Top
Image Alt

الأحوال السياسية قبل الإسلام، وأبرز المعالم الداخلية والخارجية للسياسة في الدولة الإسلامية وخصائصها

  /  الأحوال السياسية قبل الإسلام، وأبرز المعالم الداخلية والخارجية للسياسة في الدولة الإسلامية وخصائصها

الأحوال السياسية قبل الإسلام، وأبرز المعالم الداخلية والخارجية للسياسة في الدولة الإسلامية وخصائصها

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ الأنبياءِ والمرسلينَ، وعلى آلِهِ، وأصحابِهِ، ومنِ اهتدَى بهديهِم إلى يَوْمِ الدينِ. أما بعد:

فيُمثل مقرر أصولِ الدعوةِ مُقررًا مُهمًّا للمسلمين؛ لأنَّه يُعطيهمْ فِكرةً واضحةً عن كثيرٍِ من المباحثِ الإسلاميةِ التي يحتاجُ إليها المسلمُ؛ لتُوجِّههم إلى أن يسلكوا طريقَ الأنبياء والمرسلين في الدعوةِ إلى اللهِ ربِّ العالمين.

ويندرج الدرس الأول من هذا المقرر تحت عُنوانٍ كبيرٍ، ألا وهو: “الدعوةُ وصلتُها بالحياةِ، وأثر الإسلام في الاجتماع”، ويشمل هذا العنوان عدة موضوعات، وهي:

أولًا: الأَحْوَالُ السياسيةُ قَبْلَ الإسْلامِ:

أ. تعريفُ السياسةِ لغةً واصطلاحًا:

السياسةُ لغةً: جاء في (المصباح المنير): ساسَ زيدٌ الأمرَ يسوسه، أي: دبَّره وقامَ بأمره، وجاء في (لسان العرب): السُّوسُ: الزيادةُ، يقول: ساسُوهم سَوْسًا، والسياسة: القيامُ على الشيء بما يُصْلِحُهُ.

السياسة اصطلاحًا: قبلَ أنْ نُعََرِّفَ السياسة اصطلاحًا، نودُّ أنْ نشيرَ إلى أنَّ استتبابَ أيِّ أمرٍ من أمورِ أيِّ مجتمعٍ بشريٍّ لا بد فيه من عدلٍ قائمٍ، وقد أشار إلى ذلك ابنُ خلدونَ -رحمه الله تبارك وتعالى- في مواضِعَ من مقدمته، ومما ذكرَ -رحمه الله- من قولٍ في هذا:

“إنَّ الاجتماعَ الإنسانيَّ ضَروريٌّ، ويعبر الحكماءُ عن هذا بقولهم: الإنسانُ مَدنيٌّ بالطبع، أي: لا بد له من الاجتماعِ الذي هو المَدنيةُ في اصطلاحهم، وهو معنى العُمرانِ… إلى أن قالَ: ثم إنَّ هذا الاجتماعَ إذا حصلَ للبشر وتم عُمران العالَم بهم، فلا بد من وازعٍ يدفع بعضَهم عن بعضٍ”.

وهذا ما نودُّ أن نشيرَ إليه؛ حيث إنه لا بد للمجتمعِ البشريِّ من عدلٍ قائمٍ يسودُهم وينطلقون من خلالِهِ، وهذا ولا شكَّ يكون بسلوك الصراط المستقيم، صراط الله الذي له ما في السمواتِ وما في الأرضِ، وقد جاءتْ الشرائعُ الإسلاميةُ ببيانِ هذه الأمور، وتوضيحِها، ودعوةِ الناس إليها.

وبناءً على ذلك، نذكرُ بعضَ التعريفاتِ لكلمة السياسةِ في الاصطلاح، فقد قيل فيها: إنها تدبيرُ شُئونِ الدولةِ الإسلاميةِ التي لم يرِدْ بحكمها نَصٌّ صريح، أو التي من شأنها أن تتغير وتتبدل بما فيه مصلحة الأمة، ويتفق مع أحكام الشريعة وأصولها العامة.

وَعَرَّفها بعضُهم بأنها: هي تحقيق الحاكم الذي يسوس أمر الأمة للمصلحة التي تعود على الأفراد والجماعات، وذلك بتطبيق أحكام استُنبطت بواسطة أُسس سليمة، أقرَّتها الشرعية؛ مثل: المصالح المرسلة، سد الذرائع، الاستحسان، العرف، الاستصحاب، الإباحة الأصلية، وكل ذلك فيما لم يرد فيه نصٌّ.

