Top
Image Alt

الأحرف السبعة التي نزل القرآن عليها

  /  الأحرف السبعة التي نزل القرآن عليها

الأحرف السبعة التي نزل القرآن عليها

قلت‏:‏ ورد حديث نزل القرآن على سبعة أحرف من رواية جمع من الصحابة‏:‏ أبيّ بن كعب، وأنس، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن أرقم، وسمرة بن جندب، وسلمان ابن صرد، وابن عباس، وابن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وعمر بن الخطاب، وعمرو بن أبي سلمة، وعمرو بن العاص، ومعاذ بن جبل، وهشام بن حكيم، وأبي بكرة، وأبي جهم، وأبي سعيد الخدري، وأبي طلحة الأنصاري، وأبي هريرة، وأبي أيوب؛ فهؤلاء واحد وعشرون صحابيًّا، وقد نصّ أبو عبيد على تواتره‏.

وأخرج أبو يعلى؛ في (مسنده)، أن عثمان قال على المنبر‏:‏ أذكر الله رجلًا سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن القرآن أُنزل على سبعة أحرف كلها شافٍ كافٍ لما قام))، فقاموا حتى لم يحصوا، فشهدوا بذلك، فقال‏:‏ وأنا أشهد معهم.

وسأسوق من رواتهم ما يحتاج إليه‏.

فأقول‏:‏ اختلف في معنى هذا الحديث على نحو أربعين قولًا‏:

‏القول الأول‏:‏ أنه من المشكل الذي لا يدرى معناه؛ لأن الحرف يصدق لغة على حرف الهجاء، وعلى الكلمة، وعلى المعنى، وعلى الجهة. قاله ابن سعدان النحوي‏.‏

‏القول الثاني‏:‏ أنه ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد؛ بل المراد التيسير، والتسهيل، والسّعة، ولفظ السبعة يُطلق على إرادة الكثرة في الآحاد، كما يُطلق السبعون في العشرات، والسبعمائة في المئين، ولا يُراد العدد المعين، وإلى هذا جنح عياض ومن تبعه‏.‏

ويردّه ما في حديث ابن عباس، في (الصحيحين)، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف))، وفي حديث أُبيّ عند مسلم: ((إن ربّي أرسل إليّ أن أقرأ القرآن على حرف، فَرَدَدْتُ إليه أن هوّن على أمّتي؛ فأرسل إليّ أن أقرأه على حرفين، فَرَدَدْتُ إليه أن هوّن على أمّتي؛ فأرسل إليّ أن أقرأه على سبعة أحرف))‏.

وفي لفظ عنه عند النسائي: ((إن جبريل وميكائيل أتياني، فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري، فقال جبريل‏:‏ اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل‏:‏ استزده،حتى بلغ سبعة أحرف‏)).‏

وفي حديث أبي بكرة: ((اقرأه. فنظرت إلى ميكائيل، فسكت فعلمت أنه قد انتهت العدة))؛ فهذا يدل على إرادة حقيقية ‏العدد وانحصاره‏.‏

‏القول الثالث‏:‏ أن المراد بها سبع قراءات، وتعقّب بأنه لا يوجد في القرآن كلمة تقرأ على سبعة أوجه إلا القليل، مثل‏:‏ ‏{وَعَبَدَ الطّاغُوتَ} [المائدة:60]، ‏ و{فَلاَ تَقُل لّهُمَآ أُفّ} [الإسراء:23].

‏القول الرابع‏:‏ أجيب: بأن المراد: أن كل كلمة تقرأ بوجه، أو وجهين، أو ثلاثة، أو أكثر إلى سبعة‏، و‏يشكل على هذا أن في الكلمات ما قُرئ على أكثر من حرف.

