Top
Image Alt

الأدعية المنصوص عليها في الصلاة، والخروج من الصلاة بالسلام

  /  الأدعية المنصوص عليها في الصلاة، والخروج من الصلاة بالسلام

الأدعية المنصوص عليها في الصلاة، والخروج من الصلاة بالسلام

أ. “باب جامع في أدعية منصوص عليها في الصلاة”:

1. حديث أبي بكر الصِّدِّيق:

وأوّل الأحاديث في هذا الباب: ما ذكره الإمام ابن تيمية رحمه الله قال: عن أبي بكر الصديق رضي الله  عنه: ((أنه قال لرسول الله صلى الله عليه  وسلم: علِّمْني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: قل: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت؛ فاغفرْ لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم)). متفق عليه.

وقوله: ((ظلمتُ نفسي))، قال في (الفتح): أي: ظلمت نفسي بملابسة ما يوجب العقوبة، أو يُنقص الحظ.

وفيه: أنّ الإنسان لا يَعْرى عن تقصيره ولو كان صِدِّيقًا، وكما قالوا: “حسناتُ الأبرار سيئات المقرّبِين”.

وقوله: ((كثيرًا))، رُوي بالثاء المثلثة، وبالباء الموحّدة, أي: ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، أو ظلمًا كبيرًا.

قال الشيخ عزّ الدين بن جماعة: “ينبغي أن يجمع بين الروايتيْن، فيأتي مرّة بالمثلثة, ومرّة بالموّحدة، فإذا أتى بالدعاء مرّتَيْن فقد نَطَق بما نَطَق به النبي صلى الله عليه  وسلم بيقين، ومعناه: أنّه يأتي مرّة بالدّعاء كلّه ويذكر فيه: ((كثيرًا)), ثم يأتي بالدعاء كلِّه ويذكر فيه: ((كبيرًا)), فيكون بيقين قد أصاب ما قاله الرسول صلى الله عليه  وسلم دون زيادة، ودون أن يقال: إنّ الرسول صلى الله عليه  وسلم لم يقُل باللّفظين معًا.

ونقول زيادة على ذلك: إن في تكرير الدعاء خيرًا كثيرًا.

وقوله: ((ولا يغفر الذّنوب إلّا أنت))، قال الحافظ: فيه إقرار بالوحدانية واستجلاب للمغفرة, وهو كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ} [آل عمران: 135]، فأثنى على المستغفرين، وفي ضِمْن ثنائه بالاستغفار لوّح بالأمر به, كما قيل: إنّ كل شيء أثْنى الله على فاعله فهو أمْر به, وإنّ كل شيء ذمّ فاعله فهو ناهٍ عنه.

ثم قال: { وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ }[ آل عمران:135], وهكذا في الحديث: ((ولا يغفر الذنوب إلّا أنت))، فالله  سبحانه وتعالى وحده هو الذي يملك غفران الذنوب وتطهير العبد منها، جعلنا الله عز وجل من أهل المغفرة.

وقوله: ((مغفرة من عندك)).

قال الطيبي: ذِكْر التنكير -أي: في قوله: ((مغفرة))- يدلّ على أنّ المطلوب غفران عظيم, لا يُدرَك كُنْهه ووصفه, لكونه من عنده سبحانه وتعالى، مريدًا بذلك: التعظيم؛ لأنّ التنكير يدلّ على ذلك، ويدلّ على العموم على غير التعريف الذي يدلّ على التحديد وعلى الحصر. قال الطيبي: “لأن الذي يكون من عند الله لا يحيط به وَصْف”، وهذا أخذه من قوله في الحديث: ((من عندك)).

وقوله صلى الله عليه  وسلم في الحديث: ((إنك أنت الغفور الرحيم))، قال الحافظ: “هما صفتان ذُكرتا ختمًا للكلام على جهة المقابلة لِما تقدّم، فـ((الغفور))، مقابل لقوله: “اغفر لي”, و((الرحيم))، مقابل لقوله: “ارحمْني”, وهي مقابلة مُرتّبة”، يعني: الأوّل في العبارة الأولى ذُكر أوّلًا في العبارة الثانية, والثاني في العبارة الأولى ذُكر ثانيًا في العبارة الثانية.‌

أحكام هذا الحديث:

يدلّ على مشروعية هذا الدعاء في الصلاة، ولم يُصرِّح بمحلّه؛ لأنه قال: “أدعو به في صلاتي”، فقال له صلى الله عليه  وسلم: ((قل: اللهمّ إني ظلمت نفسي…)) الحديث، فلم يُحدّد موضعًا في الصلاة، ولمّا علّمه رسول الله صلى الله عليه  وسلم هذا الدعاء, لم يُحدّد له أيضًا موضعًا ومحلًّا.