ب. الحياةُ السياسيةُ خارج الجزيرة العربية قبل الإسلام:

ونعرض في ذلك بعضًا من نماذج السياسة خارج الجزيرة العربية منها:

سياسة الهند قديمًا: كانت السياسة في الهند تقوم على اعتبار القوة الإلهية مصدرًا لكل القواعدِ والأنظمةِ الاجتماعيةِ والسياسيةِ، وكانت ترتكز على قوانين: “مانو” و”برهما” وتقسِّمُ المجتمعَ إلى طبقاتٍ، وعلى هذا التقسيم يتفاوتُ الأفرادُ في الحقوق والحريات السياسية والمدنية.

سياسة الصين قديمًا: كانت سياستها تقوم على أساس أنَّ الإمبراطور يستمد سلطته من السماء، فهو يحكم وفقًا للحق الإلهي الذي يُخَوِّله سلطةً مطلقةً، فالملكُ في نظرهم: ابنُ السماء، ولكن ظهرت فيما بعد نظرياتٌ واتجاهاتٌ سياسيةٌ حقيقيةٌ على يد الفيلسوف الصيني الشهير: ” كونفوشيوس” و “منشيوس”، وكان لها الأثر الكبير في توجهات الحياة السياسية في الصين قديمًا.

سياسة الرومان قديمًا: ويتمثل النموذج السياسي الروماني في أنَّ الفكر المثالي المجرد قد طغى على حساب الحركة عندهم، ففشل في إيجاد دولة تُعَبِّر عن حقيقة العصر وآمال الشعب، فقد كان طُغيان الحركة مسيطرًا على الممارسة السياسية. والحركة عندهم تعني: القوة، ونشر النفوذ، والسيطرة على المجتمعات الأخرى، وحتى حين تنصَّرت الدولةُ الرومانيةُ على يد الإمبراطور “قسطنطين”، فإنَّ التشريعاتِ والمؤسساتِ لم تتغير هناك، وبقي الأمرُ على ما هو عليه.

جـ. السياسة عند العرب قبل الإسلام:

لقد وُجد في بعض ممالِكِ العرب قبل الإسلام -وخاصة في جنوب الجزيرة العربية- بعضُ القواعد، أو القوانينُ، أو الأنظمة السياسية في بعض المناطق، ولكن لم يكن للعرب في بلاد الحجاز نوعٌ من الحكومات المعروفة الآن، ولم يكن لهم قضاءٌ يحتكمون إليه، أو جهازُ أمنٍ يُقرُّ النظامَ ويحافظُ عليه، ولا جيشٌ يدرأ عنهم الأخطارَ الخارجيةَ، ولم تكن ثَمَّة سلطة تضرب على أيدي المعتدين، وتُوقِعُ العقاب على المجرمين، وإنما كان الرجلُ المعتدَى عليه يثأر لنفسه بنفسه، وعلى قبيلته بعد ذلك أن تشدَّ أزرَه.

وقد وُجد في مكةَ نوعٌ من الوظائفِ التي لم تكن موجودةً في بلد من البلاد العربية؛ وذلك لمركزها الديني بين البُلدان، ووفود الحُجاج إليها من كل مكان، وقد كانت هذه الوظائفُ متمثلةً -مثلًا- في الحجابة والسقاية والرفادة، وقد اعتبر العرب هذا نوعًا من أنواع السلطات السياسية، ولكنَّ الأقربَ أنها وظائفُ شرفيةٌ، تَطلبتها طبيعةُ البلاد، وظروفُ الحجاج، وليست نوعًا من أنواع السلطة السياسية.

ومما يؤكد الفراغَ السياسي الذي كانت تعيشه بلادُ الحجاز، ما حصل عندما جاء أبرهةُ الأشرمُ لهدم الكعبة، فخرج له عبدُ المطلب وسأله أن يردَّ عليه إبلَه، ولم يناقشْهُ في مصير مكةَ وأهلِها، وكذلك عندما اختلفت قريش في قضية بناء الكعبة، وأي فخذ منها يجب أن يعهد إليه بوضع الحجر الأسود في مكانه، وكادوا يقتتلون، فاتفقوا على أن يعهدوا بذلك إلى محمد بن عبد الله الهاشمي صلى الله عليه وسلم، ولو كان هناك أي سلطة سياسية في البلاد لكانت هي المرجعُ في مثل هذه المشكلة.