‏القول الخامس‏:‏ أن المراد بها الأوجه التي يقع بها التغاير، ذكره ابن قتيبة، قال‏:‏

  1. ما يتغير حركته، ولا يزول معناه ولا صورته، مثل‏:‏ {وَلاَ يُضَآرّ كَاتِبٌ} [البقرة:282]، بالفتح والرفع.
  2. ما يتغير بالفعل، مثل: “بعد، وباعد”، بلفظ الطلب، والماضي.
  3. ما يتغيّر باللفظ، مثل ننشرها.
  4. ما يتغير بإبدال حرف قريب المخرج، مثل: {وَطَلْحٍ مّنضُودٍ} [الواقعة:29]، وطلع.
  5. ما يتغير بالتقديم والتأخير، مثل: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ} [ق:19]، و “سكرة الحق بالموت”.
  6. ما يتغير بزيادة أو نقصان، مثل: “الذكر والأنثى” {وَمَا خَلَقَ الذّكَرَ وَالاُنثَىَ} [الليل:3].
  7. ما يتغير بإبدال كلمة بأخرى، مثل: {كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ} [القارعة:5]، و”كالصوف المنفوش”‏.‏

وتعقّب هذا قاسم بن ثابت، بأن الرخصة وقعت، وأكثرهم يومئذٍ لا يكتب، ولا يعرف الرسم، وإنما كانوا يعرفون الحروف ومخارجها‏.‏

وأجيب: بأنه لا يلزم من ذلك توهين ما قاله ابن قتيبة؛ لاحتمال أن يكون الانحصار المذكور في ذلك وقع اتفاقًا؛ وإنما اطلع عليه بالاستقراء‏.

قلت: أين التيسير على الأمة في ذلك؟ ظاهر الأحاديث الواردة يصطدم تمامًا مع هذا القول، كما أن بعض وجوهه لا يُوجد فيها قراءة متواترة؛ ولذا أعوز صاحب هذا القول المثال، فجاء بقراءات شاذّة.

قال أبو الفضل الرازي، في (اللوائح)‏:‏ الكلام لا يخرج عن سبعة أوجه في الاختلاف‏:

  1. اختلاف الأسماء من إفراد، وتثنية، وجمع، وتذكير، وتأنيث‏.
  2. اختلاف تصريف الأفعال من ماضٍ، ومضارعٍ، وأمر‏.‏
  3. وجوه الإعراب‏.‏
  4. النقص والزيادة‏.‏
  5. التقديم والتأخير‏.‏
  6. الإبدال‏.

‏القول السادس: اختلاف اللغات كالفتح، والإمالة، والترقيق، والتفخيم، والإدغام، والإظهار ونحو ذلك‏.

‏القول السابع: وقال بعضهم‏:‏ المراد بها كيفية النطق بالتلاوة من إدغام، وإظهار، وتفخيم، وترقيق، وإمالة، وإشباع، ومدّ، وقصر، وتشديد، وتخفيف، وتليين، وتحقيق.

وقال ابن الجزري‏:‏ قد تتبعت صحيح القراءات، وشاذّها، وضعيفها، ومنكرها؛ فإذا هي يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه لا يخرج عنها، وذلك إما في الحركات بلا تغير في المعنى والصورة، نحو: البخل بأربعة، ويحسب بوجهين، أو متغير في المعنى فقط، نحو: {فَتَلَقّىَ آدَمُ مِن رّبّهِ كَلِمَاتٍ} [البقرة:37]، وإما في الحروف بتغير المعنى لا الصورة، نحو: تبلو، وتتلو، وعكس ذلك، نحو: الصراط والسراط، أو بتغيرهما، نحو: فامضوا، فاسعوا، وإما في التقديم والتأخير، نحو: فيقتلون، ويقتلون، أوفي الزيادة والنقصان، نحو: أوصى، ووصى؛ فهذه سبعة لا يخرج الاختلاف عنها‏.‏

‏القول الثامن: ‏قال‏:‏ وأما نحو اختلاف الإظهار، والإدغام، والروم، والإشمام، والتخفيف، والتسهيل، والنقل، والإبدال؛ فهذا ليس من الاختلاف الذي يتنوّع في اللفظ والمعنى؛ لأن هذه الصفات المتنوّعة في أدائه، لا تُخرجه عن أن يكون لفظًا واحدًا. ‏ 

قال السيوطي:‏ ومن أمثلة التقديم والتأخير، قراءة الجمهور: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَىَ كُـلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبّارٍ} ‏[غافر:35]، وقرأ ابن مسعود: “على قلب كل متكبّر”‏.