قال ابن دقيق العيد: “ولعلّ الأوْلى: أن يكون في أحد المَوْطنَيْن: السجود أو التشهد, -أي: بعد التشهد-؛ لأنّه أمر فيهما بالدعاء.

قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): وفي الحديث من الفوائد: استحباب طَلَب التعليم من العالِم, خُصوصًا ما في الدعوات المطلوب فيها جوامع الكلِم، فأبو بكر الصديق رضي الله  عنه طَلَب من رسول الله صلى الله عليه  وسلم دعاءً جامعًا يدعو به، فعلّمه رسول الله صلى الله عليه  وسلم هذا الدّعاء؛ الذي هو من جوامع الكلِم.‌

2. حديث عبيد بن القعقاع:

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: وعن عُبيد بن القعقاع، قال: رَمَقَ رجلُ رسول الله صلى الله عليه  وسلم وهو يصلِّي، فجعل يقول في صلاته: ((اللهم اغفرْ لي ذنبي، ووسِّعْ لي في داري، وباركْ لي في ما رزقتني)). رواه أحمد.

عبيد بن القعقاع، ويقال: حميد بن القعقاع: لا يُعرف حاله، والراوي عنه أبو مسعود الجريري: لا يُعرف حاله، يعني: كلاهما مستور، وقد اختُلف فيه على شعبة، يعني: اختلف الرواة في هذا الحديث على شعبة، قال ابن حجر في (تعجيل المنفعة): وله شاهد من حديث أبي موسى في كتاب “الدعاء” للطبراني، وأبو مسعود الجريري، هو: سعيد بن أبي إياس، ثقة. أخرج له الجماعة، فلا وَجْه لقول من قال: لا يُعرف حاله.

أحكام هذا الحديث:

فيه مشروعية الدعاء بهذه الكلمات في مطلق الصلاة، يعني: لم يُقيِّدها بموضع مُعيّن، وجهالة الراوي عنه صلى الله عليه  وسلم، -وهوعبيد بن القعقاع- لا تضرّ؛ لأن جهالة الصحابي مُغتفرة كما ذَهَب إلى ذلك الجمهور ودلّت عليه الأدلّة.

وقوله في الحديث: “رَمَق رجل رسول الله صلى الله عليه  وسلم وهو يصلِّي”، “الرّمق”: اللحظ الخفيف، كما في (القاموس).

3. حديث شداد بن أوس:

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: عن شدّاد بن أوس: أنّ رسول الله صلى الله عليه  وسلم كان يقول في صلاته: ((اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شُكر نعمَتِك، وحُسنَ عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا، ولسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعْلَم، وأعوذ بك من شرّ ما تعْلَم، وأستغفركَ لِما تَعْلَم)). رواه النسائي.

قال الإمام الشوكاني: الحديث رجال إسناده ثقات, والحديث رواه الترمذي برَقْم “3407”، ورواه ابن حبان برقم “1974”.

وقوله: ((كان يقول في صلاته))، ورد مطلقًا في الصلاة، غير مُقيّد بمكان مخصوص.

وقوله: ((الثبات في الأمر))، سؤال الثبات في الأمر من جوامع الكلِم النبوية؛ لأنّ مَن ثَبّته الله في أموره, عُصم عن الوقوع في الموبقات, ولم يَصدر منه أمر على خلاف ما يَرضاه الله تعالى.

وقوله: ((والعزيمة على الرشد))، تكون بمعنى: إرادة الفعل، يعني: إذا أراد فعلًا، فيَطْلب من الله أن يُرشده فيه، وتكون بمعنى الجِِدّ في طلَبه، يعني: أن يَجِدّ في طلب الرشد والسّداد، والمناسب هنا: الثاني وهو: الجِدّ، يعني: الجد في طلب الرشد والسداد.

وقوله: ((وأسألك قلبًا سليمًا))، أي: غير عليل بكدَر المعصية, ولا مريض بالاشتمال على الغِلّ، والانطواء على الإحَن.