وقد عَرف العرب مع هذا نوعًا من الممارسات شبه السياسية، مثل: الأحلاف، والجوار؛ وأحلاف الجاهلية منها ما هو على الخير؛ كحلف الفضول، الذي تعاقدت فيه بُطونٌ من قريش في دار عبد الله بن جدعان، على ألا يجدوا في مكة مظلومًا إلا قاموا معه؛ حتى تُردَّ عليه مظلمتُه، ومنها ما هو على الشر؛ كتحالف بطون قريش على حصار النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه.

وكان عندهم أيضًا الجوار: وهو الحمايةُ والمَنعةُ للمستجير، ولم يكن الجوارُ في الجاهلية مقصورًا على الحمايةِ من الظلمِ؛ بل تعدَّى بهم الأمرُ إلى إجارةِ الظالمين، وهو ما حرَّمه الإسلامُ، وتوعَّد فاعِلَه بالعذابِ. ولقد كانت قبائلُ العربِ قبل الإسلام متفرقةً متناحرةً، كما أخبر المولى  سبحانه وتعالى عنهم؛ ممتنًّا على رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً مّآ أَلّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـَكِنّ اللّهَ أَلّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال:63].

ونحن نعلم ما كان عليه الحالُ بين الأوسِ والخزرجِ في المدينة، ولم تكن بقية قبائلِ العرب بعيدةً عن هذا الواقِعِ، فقد كانت قلوبُهم شتَّى، تثور الحروبُ بينهم لِأتْفَهِ الأسبابِ.

ثانيًا: أَبْرَزُ المَعالِمِ السياسيةِ الداخليَّةِ والخارجيةِ للدَّولةِ الإسلامِيةِ:

بعد أن أشرنا إلى الأحوال السياسية قبل الإسلام عند غير المسلمين قبل البعثة، وعند عربِ الجاهليةِ قبلَ الإسلامِ، يحسنُ بنا هنا أن نوردَ بعضَ ما تضمَّنَه وما جاء به الإسلامُ من سياسةٍ فريدةٍ أسعدتْ الأفرادَ والمجتمعاتِ ونبدأ بـ:

أ. أبرز التشريعات السياسية للدولة الإسلامية:

بدأت الدولةُ الإسلاميةُ تتخذ طابعَها وتتشكل تشريعاتُها السياسية في شُئونها الداخلية وعلاقاتها الخارجية، وكان صاحبُ السلطةِ فيها هو رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وصحابتُه رضي الله عنهم هم أعوانُه ووزَراؤُه؛ شئونهم الداخلية والخارجية تحكمها الشريعةُ الإسلاميةُ، ولم يكن من الصحابة  إلا الرضا والتسليم، وقد وصفهم ربُّهم سبحانه وتعالى بقوله: {إِنّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوَاْ إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور:51].

وصحابةُ النبي صلى الله عليه وسلم هم ساداتُ المؤمنين، وجاء الشرعُ بما ينظم شئونَ الإنسانِ في كل المجالات، ومن ذلك ما يتعلق بالسياسة في كل مجالاتها الداخلية والخارجية، يحددُ العلاقةَ بين الراعي والرعية، وبين أفرادِ الرعية مع بعضهم، يحدد لكلٍّ مسئولياته، ويعرِّفه بواجباته، فجاءت النصوصُ الشرعيةُ من الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة ببيان هذه السياسة، ومنها على سبيل المثال:

قولُ الله- تبارك وتعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَىَ بَيْنَهُمْ} [الشورى:38]، وهذا فيه بيانٌ لطبيعة السلطة في الإسلام..

وقوله تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الّذِينَ يَلُونَكُمْ مّنَ الْكُفّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ مَعَ الْمُتّقِينَ} [التوبة: 123]، وفي هذا بيان لنوعٍ من العلاقة الخارجية.

وقال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَأُولِي الألْبَابِ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ} [البقرة:179]، وفي هذا حِفظٌ للحدود، وإقامةٌ لها؛ كي تُحفظ النفسُ، ويُحفظ المالُ، وكلُّ ذلك في إطار تحقيق الأمن الداخلي للمجتمع.

هذه أبرز التشريعاتِ السياسيةِ للدولةِ الإسلاميةِ؛ ونعني بها: التشريعاتِ عمومًا.

