Top
Image Alt

الأخلاق ومكانتها في الإسلام

  /  الأخلاق ومكانتها في الإسلام

الأخلاق ومكانتها في الإسلام

إن ديننا الحنيف لا ينظم علاقة الإنسان بخالقه فقط وإنما ينظم علاقة الإنسان بخالقه والناس أجمعين مؤمنين وكافرين، ويدعو الدين إلى أن يكون الإحسان هو أصل علاقة الإنسان بربه والناس أجمعين، يقول الله -تبارك وتعالى-: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا} [النساء: 36]، وعن أبي ذر -رضي الله عنه-قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((اتقِ الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن))، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-قال: ((سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال: تقوى الله وحسن الخلق)).

قال ابن القيم -رحمة الله عليه-: “جمع النبي -صلى الله عليه وسلم بين تقوى الله وحسن الخلق؛ لأن تقوى الله تصلح ما بين العبد وربه، وحسن الخلق يصلح ما بين العبد وبين خلقه، فتقوى الله توجب للعبد محبة الله، وحسن الخلق يدعو الناس إلى محبته، وقد سئل -صلى الله عليه وسلم عن خير الناس فقال: ((أحسنهم أخلاقًا)). فبيَّن -صلى الله عليه وسلم أن خيار المسلمين من حسنت أخلاقهم وكرمت صفاتهم، أما من ساءت منهم الأخلاق وقبحت الصفات فأولئك مع الأشرار، وإن كانوا يصلون ويصومون ويحجون، فإن صلاتهم ليست بصلاة الخاشعين، وصيامهم مجاراة، وحجهم رياءً، ولو كان ذلك منهم بإخلاص لأثمر بلا مراء كرام الأخلاق.

فإن الصلاة الحقة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصيام الخالص داعية الصبر والكرم، والحج المبرور يُثمر خلق الصبر، وحسن العشرة والمعونة، فبرهان الصدق في العبادات والإخلاص فيها كرم الأخلاق وآية التقصير فيها سوؤها، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-قال: ((قال رجل: يا رسول الله، إن فلانة تُذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال -صلى الله عليه وسلم: هي في النار. قال: يا رسول الله، فإن فلانة تذكر من قلة صيامها وصدقتها وصلاتها، وإنها تصَّدَّق بالأثوار من الأقط، ولا تؤذي جيرانها بلسانها قال: هي في الجنة))، فسوء الخلق أفسد الأعمال الصالحة وأحبطها فلم تغنِ عن صاحبها شيئًا، وحسن الخلق أدخل صاحبه الجنة مع قلة العمل. ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم: ((إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم))”.

وقد اختلفت عبارات العُلماء في ضابط الخلق الحسن؛ فقال علي: “حسن الخلق في ثلاث خصال: اجتناب المحارم، وطلب الحلال، والتوسعة على العيال”. وعن الحسن قال: “حسن الخلق الكرم، والبذلة، والاحتمال”، وعنه قال: “حسن الخلق بسط الوجه، وبذل الندا، وكفّ الأذى”. وعن عبد الله بن المبارك قال: “حسن الخلق طلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى”. وعنه قال: “حسن الخلق أن يحتمل ما يكون من الناس”. وقال الإمام أحمد: “حسن الخلق ألا تغضب ولا تحقد”. وقال محمد بن نصر: “قال بعض أهل العلم: حسن الخلق كظم الغيظ لله، وإظهار الطلاقة والبِشر، والعفو عن الزالّين، وكف الأذى”. قال الإمام أبو حامد الغزالي -رحمه الله-: “وكل هذه الأقوال إنما هي في ثمرة حسن الخلق، ولم تتعرض لحقيقته. ونحن نقول: الخُلُق والخَلْق عبارتان مستعملتان معًا، يقال: فلان حسن الخُلق والخَلق أي: حسن الباطن والظاهر، فيُراد بالخَلْق الصورة الظاهرة، ويُراد بالخُلُق الصورة الباطنة، ولكل واحد منهما هيئة وصورة إما قبيحة وإما جميلة.

فالخلق عبارة عن هيئة في النفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر ورويّة، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلًا وشرعًا سميت تلك الهيئة خلقًا حسنًا، وإن كان صادر عنها الأفعال القبيحة سميت خلقًا سيئًا”. فإذا كان المؤمن بحاجة إلى حسن الخلق؛ فإن الداعية إلى الله سبحانه وتعالى هو أحوج المؤمنين إلى حسن الخلق؛ إذ بحسن خلقه يُقبل عليه المدعوُّون، ويستمعون له، ويتبعونه، وينتفعون بدعوته، ولذلك قال الله -تبارك وتعالى- للنبي -صلى الله عليه وسلم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 159].

والأخلاق الحميدة التي دعا إليها الإسلام كثيرة جدًّا، ويكفي أن يتخلَّق الداعية بكل خلق حسن ذكره الله -تبارك وتعالى- في القرآن الكريم، ودعا إليه وحمد أهله وأثنى عليهم؛ اقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم، فلقد تخلق بمكارم الأخلاق كلها كما أمره ربه في القرآن الكريم، ولذلك لما سُئلت أمنا عائشة -رضي الله عنها-عن خلقه -صلى الله عليه وسلم قالت للسائل: “أتقرأ القرآن؟ قال: نعم. قالت: ((كان خلقه القرآن))”.

error: النص محمي !!