وقوله: ((وأسألك من خيْر ما تعلم))، هو سؤال لخير الأمور على الإطلاق؛ لأنّ عِلْمه Y، مُحيط بجميع الأشياء، وكذلك التّعوّذ من شرّ ما يَعلم, والاستغفار لِما يَعلم، فكأنه قال: أسألك من خير كلِّ شيء, وأعوذ بك من شرّ كل شيء, وأستغفرك لكل ذَنْب.‌

4. حديث عمار بن ياسر:

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: وعن عمّار بن ياسر, أنه صلّى صلاة فأوْجَز فيها, فأنكروا ذلك، فقال: ألم أُتمّ الركوع والسجود؟، فقالوا: بلى، قال: أما إنّي دعوت فيها بدعاء كان رسول الله صلى الله عليه  وسلم يدعو به: ((اللهم بعِلمك الغيب، وقدرتِك على الخير, أَحْيِني ما علمْتَ الحياةَ خيرًا لي، وتوفّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي، أسألك خشْيَتَك في الغيب والشهادة, وكلمةَ الحقِّ في الغضب والرِّضى, والقصد في الفقر والغِنى, ولذّةَ النظر إلى وجهك، والشوقَ إلى لقائك، وأعوذ بك من ضراء مُضرّة, ومن فتنة مُضلّة، اللهمّ زيِّنّا بزينة الإيمان, واجعلنا هداة مُهتدِين)). رواه أحمد والنسائي، الحديث رجال إسناده ثقات.

وفي إسناده عطاء بن السائب، وقد اختلط، وأخرج له البخاري مقرونًا بآخَر، حتى يكون في هذا تقوية لها، يعني: يقول عطاء بن السائب، وفلان من الرواة، وبقية رجاله ثقات. ‌

وقوله: “صلّى صلاة فأوْجز فيها”، لعلّه لم يصاحب هذا الإيجاز تمام الصلاة على الصفة التي عهدوا عليها رسول الله صلى الله عليه  وسلم، وإلّا لم يكن للإنكار عليه وجْه؛ فقد ثبت في حديث أنس في مسلم وغيره، أنه قال: ما صلّيت خلف أحد أوجزَ صلاة من رسول الله صلى الله عليه  وسلم في تمام.

وقوله: “فأنكروا ذلك”، قلنا: فيه: جواز الإنكار على من أخفّ الصلاة من دون استكمال، وكان من دون استكمال في نظَرهم.

وقوله: “ألَمْ أُتِمَّ الركوع والسجود”، فيه إشعار بأنه لم يتمّ غيرهما، ولذلك أنكروا عليه؛ هكذا قال الشوكاني.

وقوله: ((كان رسول الله صلى الله عليه  وسلم يدعو به))، يحتمل: أنه كان يدعو به في الصلاة، ويكون فعْل عمّار قرينة تدلُّ على ذلك، ويحتمل: أنه كان يدعو به من غير تقييد بحال الصلاة، كما هو الظاهر من الكلام.

ومناسبة قول عمار هذا: أنه يريد أن يقول لهم: إنني أتممْت الصلاة؛ بل قد زدت فيها دعاء كان يدعو به رسول الله صلى الله عليه  وسلم، يعني: هي أكثر من التّمام. والله أعلم.

وقوله: ((اللهمّ بعلْمك الغيب، وقُدرتك على الخلْق))، فيه دليل على جواز التّوسّل إليه تعالى بصفات كماله وخصال جلاله.

وقوله: ((أحْيِنِي))، إلى قوله: ((خيرًا لي))، هذا ثابت في الصحيحيْن من حديث أنس بلفظ: ((اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفّني ما كانت الوفات خيرًا لي))، وهو يدلّ على جواز الدعاء بهذا، لكن عند نزول الضرر، كما وقع التقييد بذلك في حديث أنس المتّفق عليه، ولفظه: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((لا يَتَمَنَّيَنّ أحدُكم الموتَ لِضُرٍّ نزل به، فإن كان لا بدّ مُتمَنِّيًا فلْيقلْ: اللهم أحيِني ما كانت الحياة خيرًا لي، وأمِتْني ما كان الممات خيرًا لي)).

وقوله: ((أسألك خشيتك في الغيْب))، أي: في مغيب الناس وحضورهم، والخشية الحقيقية إنما تكون في الغيب.