ب. ملامحُ السياسة الداخلية للدولة الإسلامية:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمدُّ سياستَه الداخلية لهذه الدولة الإسلامية من وحي الله سبحانه وتعالى، ونشير هنا إلى بعضٍ من جوانبِ السياسية الداخلية لهذه الدولة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتنظيمها، والتي كان يقوم بها النبي صلى الله عليه وسلم لتعرف الأمة شيئًا عن السياسةِ الداخليةِ للدولةِ الإسلاميةِ في عهدِها الأولِّ، وما يجب أن تكون عليه الحكوماتُ بعد ذلك، ومن ملامحِ هذه السياسة:

مهمة البلاغ التي كان يقوم بها النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث كان يتلقى الوحيَ ويبلغه للناس، وكان يدعو الناسَ للإسلام مع الحرص على التأليف بينهم، وكان يحذِّرُهم صلى الله عليه وسلم من الشرك، وكان يتولَّى الفصلَ في المنازعاتِ، وتعيينِ الوُلاةِ، وجمعِ أموال الزكاة ونحوِها، وإنفاقها في مصارفها.

وكان صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابَه فيما يستجدُّ له من الأمور، فقد ثبتتْ مُشاورتُه لهم في أمورٍ كثيرةٍ، والمشاورة لم تكن مقصورة على أمور الحرب، أو الجانب العسكري فحسب؛ بل كانت تتعدى إلى ما وراء ذلك.

وكان صلى الله عليه وسلم يستخلفُ على المدينة حين غيابِه، أو يأمر على البعوث والسرايا ونحوها إذا لم يخرج هو صلى الله عليه وسلم، كما كان يحرص على توزيع مَهام الدولة توزيعًا دقيقًا، فكان هناك صاحبُ السر، وكان هناك الكتابُ -أي: كتابَ الوحي- وكُتَّاب الرسائل، وكُتَّاب العُهود والصلح والمواثيق، وكان هناك صاحبُ الخَتْم، وغير ذلك.

والنبيُّ صلى الله عليه وسلم جعل مسئوليةَ حمايةَ البلدِ على كل قادر من أفراد الرعية، فلم يكن هناك جيشٌ محددٌ؛ بل كان صلى الله عليه وسلم ينادي الناسَ بالجهاد، ثم يختار منهم مَن يصلح لذلك، مع اعتنائه صلى الله عليه وسلم الكامل باختيار من يراه الأصلح؛ لخوض غِمار هذه الحروب، والمَهام العسكريةِ.

هذه كانت أبرزُ الملامحِ السياسية الداخلية للدولة الإسلامية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

جـ. العلاقاتُ الخارجيةُ للدولة الإسلامية:

تتمثل العلاقةُ الخارجيةُ للدولة الإسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم مع غيرِها بمظاهرَ، منها:

1. الدعوةُ والجهادُ: كانت العلاقاتُ الخارجيةُ للدولة الإسلامية مع غيرها من الدول مبنيةً على أساس الدعوةِ إلى الله سبحانه وتعالى، ولم يكن من سياسةِ الدولة الإسلامية اللجوءُ إلى الحرب إلا بعد عِدة مراحلَ، وكان من السياسة القتالية الإسلامية تحقيقُ الهدف بأدنى حد من الخسائر حتى في صُفوفِ العدوِّ، وذلك بالنهي عن قتل الشيوخ، والنساء، والأطفال، وعدم قطع الأشجار.

ويدل على ذلك أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أَمَّر أميرًا على جيش أو سَرية أوصاهُ في خاصتِه بتقوى الله، ومَن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: ((اغزوا بِسم الله في سَبيلِ اللهِ، قاتلوا مَن كَفَرَ باللهِ، اغْزوا ولا تَغُلُّوا، ولا تَغْدِروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وَلِيدًا))، وهذا في الحقيقة مظهرٌ جميلٌ من مظاهر الإسلام، وحرصِه على عدم سَفْكِ الدماء.

وكان القتالُ في الإسلام -كما هو معلوم- له أهدافٌ يحققها، وكانت من ورائه متطلباتٌ تدعو إليه، وقد كان آخر الوسائل التي يلجأ إليها الإسلام لتحقيق أهدافه، وإذا وقَعَ القتال، كان النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث، يحذرُ من الغدر والخيانة، أو التمثيل بالأعداء، أو قتل الأطفال أو النساء أو الشيوخ، وهذا في الحقيقة من عَظَمة دينِ الله -تبارك وتعالى، ونحن نردُّ به على مَن يتهمون الإسلامَ بالإرهابِ، أو العنفِ، أو ما إلى ذلك.