‏القول التاسع‏:‏ أنّ المراد سبعة أوجه من المعاني المتّفقة بألفاظ مختلفة، نحو: أقبلْ، وتعال، وهلم، وعجل، وأسرع، وإلى هذا ذهب سفيان بن عيينة، وابن جرير، وابن وهب، وخلائق، ونسبه ابن عبد البر لأكثر العلماء، ويدل له ما أخرجه أحمد، والطبراني من حديث أبي بكرة أن جبريل، قال‏:‏ “يا محمد اقرأ القرآن على حرف، قال ميكائيل‏:‏ استزدْه حتى بلغ سبعة أحرف، قال‏:‏ كلّ شافٍ كافٍ، ما لم تخلط آية عذاب برحمة، أو رحمة بعذاب”، هذا اللفظ رواية أحمد، وإسناده جيد‏، وأخرج أحمد، والطبراني أيضًا عن ابن مسعود نحوه‏.‏

وعند أبي داود عن أبيّ، قلت‏:‏ سميعًا عليمًا عزيزًا حكيمًا، ما لم تخلط آية عذاب برحمة، أو رحمة بعذاب‏.‏

وعند أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف عليمًا حكيمًا غفورًا رحيمًا))، وعنده أيضًا من حديث عمر، بأن القرآن كلّه صواب، ما لم تجعل مغفرة عذابًا، وعذابًا مغفرة، أسانيدها جياد‏.‏

قال ابن عبد البر‏:‏ إنما أراد بهذا ضرب المثل للحروف التي نزل القرآن عليها، أنها معانٍٍ متّفق مفهومها مختلف مسموعها، لا يكون في شيء منها معنًى وضدّه، ولا وجه يخالف معنى وجه، خلافًا ينفيه ويضاده، كالرحمة التي هي خلاف العذاب وضده‏.‏

ثم أسند عن أُبَيّ بن كعب، أنه كان يقرأ‏:‏ كلما أضاء لهم مشوا فيه مروا فيه سمعوا فيه‏.‏

وكان ابن مسعود، يقرأ‏:‏ للذين آمنوا انظرونا أمهلونا أخرونا‏.‏

قال الطحاوي‏:‏ وإنما كان ذلك رخصة؛ لما كان يتعسّر على كثير منهم التلاوة بلفظ واحد؛ لعدم علمهم بالكتابة والضبط وإتقان الحفظ، ثم نسخ بزوال العذر، وتيسر الكتابة والحفظ، وكذا قال ابن عبد البر، والباقلّاني، وآخرون‏.‏

وفي فضائل أبي عبيد من طريق عون بن عبد الله، أن ابن مسعود أقرأ رجلًا‏:‏ {إِنّ شَجَرَةَ الزّقّومِ (43) طَعَامُ الأثِيمِ} [الدخان: 43، 44]؛ فقال الرجل‏:‏ طعام اليتيم، فردّها عليه فلم يستقمْ بها لسانه، فقال‏:‏ أتستطيع أن تقول: طعام الفاجر، قال: نعم، قال‏:‏ فافعل‏.‏

قلت: هذا القول في أسانيده بعض مقال، وعلى افتراض صحته لا يتوجّه إلا على القول بنسخ تلك القراءات، ورفع هذا التيسير وحصره في نطاق ضيق جدًّا، فلم يستفدِ منه إلا بعض المسلمين في عهده صلى الله عليه وسلم. ويشكل عليه أنه ليس عندنا دليل على النسخ، ولكن لا يعرف أحد من أهل العلم يرخص في قراءة القرآن بالمعنى.