وقوله: ((وكلمةَ الحق في الغضب والرِّضى))، أي: أسألك كلمة الحق في الغضب والرضى؛ إنما جمع بين الحالتيْن؛ لأن الغضب ربما حال بين الإنسان وبين الصّدع بالحق، وكذلك الرضى ربما قاد في بعض الحالات إلى المداهنة وكتْم كلمة الحق.

وقوله: ((والقصدَ في الفقر والغِنى))، أي: وأسألك القصد في الفقر والغنى، و((القصد)) في اللغة: بمعنى: استقامة الطريق والاعتدال، وبمعنى: ضد الإفراط؛ وهو المناسب هنا؛ لأن بَطَر الغنى ربّما جرّ إلى الإفراط، وعدم الصبر على الفقر، ربما أوقع في التفريط، فالقصد فيهما هو الطريقة القويمة.

وقوله: ((ولذّةَ النّظر إلى وجهك))، يعني: أسألك لذّة النظر إلى وجهك؛ فيه مُتمسّك لأهل السُّنّة: أن المؤمنين سيروْن ربّهم عز وجل يوم القيامة، كما ثبت في الأحاديث، وأنكرَتْه بعضُ الفِرَق.

وقوله: ((والشوق إلى لِقائِك))، أي: أسألك الشوق إلى لقائك، وإنّما سأله صلى الله عليه  وسلم ذلك؛ لأنه من موجبات محبّة الله لِلقاء عبْده، لِحديث: ((مَن أحبّ لقاءَ الله أحبّ الله لقاءَه))، ومحبة الله تعالى لذلك من أسباب المغفرة، بل من أسباب السعادة في الدنيا والآخرة.

وقوله: ((وأعوذ بك من ضرّاء مُضِرّة))، إنّما قيّد صلى الله عليه  وسلم بذلك؛ لأن الضّراء ربما كانت نافعة آجلًا أو عاجلًا، فلا يليق الاستعاذة منها، أي: مُطلقًا، كأن يقول: “وأعوذ بك من ضراء”، إنما كما جاء في هذا الحديث، تكون الاستعاذة من الضراء التي تؤدِّي إلى الضرر.

وقوله: ((مُضِلّة))، أي: أعوذ بك من فتنة مُضلّة، وصفَها رسول الله صلى الله عليه  وسلم بذلك؛ لأنّ من الفتن ما يكون من أسباب الهداية، أي: تؤدِّي إلى خير، وهي بهذا الاعتبار ممّا لا يُستعاذ منه؛ ولهذا جاءت دائما الأحاديث مقيّدة – أي: الاستعاذة من الفتن مقيّدة- كفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال… إلخ. قال أهل اللغة: “الفتنة”: الامتحان والاختبار.

ب. “باب: الخروج من الصلاة بالسّلام”:

1. حديث ابن مسعود، وحديث سعد:

قال الإمام مجد الدين ابن تيمية: عن ابن مسعود: ((أنّ رسول الله صلى الله عليه  وسلم كان يسلّم عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله, حتى يُرى بياضُ خدِّه)). رواه الخمسة، وصحّحه الترمذي. وقد رَوَى ابن تيمية في هذا الباب عن عامر بن سعد, عن أبيه قال: ((كنت أرى النّبي صلى الله عليه  وسلم يُسلّم عن يمينه وعن يساره، حتى يُرى بياضُ خدّه)). رواه أحمد ومسلم, والنسائي وابن ماجه.

وهذه الأحاديث تدلّ على مشروعية التسليمتيْن؛ وقد حكاه ابن المنذر عن أبي بكر الصِّدِّيق, وعليّ، وابن مسعود من الصحابة, وعن عطاء بن أبي رباح، وعلقمة، والشعبي من التابعين, وعن أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.

قال ابن المنذر: وبه أقول، وإليه ذهب الشافعي كما قال النووي.

قلنا: ذَهَب إلى تسليمتَيْن في الصلاة عدَدٌ من الصحابة ومن التابعين، ومن أصحاب المذاهب، وأصحاب الرأي، وغيرهم.

وذهب إلى أنّ المشروع تسليمة واحدة: ابن عمر، وأنس, وعائشة، من الصحابة, والحسن، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، من التابعين, ومالك، والأوزاعي، والإمامية، وغيرهم…

واختلف القائلون بمشروعية التسليمتَيْن: هل الثانية واجبة أمْ لا؟، يعني: اتفقوا على أنّ الأولى واجبة: هذا معناه، فذهب الجمهور إلى استحبابها، أي: الثانية.

