Top
Image Alt

الأحكام الشرعية لعمليات البورصة

  /  الأحكام الشرعية لعمليات البورصة

الأحكام الشرعية لعمليات البورصة

تخضع أعمال البورصة لاتجاهين مختلفين بين الفقهاء:

الاتجاه الأول: اتجاه للإباحة؛ إباحة أعمال البورصة.

الاتجاه الثاني: وهو للمنع والتحريم.

ومن خلال عرضنا السابق لنماذج من تلك العمليات، نرجح الاتجاه الأول وهو الإباحة؛ لكن بشرط ألا يكون في هذه العمليات استغلال، أو غرر، أو أي خروج عن ضوابط البيع المشروع بقيوده وشروطه، وعدم الوقوع في البيوع المحرمة المنصوص عليها.

ورجحنا اتجاه الإباحة، أو وقفنا مع القائلين بالإباحة بهذا القيد وهذا الشرط؛ لأن جميع العمليات تقوم على البيع والشراء، وقد قال الله تعالى في جملة عامة وبأسلوب عام: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]، ولكن ذلك مقيد بالضابط الذي ذكرناه من قبل، وهو عدم الاستغلال، والغرر، والنجش، والبيع المحرم، والمخادعة، والكذب.

وحتى نوضح أقوال القائلين بالإباحة، نعرض أقوال العلماء ومجمع الفقه الإسلامي في ذلك كما عرضها بعض الباحثين، وهو الدكتور صالح الغزالي في بحثه عن أعمال البورصة، حيث قال فضيلته:

هذا ملخص الآراء المعاصرة في مسألة أعمال البورصة:

فيها سبعة أقوال:

القول الأول: أن عمليات الصرف العاجلة لا تتم بالتسليم في مجلس العقد، وإنما يقع التسليم فيها خلال يومي عمل لاحقين ليوم العقد، وفي هذا يقول الدكتور أحمد محيي الدين: ويمكن التغاضي عن هذه المدة تطبيقًا لقاعدة: “المشقة تجلب التيسير”، ثم استشهد بقول الله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] وقوله تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].

ثم يقول الدكتور أحمد محيي الدين: وجه المشقة الذي يصعب تحاشيه هو عدم إمكانية إجراء عملية الصرف، من دون الالتزام بهذه الإجراءات التي أصبحت أعرافًا دولية ونظمًا عالمية.

إذًا: الدكتور أحمد محيي الدين يجيز العملية، عمليات الصرف العاجلة رغم ما فيها من تأخر يوم أو يومين؛ من منطلق القاعدة الفقهية: “المشقة تجلب التيسير”، وهي منبثقة من قوله تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، مع قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].

القول الثاني: اغتفار مدة التأخير في عمليات الصرف العاجل؛ لكونها يسيرة، وذهب إلى هذا القول الدكتور أحمد محيي الدين في بحثه: “المضاربة في العملة”.

القول الثالث: أن الصرف العاجل جائز، ويخرج على التقابض الشرعي والمصارفة المباحة، ووجهه: أن الصرف العاجل في أسواق البورصة للعملات، يترتب عليه أن يدخل المبلغ في حساب المشتري فورًا، وذهب إلى هذا القول الدكتور علي محيي الدين القرة داغي، أستاذ الشريعة في كلية الشريعة بجامعة قطر.

القول الرابع: أن الصرف العاجل جائز، ويخرج على التقابض الحاضر حقيقةً، ووجهه: اعتبار أن القيد المصرفي مباح؛ يقوم مقام القبض، وقد أجازته المجامع الفقهية؛ جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره السادس المنعقدة في جدة سنة 1410هـ ما يلي: “ويغتفر تأخير القيد المصرفي بالصورة التي يتمكن المستفيد بها من التسلم الفعلي للمدد المتعارف عليها في أسواق التعامل، على أنه لا يجوز للمستفيد أن يتصرف في العملة خلال المدة المغتفرة إلا بعد أن يحصل أثر القيد المصرفي بإمكان التسليم الفعلي، وعلى التحقيق يكون هذا القيد مشابهًا للقبض من وجه ويخالفه من وجه آخر”.

القول الخامس: أن التسجيل في قيد عميل الصرف العاجل يقوم مقام القبض، فيخرج التعامل العاجل على المعاملات المصرفية الشرعية، التي يحصل بها القبض حقيقةً.

ووجه الشبه بينهما: أن المعاملة في الصرف العاجل لا رجعة فيها، وهذا هو مقصود القبض الشرعي، فيلحق به في الحكم.

يقول الشيخ مختار السلامي: إن المناجزة عندما تتم بطريقة لا رجوع فيها لأحد الطرفين، ولا يمكن لأحد الطرفين أن ينكر الآخر، هو مناجزة، ولا يخرج عن المناجزة، يعني: الإنجاز، وإن تأخر حتى يومين، كما يقول بعض الخبراء.

القول السادس: إباحة المضاربة في العملات بطريقة التعامل الحاضر، أي: شركات الصرافة، وإلحاق المعاملة بالمصارفة المشروعة، من باب الضرورة، ووجه الضرورة قد تكون من جهة الأفراد، أو من جهة المؤسسات أو الدول.

إذًا: نحن أمام ستة أقوال تمثل الاتجاه الأول، وهو القول بالإباحة، مع اغتفار بعض المخالفات من باب التيسير ودفع المشقة.

أما القول السابع والأخير، والذي يمثل الاتجاه الثاني وهو المنع والتحريم، فيقول: إن التعامل الحاضر في عمليات مضاربة العملات في البورصة، أو نحوها محرم، وتلحق هذه المعاملات بالمعاملات الربوية؛ لعدم تحقق التقابض، سواء في هذه المعاملة أو غيرها.

وقد اعتُرض على هذا القول بالآتي:

1- وجود الضرورة في تبادل العملات في الأسواق العالمية، وإن لم يكن قد تحققت الضرورة في الكل، فهي متحققة في البعض ولا بد.

2- أن القبض يختلف باختلاف العُرْف والعصر، فأصبح التقابض الآن على نحوٍ غير ما كان عليه في الماضي.

3- أن القيد المصرفي يقوم مقام القبض، وقد أفتت به المجامع الفقهية.

4- إن لم يكن القبض أو معناه متحققًا في بعض صور المعاملات، فلا ينتفي تحققه في غيره.

ومن هذا يتبين أن الاتجاه الأول القائل بجواز معاملات البورصة وإباحتها؛ بشرط أن تكون خالية من الغش، والاستغلال، والكذب، والخديعة، والغرر -هو القول الراجح؛ لما قدمنا من أسباب ومناقشات.

error: النص محمي !!