كما أن التيسير في تلك القراءات محدود جدًّا؛ لأنه مجرّد استبدال كلمة بكلمة أخرى، فما هو وجهه للشيخ الفاني، والمرأة، والرجل الذي لم يقرأ كتابًا قط، كما في بعض ألفاظ الحديث.

والذي يظهر لي، أن ما ذكر في هذه الروايات؛ إنما هو لتقريب معنى الأحرف، لا للتمثيل، والمراد: أنها غالبًا لا تؤثر في المعنى كاختلاف المترادفات، والله أعلم.

القول العاشر‏:‏ أن المراد سبع لغات، وإلى هذا ذهب أبو عبيد، وثعلب، والزهري، وآخرون، واختاره ابن عطية، وصححه البيهقي، في (الشعب)‏، وتعقب بأن لغات العرب أكثر من سبعة‏.

وأجيب: بأن المراد: أفصحها، فجاء عن أبي صالح عن ابن عباس، قال‏:‏ نزل القرآن على سبع لغات، منها خمس بلغة العجز من الهوازن‏.‏

قال‏:‏ والعجز سعد بن بكر، وجشم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف، وهؤلاء كلهم من هوازن، ويقال: لهم عليّ هوازن‏.‏

ولهذا قال أبو عمرو بن العلاء‏:‏ أفصح العرب عليّ هوازن، وسفليّ تميم،‏ يعني: بني دارم‏.‏

وأخرج أبو عبيد -من وجه آخر- عن ابن عباس، قال‏:‏ نزل القرآن بلغة الكعبين‏:‏ كعب قريش، وكعب خزاعة، قيل‏:‏ وكيف ذاك؟ قال‏:‏ لأن الدار واحدة‏، يعني: أن خزاعة كانوا جيران قريش، فسهلت عليهم لغتهم‏.‏

وقال أبو حاتم السجستاني‏:‏ نزل بلغة قريش، وهزيل، وتميم، والأزد، وربيعة، وهوازن، وسعد بن بكر، واستنكر ذلك ابن قتيبة، وقال‏:‏ لم ينزل القرآن إلا بلغة قريش، وردّه بقوله تعالى: ‏ {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رّسُولٍ إِلاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ}  [إبراهيم:4].

فعلى هذا؛ تكون اللغات السبع في بطون قريش، وبذلك جزم أبو علي الأهوازي‏.

وقال أبو عبيد‏:‏ ليس المراد أن كل كلمة تقرأ على سبع لغات؛ بل اللغات السبع مفرقة فيه، فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة اليمن وغيرهم‏.‏

قال‏:‏ وبعض اللغات أسعد به من بعض، وأكثر نصيبًا‏.‏

وقيل‏:‏ نزل بلغة مضر خاصة؛ لقول عمر‏:‏ نزل القرآن بلغة مضر‏.

‏وعين بعضهم -فيما حكاه ابن عبد البر- السبع من مضر، أنهم: هذيل، وكنانة، وقيس، وضبة، وتيم الرباب، وأسد بن خزيمة، وقريش؛ فهذه قبائل مضر، تستوعب سبع لغات‏.‏

ونقل أبو شامة عن بعض الشيوخ، أنه قال‏:‏ أُنزل القرآن أولًا بلسان قريش، ومن جاورهم من العرب الفصحاء، ثم أبيح للعرب أن يقرءوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها عن اختلافهم في الألفاظ والإعراب، ولم يكلف أحدًا منهم الانتقال عن لغته إلى لغة أخرى؛ للمشقة، ولما كان فيهم من الحميّة، ولطلب تسهيل فهم المراد‏.‏

وزاد غيره: أن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهّي، بأن يغير كل أحد الكلمة بمرادفها في لغته؛ بل المرعي في ذلك السّماع من النبي صلى الله عليه وسلم.‏

واستشكل بعضهم هذا، بأنه يلزم عليه أن جبريل كان يلفظ باللفظ الواحد سبع مرات‏.