واحتجّ القائلون بمشروعية التسيلمتين بالأحاديث المتقدّمة، واحتجّ القائلون بمشروعية الواحدة فقط بالأحاديث التي سيأتي ذِكْرها في باب: مَنْ اجتزأ -يعني: من اكتفى- بتسليمة.

 قال الإمام الشوكاني: والحقّ ما ذهب إليه الأوّلون -أي: الذين قالوا بمشروعية التسليمتيْن- لكثرة الأحاديث الواردة بالتسليمتيْن, وصحّة بعضها، وحُسن بعضها، واشتمالها على الزيادة وكونها مُثبِتة؛ بخلاف الأحاديث الواردة بالتسليمة الواحدة فإنّها مع قِلّتهأ، ضعيفة, لا تنتهض للاحتجاج.

وقوله: ((عن يمينه وعن يساره))، فيه: مشروعية أن يكون التسليم إلى جهة اليمين, ثم إلى جهة اليسار.

قال النووي: “ولم سَلّم التسليمتيْن عن يمينه، أو عن يساره أو تلقاء وجهه, أو الأولى عن يساره والثانية عن يمينه، صحّت صلاته وحصلت التسليمتان, ولكن فاتته الفضيلة في كيفيّتِهما: أن تكون الأولى عن يمينه، والثانية عن يساره.

وقوله: ((السلام عليكم ورحمة الله))، زاد أبو داود من حديث وائل بن حجر: ((وبركاته))، وأخرجها أيضًا ابن حبان في صحيحه من حديث ابن مسعود, وكذلك وابن ماجه من حديثه.

وقد صحّح الحافظ ابن حجر أيضًا حديث وائل المشتمل على تلك الزيادة.

وقوله: ((يُرى))، بضمّ الياء المثناة من تحت مِن قوله: ((حتى يُرى بياضُ خدِّه))، مبنيًّا للمجهول, كذا قال ابن رسلان، و((بياضُ))، بالرفع: نائب فاعل، وفيه دليل: على المبالغة في الالتفات إلى جهة اليمين، وإلى جهة اليسار، يعني: هذا كناية عن المبالغة في الالتفات إلى جهة اليمين وإلى جهة اليسار.

2. حديث سمرة بن جندب:

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: وعن سَمُرة بن جُندَب أو ابن جُندُب -يجوز فيها الوجهان: ((أمَرنا رسول الله صلى الله عليه  وسلم أن نُسلِّم على أئمّتنا, وأن يُسلِّمَ بعضُنا على بعض)). رواه أحمد، وأبو دواد ولفظه: ((أمَرنا أن نَرُدّ على الإمام، وأن نتحابّ, وأن يُسلِّم بعضُنا على بعض)). الحديث أخرجه أيضًا الحاكم، والبزار وزاد: ((في الصلاة)), قال الحافظ: “إسناده حَسَن”. انتهى.

وقوله: ((أن نُسلِّم على أئمّتنا))، أي: نَرُدّ السلام عليهم، كما في الرواية الثانية: ((أمَرَنا أن نرُدّ على الإمام))، قال أصحاب الشافعي: إن كان المأموم عن يمين الإمام، فينوي الرّدّ عليه بالثانية، وإن كان عن يساره، فينوي الرّدّ عليه بالأولى، وإن حاذاه، فبما شاء، وهو في الأولى أحَبّ.

وقوله: ((وأن يُسلِّم بعضُنا على بعض))، ظاهره شامل للصلاة وغيرها, ولكن قَيّده البزار بالصلاة، كما تقدّم.

قُلنا: إن في رواية البزار زيادة: ((في الصلاة)), يعني: ((أمَرنا رسول الله صلى الله عليه  وسلم أن نسلِّم على أئمتنا في الصلاة)), أو ((وأن يُسلِّم)) أو ((وأن يُسلِّم بعضُنا على بعض في الصلاة))، ويدخل في ذلك: سلام الإمام على المأمومين، وسلام المأمومين على الإمام، وسلام المقتدين بعضهم على بعض.

وقوله: ((وأن نتحابّ))، يعني أمَرنا أن نتحابّ، بتشديد الباء الموحدة آخِر الحروف, و”التحابُّ”: التّوادّ، و”تحابُّوا”: أحَبّ كل واحد منهم صاحبه.

error: النص محمي !!