أيضًا من مظاهر العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية:

2. إرسالُ الرسلِ والرسائل:

كان النبيُّ  صلى الله عليه وسلم يبعثُ مع بعضِ صحابتِهِ مِن الرسائل الدعوية إلى المُلوك وغيرهم، ومنها -مثلًا-: كتابه صلى الله عليه وسلم إلى هِرقل عظيمِ الروم، الذي أرسل به دِحيةَ بن خليفةَ الكلبيَّ رضي الله عنه، وكتابه أيضًا إلى كسرى عظيمِ فارس، الذي أرسل به عبدَ اللهِ بنَ حُذافةَ السُّهميَّ، وكتابه إلى النجاشي ملك الحبشة، الذي أرسل به عمرو بن أميةَ الضمريَّ، وكتابه إلى المقوقس ملك مصر والإسكندرية، الذي أرسل به حَاطِبَ بنَ أبي بلتعةَ، إلى غير ذلك من الكُتُب التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك، وغيرهم، وكان الهدفُ منها دعوتهم إلى الله -تبارك وتعالى-، وهذا أيضًا في الحقيقة بيانٌ لوظيفة النبي صلى الله عليه وسلم في البلاغ، وأنه كان يتحرَّى بدعوته الناس جميعًا.

3. العهود والمواثيق:

فالعهودُ والمواثيقُ نوعٌ من العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية مع غيرها، فقد كانت تُعقد عهودٌ ومواثيقٌ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وما زال المسلمون إلى يومنا هذا يحتاجون إلى إجراء هذه العهود، وتِلْكُمُ المواثيقِ مع الدول الأخرى، والبلاد المختلفة.

وقد أجرى النبيُّ صلى الله عليه وسلم صلحًا مع كفارِ قريشٍ، وقد سمَّى الحق -تبارك وتعالى- هذا الصلحَ فتحًا، كما في قول الله تعالى: {إِنّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مّبِيناً} [الفتح: 1]، رغم أنَّ الناظرَ في بنود هذا الصلح قد يجدُ أنَّ فيه إجحافًا بالإسلام والمسلمين، ولم يَرْضَهُ في أول الأمر بعضُ الصحابة، ولكنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم الذي كان يتبع الوحي، وكان مؤيدًا بتأييد الله -تبارك وتعالى- له، أجرى هذا الصلحَ وهو يعلم أن لهذا الصلحِ ثمارًا جليلةً عظيمةً، فقد كان صلحُ الحديبية بمثابةِ النصر للدولةِ الإسلاميةِ، وانتشارِ الإسلام بشكلٍ أوسعَ في الجزيرة العربية وما حولها.

ومن أبرز نتائجه:

– كان هذا الصلحَ مقدمةً للفتح الأعظم الذي أعز اللهُ به رسولَه صلى الله عليه وسلم وجندَه.

– اعترافُ قريشٍ بمكانة المسلمين كفريق قوي، تُبرَمُ معه المعاهداتُ.

– تفرَّغ الرسولُ صلى الله عليه وسلم لمخاطبة قادةِ بعضِ الدول؛  كقيصر، وكسرى، والنجاشي، وأمراء الأعراب، ودعوة هؤلاء جميعًا إلى الإسلام.

– تفرغ الرسول صلى الله عليه وسلم لمحاربة اليهودِ؛ حيث خرج صلى الله عليه وسلم بعد نحوٍ من شهرينِ إلى غَزوةِ خَيبر.

وبهذا تتضحُ لنا أبرزُ المعالمِ للسياسةِ الخارجيةِ للدولةِ الإسلاميةِ.

ثالثًا: خَصَائِصُ النِّظامِ السياسيِّ في الإسْلامِ:

يُبيِّنُ لنا النظامُ السياسي في الإسلام مكانةَ الدين الإسلامي، وكيف أن الإسلامَ سارَ بالمسلمين وسلكَ بهم مَسلكًا حسنًا، وأن نظامَه السياسي كغيرِه من الأنظمة هو أحدُ مفرداتِ منظومةِ دينِ الإسلامِ، كالتربية الإسلامية مثلًا، وما إلى ذلك.

تلك الخصائصُ الخالدةُ التي جاء بها الإسلامُ تُبرِزُ دورَه في أنه دينٌ إلهيٌّ، جاء لِيُقَوِّمَ حياةَ الأفراد والمجتمعاتِ، وأُولَى هذه الخصائصِ:

أ. الربانيةُ:

وهذه الربانيةُ تتمثل في رَبانيةِ المصدر وربانية الوِجهةِ؛ أما ربانيةُ المصدِر: فلها ثمارٌ عديدةٌ، ومعنى ربانية: أي أن هذا النظام جاء من عند الرب الخالق -جل في علاه، والالتزامُ بما جاء من عند الله سبحانه له ثمارٌ عديدة، منها:

العِصمةُ من التناقض، والبراءةُ من التحيز، والميل لمصلحة طائفة من البشر، أو بلد دون آخر، وكذلك الاحترام وسهولة الانقيادِ، والتحرُّرُ من عُبُودية الإنسانِ للإنسان من ذلٍّ وخضوعٍ وانقياد، وقد انحرفت الأنظمةُ السياسيةُ الوضعيةٌ بتذليل الأَتْبَاع للمتبوعين، وانحرفت في جانب آخر من جوانب العبودية وهو أنَّ السادةَ قد يُحرِّمون على أَتْبَاعهم مَا يَشَاءُونَ، وَيُحِلِّلُون لهم ما يشاءون.

