Top
Image Alt

الأداء والقضاء والإعادة

  /  الأداء والقضاء والإعادة

الأداء والقضاء والإعادة

الأداء لغة: إعطاء الحقّ لمُستحِقِّه، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58].

الأداء اصطلاحًا: إيقاع العبادة في وقْتها المُعيَّن لها شرعًا، لمصلحة يشتمل عليها في الوقت.

الإعادة لغة: تكرار الفِعْل مرّة أخرى.

الإعادة اصطلاحًا: فِعْل العبادة مرّة أخرى في الوقت، وذلك لبطلانها مثلًا، أو لإدراك فضيلة.

القضاء لغة: له معانٍ، منها:

  1. الحُكم.
  2. الفراغ والانتهاء.
  3. الأداء.
  4. الصّنع والتّقدير.

القضاء اصطلاحًا: هو فِعْل جميع العبادة المؤقّتة خارج وقْتها المُقدَّر لها شرعًا.

وقولنا: “جميع العبادة”: احتراز ممّا لو فُعل بعضها في الوقت؛ فإنّها تكون أداءً، على الأصحّ.

– ما لَمْ يُقدَّر له زمان في الشّرع لا يُسمَّى فِعْله أداءً ولا قضاءً، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وعند الحنفيّة، يُسمَّى أداءً شرعًا، كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58]. فقد نزلت في تسليم مفاتيح الكعبة، وهو غير مؤقّت.

واعتُرض على هذا: بأنّ الأداء المذكور في الآية هو: المعنى اللّغوي، والكلام إنما هو في الاصطلاح.

  • كلّ إعادة: أداء، مِن غيْر عكْس.
  • العبادة قد توصف بالأداء والقضاءِ معًا، كالصلوات الخَمْس.

وقد توصف بالأداء وحده، كصلاة الجمعة.

وقد لا توصف بهما، كالنّوافل التي لا وقْت لها.

  • قد تقع العبادة قبْل الوقت، وتكون أداء، كصدقة الفِطر إذا عجّلها قبل ليلة الفِطْر.
  • فِعْل بعض العبادة في وقتها: أداء، لحديث “الصحيحين”: ((مَن أدرك ركْعةً مِن الصّلاة فقَد أدرك الصّلاة)).

وقال بعض العلماء: ما صُلِّي في الوقت فهو أداء، وما صُلِّي بعده فهو قضاء.

وينبني على الخلاف حُكم مَن صلّتْ ركعة، فغربت الشمس، فحاضت.

  1. فإنْ قلنا: إنّ العبادة كلّها أداء، لا تقضي تلك الصلاة؛ لأنها حاضت في وقت أدائها.
  2. وإنْ قلنا: إنّ بعضها قضاء، فتقضيها؛ إذ لَم تَحِض إلاّ بعد خروج الوقت، فأصبحت الصلاة في ذمّتها.

إطلاق وجوب الصوم على الحائض في زمن الحيض:

اختلف العلماء -رحمهم الله- في أنّه هل يصحّ أنْ يُطلق على الحائض في زمن الحيض: “أنّ الصوم واجب عليها”؟ على ثلاثة أقوال:

الأول: ذهب أكثر العلماء إلى: أنّ انعقاد السبب مع وجود المانع يكفي في إطلاق الوجوب على العبادة المُنعقد سببها، المانع منها مانع.

فالفِعْل الثّاني قضاء للأول؛ فعلى هذا، يصحّ إطلاق لفظ: “الوجوب” على الحائض في زمن الحيض.

الثاني: وذهب بعض العلماء إلى: أنّ انعقاد سبب الوجوب مع وجود المانع لا أثَرَ له؛ فلا يوصف بالوجوب إلاّ ما توفّرت شروطه، وانتفت موانعه؛ وعلى هذا، فيكون الفِعْل الثاني أداء بأمْر جديد، وليس قضاءً للأوّل.

الثالث: ذهب بعض العلماء -رحمهم الله- وهو المعتمد عند المالكية، إلى التفريق بين النائم والنّاسي والمسافر وبين الحائض. فالفعل في غير زمن الحيْض -كزمن النّوم والنّسيان والسّفر- يوصف بالوجوب؛ ففعله الثاني قضاء لذلك الواجب. وأمّا الحيض، فالصوم فيه حرام؛ فلا يمكن وصفه بالوجوب. فصوم الحائض عدّة مِن أيّام أخر -على هذا- يكون أداءً بأمْر جديد، لا قضاءً. وقد ردّ ابن قدامة -رحمه الله- هذا القول، وهو: أنّ صوم الحائض إذا طهرت يكون أداءً لا قضاءً، بثلاثة أدلة:

الدليل الأول: حديث عائشة رضي الله  عنها عند مسلم: عَنْ مُعَاذَةَ ((أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: أَتَقْضِي إِحْدَانَا الصَّلَاةَ أَيَّامَ مَحِيضِهَا فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قَدْ كَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه  وسلم ثُمَّ لَا تُؤْمَرُ بِقَضَاء)).