وأجيب: بأنه يلزم هذا لو اجتمعت الأحرف السبعة في لفظ واحد، وقلنا‏:‏ كان جبريل يأتي في كل عرضة بحرف إلى أن تمت سبعة، وبعد هذا كله، ردّ القول: بأن عمر بن الخطاب، وهشام ابن حكيم، كلاهما قرشي من لغة واحدة، وقد اختلفت قراءتهما، ومحال أن ينكر عليه عمر لغته؛ فدلّ على أن المراد بالأحرف السبعة غير اللغات‏.

وأقول: هذا هو القول الذي لا يقال بخلافه؛ لأمور عدة:

  1. جهة التيسير فيه واضحة جلية.
  2. بقاؤه إلى وقتنا الحالي؛ فالرخصة باقية للمسلمين عامة، وهذا أصل الأمر، والموافق للأدلة؛ حيث لا نص يدلّل على نسخ هذه الأحرف.
  3. موافقته للواقع من أمر القراءات؛ فالقرآن به ألفاظ، وطرق أداء من لغات العرب المختلفة، فليس كل العرب يدغم، أو يسهل، أو يميل، ومنهم من يستخدم بعض الكلمات دون الأخرى… وهكذا.
  4. الاعتراضات التي عليه ردّها يسير، فمثلًا: القول بأنه نزل بلغة قريش؛ إنما المراد به جلّه، وهذا واضح، فإذا اختلف في كلمة فليرجع للغة الأم، وقولهم بلسان قومه -أي: بالعربية- فلا أحد يقول: إن لغة قريش لسان، ولغة هذيل لسان آخر، وأما قراءة هشام، واختلافها عن قراءة عمر -وهما قرشيان- فما الإشكال؟ هل يلزم القرشي، ألا يقرأ إلا بحرف يوافق لغة قريش؟

نحن نقرأ القراءات، وليست لغتنا لغة أيٍّ من هذه القبائل؛ وإنما العبرة بالتلقّي، فهكذا تلقى هشام من رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف ما تلقاه عمر؛ ولذا أنكر عليه، وكون لغات العرب أكثر من سبعة؛ فمن الذي شرط أن ينزل القرآن بجميع لغات العرب؟ وإنما يكفي بعضها، أو أشهرها، ولا يحتاج الأمر حتى إلى تعيينها، أو تسميتها. والله أعلم.

القول الحادي عشر‏:‏ أن المراد: سبعة أصناف والأحاديث السابقة تردّه، والقائلون به اختلفوا في تعيين السبعة؛ فقيل أمر، ونهي، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال‏.‏

واحتجوا بما أخرجه الحاكم، والبيهقي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كان الكتاب الأول ينزل من باب وواحد، وعلى حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب، عن سبعة أحرف‏:‏ زجر، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال)) الحديث‏.‏

وقد أجاب عنه قوم: بأنه ليس المراد بالأحرف السبعة التي تقدم ذكرها في الأحاديث الأخرى؛ لأن سياق تلك الأحاديث يأبى حملها على هذا؛ بل هي ظاهرة في أن المراد أن الكلمة تقرأ على وجهين، وثلاثة إلى سبعة؛ تيسيرًا، وتهوينًا، والشيء الواحد لا يكون حلالًا حرامًا في آية واحدة‏.‏

قال البيهقي‏:‏ المراد بالسبعة الأحرف هنا‏:‏ الأنواع التي نزل عليها، والمراد بها في تلك الأحاديث: اللغات التي يقرأ بها‏.