أما في الإسلامِ، فالمُشَرِّعُ هو الله -تبارك وتعالى-، فلا ربَّ سواه، ولا عبوديةَ لأحدٍ إلا لَهُ هو. وهذا معنى رَبانيةِ المصدر.

أما ربانيةُ الوِجهة: فمعناها: أن يبتغي الإنسانُ بعمله ربَّ العزةِ والجلال  سبحانه وتعالى، فالإنسانُ المسلمُ هو الذي تكون أعمالُه كلُّها لله  سبحانه وتعالى، كما قال -جل ذكره-: {قُلْ إِنّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162، 163]، هكذا يُعلن الإنسانُ المؤمنُ تَوجُّهَهُ لله سبحانه وتعالى في جميعِ أمورهِ، ومن جملتها: منهجه السياسي الذي يسير عليه.

ونلاحظ أن الأمرَ في هذه الآية مُوجَّهٌ للنبي صلى الله عليه وسلم أولًا:{قُلْ إِنّ صَلاَتِي وَنُسُكِي}، وإذا كان إمام الدولة وخاتَم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم الذي يتلقى الوحيَ من ربه، هو أولُ العابدين والخاضعين والمستجيبينَ لله، فلا شكَّ أنه من بابِ أولى أن يفعل ذلك غيرَه، فالعملُ بالنظام السياسي الإسلامي أمرٌ يُتعبَّدُ اللهُ -تبارك وتعالى- به.

فالسياسيُّ المسلمُ هو الذي يَسيرُ على شَرْعِ الله، مُخلصًا في ذلك نيتَه لله -تبارك وتعالى-، ولا شكَّ أنه مأجورٌ عند الله سبحانه وتعالى على عملهِ، ويدل على ذلك حديثُ النبي صلى الله عليه وسلمالذي يقول فيه: ((سَبْعةٌ يُظلهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه…)) وذكر منهم: ((الإمام العادل)).

وفي المقابل، فإن مَن أعرَضَ عن السياسةِ الإسلاميةِ وعَمِلَ بخلافِها، فإنَّه ولا شك مُعرَّض للعقوبة من الله سبحانه وتعالى، ويدل على ذلك قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما مِن عبدٍ اسْتَرْعَاهُ اللهُ رَعَيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا بِنُصْحِهِ، إلَّا لَمْ يَجِدْ رائحةَ الجنةِ)).

ب. الشمولُ: وهو الخاصيةُ الثانيةُ من خصائص النظام السياسي في الإسلام:

فالنظامُ السياسيُّ في الإسلام كما أنه نِظامٌ رَبانيٌّ فهو أيضًا نظامٌ شاملٌ يشملُ الدنيا والآخِرةَ، يشمل جميعَ الأفرادِ والمجتمعاتِ، ويلبي حاجاتِ المجتمعاتِ في أي عصر، وفي أي مصر؛ لأن مصدره الله -تبارك وتعالى-، وهو القائل في كتابه: {مّا فَرّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 38].

فالنظامُ السياسيُّ في الإسلام لم يأتِ مقصورٌ على ما يَهم الحاكم، أو على ما يهم المحكوم؛ بل جاء شاملًا لكل ما يحتاجُه النظامُ من بيانٍ لواجبات الأمير وحقوقِه، وواجبات المأمور وحقوقه، وجاء أيضًا بما يُنظم علاقةَ الدولةِ الإسلاميةِ بغيرِها من الأمم والشعوب، من المسلمين وغير المسلمين، ويدل على هذا الشمول قولُ الحق -تبارك وتعالى-: {وَنَزّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لّكُلّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىَ لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]. وقد قال ابن الجوزي -رحمه الله- في تفسير هذه الآية:

لكل شيء من أمور الدِّينِ إما بالنصِّ عليه، أو بالإحالةِ إلى ما يُوجِبُ العلم؛ مثل: بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إجماعُ المسلمين؛ وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: “لقد تَرَكَنَا محمدٌ صلى الله عليه وسلم وما يُحرِّكُ طائِرٌ جَناحَيْهِ في السماء إلا ذَكَرَ لنا منه عِلْمًا”.

