الطبقي، وتحقيقها للتقارب بين طبقات المجتمع، من شأنه أن يخلق جوًّا من الأمن والطمأنينة يسود المجتمع، ويُزيل ما يكون قد ترسّب في النفوس من حقد أو حسد بين طبقاته. ويساعد على ذلك إخراج الزكاة من المال نفسه. فلو كان للغني بستان مثلًا، وتطلّعت عينَا الفقير إلى ثماره؛ فإنه لا يجزي عن الأخذ من تلك الثمار أن يدفع الغني لهذا الفقير قيمة تلك الثمرات، فلو لم يأكل منه، لسوّلت له نفسه السطو عليه؛ ولكن إعطاءه منه يردّه عن ذلك في الغالب، والنتيجة التي تترتّب على ذلك هي: إشاعة الأمن بين الناس، وقلّة الجرائم، وخاصة المالية منها. كما أن تحديد سهم من مصارف الزكاة للمؤلّفة قلوبهم، من شأنه تحقيق صالح المجتمع الإسلامي، وتجنبيه شرور هؤلاء الذين لم يحسن إيمانهم، وأخذهم عونًا لخدمة المسلمين والإسلام.

5. الحرص على حُرية الأفراد: فقد جاء الإسلام، والرِّقّ نظام عالمي متعارف عليه، ولكن الإسلام يقدّس الحرية، ويحافظ عليها، وتعمل الدولة جاهدة من أجْلها، فلا حرية للدولة إذا كان أفرادها أرقّاء.

وبناء عليه، كان لا بد أن يعمل الإسلام على إنهاء هذه المشكلة؛ فحَدّ الإسلام من مصادر الرِّقِّ وسد منافذه، فحرّم السلب والنهب والإغارة، وحرّم كذلك أن يعتبر الإنسان أخاه سلعة فيشتريه. وكان تحديد القرآن الكريم سهمًا من الزكاة لشراء الرقيق أو المكاتَبين من عِتْقهم مِن أهمِّ الأسباب التي عجلت بتصفية الرق في البلاد الإسلامية، فضلًا عن الكفّارات في الإسلام، وما أكثرها؛ وكلها تبدأ بتحرير الرقبة، وما إلى ذلك.

error: النص محمي !!