وقال غيره‏:‏ من أول السبعة الأحرف بهذا، فهو فاسد؛ لأنه لا يجوز أن يقرأ القرآن على أنه حلال كله، أو حرام كله، أو أمثال كله‏.‏

وقال ابن عطية‏:‏ هذا القول ضعيف؛ لأن الإجماع على أن التوسعة لم تقعْ في تحريم حلال، ولا تحليل حرام، ولا في تغيير شيء من المعاني المذكورة‏.‏

وقال الماوردي‏:‏ هذا القول خطأ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أشار إلى جواز القراءة بكل واحد من الحروف، وإبدال حرف بحرف، وقد أجمع المسلمون على تحريم إبدال آية أمثال، بآية أحكام‏.

وقال أبو علي الأهوازي، وأبو العلاء الهمذاني‏:‏ قوله في الحديث زجر، وأمر… إلخ، استئناف كلام آخر‏، أي: هو زاجر ‏‏-أي: القرآن- ولم يرد به تفسير الأحرف السبعة؛ وإنما توهم ذلك من جهة الاتفاق في العدد‏.‏

ويؤيّده أن في بعض طرقه زجرًا، وأمرًا بالنصب،‏ أي: نزل على هذه الصفة في الأبواب السبعة.

وقال أبو شامة‏:‏ يحتمل أن يكون التفسير المذكور للأبواب لا للأحرف،‏ أي: هي سبعة أبواب من أبواب الكلام وأقسامه،‏ أي: أنزله الله على هذه الأصناف، لم يقتصر منها على صنف واحد كغيره من الكتب‏.‏

القول الثاني عشر:‏ قيل: المراد بها: المطلق والمقيد، والعام والخاص، والنص والمؤول، والناسخ والمنسوخ، والمجمل والمفسر، والاستثناء وأقسامه، حكاه شيدلة عن الفقهاء‏.‏

القول الثالث عشر: قيل: المراد بها: الحذف والصلة، والتقديم والتأخير، والاستعارة والتكرار، والكناية، والحقيقة والمجاز، والمجمل والمفسر، والظاهر والغريب، حكاه عن أهل اللغة‏.‏

القول الرابع عشر:‏ قيل: المراد بها: التذكير والتأنيث، والشرط والجزاء، والتصريف والإعراب، والأقسام وجوابها، والجمع والإفراد، والتصغير والتعظيم، واختلاف الأدوات، حكاه عن النحاة‏.‏

القول الخامس عشر: قيل: المراد بها: سبعة أنواع من المعاملات‏:‏ الزهد والقناعة، مع اليقين والحزم، والخدمة مع الحياء، والكرم والفتوة، مع الفقر والمجاهدة، والمراقبة مع الخوف، والرجاء، والتضرع، والاستغفار مع الرضا والشكر، والصبر مع المحاسبة والمحبة، والشوق مع المشاهدة، حكاه عن الصوفية‏.‏

وقال المرسي‏:‏ هذه الوجوه أكثرها متداخلة، ولا أدري مستندها، ولا عمّن نقلت، ولا أدري لم خصّ كل واحد منهم هذه الأحرف السبعة بما ذكر، مع أن كلها موجودة في القرآن، فلا أدري معنى التخصص‏.‏

ومنها الأشياء لا أفهم معناها على الحقيقة، وأكثرها معارضة لحديث عمر، وهشام بن حكيم الذي في الصحيح؛ فإنهما لم يختلفا في تفسيره، ولا أحكامه؛ وإنما اختلفا في قراءة حروفه.

تنبيهان:

الأول: يظن كثير من العوام أن المراد بالأحرف السبعة، القراءات السبعة؛ وهو جهل قبيح‏.

الثاني: اختلف هل المصاحف العثمانية، مشتملة على جميع الأحرف السبعة، أو لا؟

فذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين، إلى أنها مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي صلى الله عليه وسلم على جبريل، متضمنة لها لم تترك حرفًا منها‏.‏

قال ابن الجزري‏:‏ وهذا هو الذي يظهر صوابه‏.‏

error: النص محمي !!