ووجْه الدّلالة: أنّ الحديث صرّح بأنّ صوم الحائض ما فاتها بسبب الحيض، يكون قضاءً.

وأجيب عن وجْه الاستدلال بأنّ القضاء المذكور ليس هو المصطلح عليه، بل معناه اللّغوي.

الدليل الثاني: أنه لا خلاف بين أهل العلم أنهم ينوون القضاء.

الدليل الثالث: أنه لا يمتنع وجوب العبادة في الذمّة، بناء على وجود السبب، مع تعذّر فعلها، كما في النّائم والنّاسي، وكما في المُحدِث، تجب عليه الصلاة مع تعذّر فِعْلها منه في الحال. وكذلك ديون الآدميِّين تجب على المُعسِر مع عجزه عن أدائها.

ويرى بعض العلماء: أنّ القضاء بالمعنى المصطلح عليه لا يوجد في كلام الشّرع، وأنّ القضاء هو بمعنى: الأداء، ذلك أنّ المكلّف إمّا أن يفْعل العبادة في وقتها، أو لا يفعلها في وقتها.

فإنْ فعَلها في وقتها كاملة فهي: أداء، وإن فعلها غير كاملة، فعليْه الإعادة على الوجه الذي طلبه الشّرع. وإنْ فعَلها في غير وقتها: فإن كان معذورًا، فعليه فعْلها حين زوال العُذر، ويكون هذا وقتها شرعًا في حقِّه. وإن كان غير معذور، فإنّه لا يُشرع له فعْلها، ولا تُقبل منه إذا فعلها؛ فلا يكون هناك إلاّ أداء أو إعادة.

هل القضاء يَجِب بالأمْر السّابق، أو بأمْر جديد؟

اختلف العلماء -رحمهم الله- في وجوب العبادة المُؤقَّتة بوقت، إذا فات وقْتها، هل هو بالأمْر السّابق، أو بأمْر جديد؟ على أقوال، منها:

الأول: أنّ القضاء يجب بالأمْر الأوّل، ولا يحتاج إلى أمْر جديد. وهذا قول جمهور الحنفيّة، وبعض المالكية، وبعض الشّافعية، وأكثر الحنابلة.

الثاني: أنّ القضاء لا يَجب إلاّ بأمر جديد؛ فالأمْر الأوّل لا يُستفاد منه إيجاب القضاء.

وهو قول جمهور المالكية، وجمهور الشافعية، وبعض الحنفيّة، وبعض الحنابلة، ونُسب للجمهور.

من أدلة أصحاب القول الثاني:

استدل -أصحاب القول الثاني وهو الراجح- بأدلّة كثيرة، منها:

الدليل الأول: استدلالهم بالأوامر الواردة بقضاء بعض العبادات، كقوله تعالى: { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } [البقرة: 184]، وقوله صلى الله عليه  وسلم: ((مَن نام عن صلاة أو نَسِيَها، فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرها)).

وجْه الدّلالة: أنه لو كان وجوب القضاء بالأمْر الأوّل، لكانت فائدة الأوامر الواردة بقضاء بعض العبادات فائدة تأكيديّة. ولو لم تكن مأمورًا بها بالأمر الأوّل، لكانت فائدة تلك الأوامر التّأسيس؛ والحمل على الفائدة التأسيسيّة أوْلى، لعموم فائدتها.

الدليل الثاني: أنّ الأمر قد دلّ على إيجاب الفعل في وقت مخصوص، فإذا فات الوقت، فات تعلّق الأمْر به، ولا يتناول الأمْر وقتًا آخر إلا بدليل.

ومِن المسائل الفقهيّة المخرّجة على مسألة وجوب القضاء: هل هو بالأمر الأوّل أو بأمر جديد؟ ما يلي:

أولًا: مَن وجب عليه صيام يوم معيّن لأجل أنه نَذَره، فلم يَصُمه أو أفسده، هل يجب عليه قضاؤه، أوْ لاَ يجب؟

  • مَن قال: إنّ القضاء بأمر جديد؛ فلا يوجب عليه القضاء؛ لأنه لا أمْر جديد يوجب القضاء.
  • ومَن قال: القضاء بالأمْر الأوّل؛ يوجب عليه القضاء، لوجود الأمر.

ثانيًا: لو قال لوكيله: أدِّ عنّي زكاة الفطر، فلم يفعل حتى خرج الوقت، هل يُخرجها بعد ذلك؟

  • مَن يرى أن القضاء لا يجب إلا بأمر جديد، قال: لا يُخرجها، لعدم وجود أمْر جديد.
  • ومَن يرى وجوب القضاء بالأمْر الأوّل قال: يُخرجها بعد فوات الوقت؛ لأن الوجوب قد تعلّق بالذّمّة مِن دلالة الأمر الأوّل عليه.
error: النص محمي !!