وهذا في الحقيقة واضحٌ من خلال التشريعاتِ الربَّانية التي جاءت من عند الله؛ لأنه من المعلومِ أن اللهَ عز وجل أكملَ لنبيه الدين، وأتم بذلك علينا نعمتَه، ورضي لنا الإسلامَ دينًا، ولم يقبضْ ربُّ العزة والجلال نبيَّه صلى الله عليه وسلم إليه إلا بعد أن بَلَّغَ البلاغَ المبينَ، واللهُ عز وجل أنْزَلَ عليه في عَرفاتٍ في حَجَّة الوداع قولَه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً} [المائدة: 3].

وهذا يدلُّ بوضوحٍ على أن الإسلامَ لم يدعْ شيئًا يحتاج إليه الفردُ أو الجماعةُ إلا وأتى به، ومن ذلك ما يتعلق بالنظام السياسي.

جـ. العالميةُ: وهي الخاصيةُ الثالثةُ من خصائص النظام السياسي في الإسلام:

النظامُ السياسيُّ في الإسلام له صفةُ العالميةِ؛ لأنه منزلٌ لجميع الناس على حدٍّ سواء، وصالحٌ لهم جميعًا بِحَسَبِ طبيعتهمِ الإنسانيةِ، بغض النظر عن الجنسِ أو اللونِ أو اللغةِ، وبصرف النظر عن المكان والزمان، فالدينُ الإسلاميُّ وما جاء به من النُّظُمِ له هذه الخاصيةُ في الزمان والمكان، فعالميةُ الزمانِ تعني: أنها صالحةٌ إلى قيام الساعة، وعالمية المكان تعني: أنها صالحةٌ على أي جزء من أجزاء المعمورة، فهي صالحةٌ للناس جميعهم على اختلافِ أجناسهِمْ ولغاتِهِمْ.

ولقد جاءتْ الآياتُ والأحاديثُ ببيان هذه الصفةِ، ومن ذلك: قولُ الحق -تبارك وتعالى- في كتابه: {قُلْ يَأَيّهَا النّاسُ إِنّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} [الأعراف: 158]، وقال عز وجل عن النبي صلى الله عليه وسلم وخاطَبَهُ بذلك: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].

فَبِعثَةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بِعثةٌ عامَّةٌ، شاملةٌ ليست بمحدودةٍ، ولَا لَقَوْمٍ دونَ قوم؛ ولذلك نجد أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يذكر في حديثهِ أنه فُضِّلَ على الأنبياءِ بفضائلَ؛ كقوله: ((فُضلتُ عَلَى الأنبياءِ بِخَمْسٍ…)) وفي رواية: ((بِست…)) وذكر منها صلى الله عليه وسلم قوله: ((وكان النبيُّ يُبعثُ إلى قومه خَاصةً، وبُعِثْتُ إلى الناس عَامةً)).

ولهذا أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن هذا الدينَ سيبلغُ الآفاقَ، وذلك في قوله: ((هَذَا الدين مَا بَلغَ الليْلُ وَالنَّهَارُ))، ويعني بهذا: ((الأمر)): الدين، والوحي، والتشريع الذي بُعثَ به صلى الله عليه وسلم وذكر أنَّ اللهَ عز وجل: ((وَلا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ إِلا أَدْخَلهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزّاً يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإِسْلامَ وَذُلاً يُذِلُّ اللهُ بِهِ الكُفْرَ وَأَهْله)).

ولأنَّ الإسلامَ هو آخرُ الأديانِ ولا دين بعده، فلا بد أن يكون صالحًا لكل زمانٍ ومكانٍ إلى قيام الساعةِ، كما أنَّ بقاءَ المصدرِ الأصليِّ لهذا الدين سليمًا لم يُحرَّفْ  دليلٌ قاطِعٌ أيضًا على عالَميةِ هذا الدينِ وأنظمتِه باختلاف أنواعِها.

ويدل على هذه العالميةِ قولُ الحق -تبارك وتعالى-: {وَنَزّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لّكُلّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىَ لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]، كما يدل على بقاء هذا المصدرِ دونَ تحريفٍ أو تبديلٍ أو تغييرٍ ليلبيَ احتياجاتِ البشر على مدى الأزمانِ والعُصُورِ قولُ الحق -تبارك وتعالى- في القرآن الكريم: {إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].

د. الوسطيةُ: وهي الخاصيةُ الرابعةُ من خصائص النظام السياسي في الإسلام:

جاء الإسلامُ وَسَطًا في عقيدتِه، ووسطًا في شريعتِه، وذلك بين الغُلُوِّ والتقصيرِ، وكذلك أيضًا وسطًا في أنظمتِه، ومن جملتها: النظامُ السياسيُّ في الإسلام، فلا هو نِظامٌ دِيكْتَاتُوريٌّ مُفْرِطٌ، ولا نظامٌ دِيمُقراطيٌّ مُفَرِّطْ، وهو بهذا خيرُ نظامٍ عَرَفَتْهُ البشريةُ.

وسمةُ الوسطيةِ من السماتِ الجليلةِ العظيمةِ لدين الإسلام، وقد وَصَفَ اللهُ سبحانه وتعالى أُمَّةَ الإسلامِ بالوسطيةِ في كتابه، فقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [البقرة: 143].

والوسطُ هو العدلُ الخِيارُ؛ ولهذا كانتْ هذه الأمةُ وكان هذا الدينُ متميزًا بهذه المَيزةِ الجليلةِ، فارتفعَ الدين على جميعِ الأديانِ، وهيمنَ عليها.

هـ. موافقةُ الفِطرةِ:  وهي الخاصيةُ الخامسةُ والأخيرةُ من خصائص النظام السياسي في الإسلام؛ حيث يتفق الدينُ الإسلامي مع الفطرةِ البشريةِ، ويوافقُ قدراتِ الإنسانِ وإمكانياتِه وحاجاتِه، ولذلك يمكن أن نقولَ بأنَّ الدينَ جاء موافقًا للفِطرة الإنسانيةِ، واللهُ عز وجل قد فَطَرَ عبادَه على الإسلام، فَإِذَنْ الإسلامُ -بِناءً على ذلك- يتفقُ ويوافقُ الفطرةَ؛ قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللّهِ الّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ} [الروم: 30].

ويقولُ الرسولُ صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة: ((كُلُّ مَولُودٍ يُولَدُ على الفِطرَةِ…))، والتغييرُ يأتي على الإنسانِ بعدَ ذلك نتيجةَ المجتمع الذي يعيشُ فيه؛ ولذلك قال: ((فأبَواهُ يُهوِّدَانِهِ، أو يُنصرانِهِ، أو يُمجِّسانِهِ)).

وموافقةُ الفطرةِ في المجالِ السياسيِّ الإسلاميِّ تظهَرُ في أُمورٍ متعددةٍ، أهمها الإتيان بالأنظمة والتشريعات السياسية الممكنةِ التطبيقِ في واقعِ البشرِ، كذلك الحاكمِ في الإسلام يُعَامل على أنه بَشرٌ، له حقوقُهُ، وعليه واجِباتُهُ، ويُنظرُ أيضًا إلى المحكوم على أنَّه بشرٌ، له حقوقٌ، وعليه واجباتٌ، وهذا مِن سَمَاحةِ وعَدْلِ الإسلامِ.

و. نِظامٌ أخلاقيٌّ: وهو من خصائص النظام السياسي في الإسلام أنه، ويشمل أمرينِ:

الأمرُ الأولُ: إتيانُهُ بالتشريعاتِ الأخلاقيةِ الفاضلةِ، وحثُّ الناس على الالتزام بها.

ثانيًاالأمر الثاني: أنَّ الغايةَ في الإسلامِ لا تُبِرِّرُ الوسيلةَ -كما هو الحالُ في كثيرٍ من الأنظمةِ السياسيةِ.

ومن المُلاحظِ: أنَّ الصِّبغةَ الأخلاقيةَ الظاهرةَ ميزة واضحةٌ للنظامِ السياسيِّ في الإسلامِ عن سائرِ الأنظمةِ السياسيةِ القديمةِ والمعاصرةِ، فالإسلامُ إلى جانبِ أنه أتى بأنظمةٍِ متعددةٍِ راعَى في هذه الأنظمةِ الأخلاقَ الكريمةَ التي جاء بها النبيُّ الأميُّ محمدُ بنُ عبد الله صلى الله عليه وسلم.

وهذه الخصائصُ تجعل النظامَ السياسيَ في الإسلامِ في أعلى مَراتبِ الأنظمةِ في العَالَمِ كلِّهِ، وبالتالي نحن ندعو المسلمينَ جميعًا إلى أن يلتزموا -أولًا- بالنظامِ السياسيِّ في الإسلامِ، وندعو غيرَ المسلمين إلى أن يقفوا على جَمَالِ الإسلامِ بخصائِصهِ التي جاء بها.

error: النص محمي !!