Top
Image Alt

الأدلة على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان

  /  الأدلة على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان

الأدلة على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان

الدليل على أنه لا بد من عمل القلب واللسان والجوارح وصف الله سبحانه وتعالى للمؤمنين الصادقين في كثير من الآيات بصفات زائدة عن التصديق، كما أطلق الله عز وجل صفة المؤمنين الكاملين حقًّا وصدقًا على الذين آمنوا بالله تعالى، وصدقوا رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يشكُّوا في ذلك ولم يرتَابُوا، وانقادُوا لأوامِرِه، ثم عملوا بما آمنُوا بِهِ من أصول الدين، وفروعه وظاهره وباطنه، وظهرت آثار هذا الإيمان في عقائدهم، وأقوالهم، وأعمالهم الظاهرة والباطنة، وبهذه الأعمال حققوا الإيمان الكامل؛ فاستحقوا هذا الوصف من ربهم -جل وعلا.

فدل كل هذا على أن الإيمان يشترط فيه؛ كي يكون كاملًا العمل الصالح ولا يكون المؤمن مؤمنًا حقًّا إلا بتلك الأعمال الصالحة، وهذا هو الفرق بين تعريف الإيمان عند السلف وغيرهم؛ لأن السلف اشترطُوا دخولَ العمل في مسمى الإيمان، وأما الفرقُ الأخْرَى: فأخرجت العمل من مسمى الإيمان.

إذًا فالأدلة على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان نوعان قرآنية ونبوية:

أ. الأدلة القرآنية على أن العمل داخل في مسمى الإيمان:

قال الله -تبارك وتعالى-: {إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ الّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَىَ رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ}(2) {الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}(3) {أُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 2- 4]، وقال تعالى: {إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ الّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَـَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ} [الحجرات: 15]، وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71]، وقال تعالى: {التّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدونَ الاَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112].

وقال تعالى: {لّيْسَ الْبِرّ أَن تُوَلّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـَكِنّ الْبِرّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنّبِيّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىَ حُبّهِ ذَوِي الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السّبِيلِ وَالسّآئِلِينَ وَفِي الرّقَابِ وَأَقَامَ الصّلاةَ وَآتَى الزّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْسَآءِ والضّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـَئِكَ الّذِينَ صَدَقُوآ وَأُولَـَئِكَ هُمُ الْمُتّقُونَ} [البقرة: 177]، وقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}(1) {الّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ}(2) {وَالّذِينَ هُمْ عَنِ اللّغْوِ مّعْرِضُونَ}(3) {وَالّذِينَ هُمْ لِلزّكَـاةِ فَاعِلُونَ}(4) {وَالّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ}(5) {إِلاّ عَلَىَ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ}(6) {فَمَنِ ابْتَغَىَ وَرَآءَ ذَلِكَ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ}(7) {وَالّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}(8) {وَالّذِينَ هُمْ عَلَىَ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}(9) {أُوْلَـَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ}(10) {الّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.

إذًا نستنتج من هذه الآيات التي سبقت الإشارة إليها أنها ذكرت وصف المؤمنين بالإيمان الكامل والإيمان الحق.

ونجد أن هذه الأوصاف التي وردت في هذه الآيات للمؤمنين كلها مشتملة على مطالب عملية أعمال تؤدى بالقلب واللسان والجوارح؛ فدل ذلك على أن العمل شرط وأساس، بل هو ركن في الإيمان، وداخل في مسماه أيضًا، وقد جعل الله جميع الطاعات من الإيمان ويدخل في ذلك الصلاة حيث سمى الله عز وجل ذلك إيمانًا، فقال تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} إيمانكم، أي: صلاتكم إلى بيتِ المقدس، فسمى الله تعالى الصلاة إيمانًا، فلو لم تكن الصلاة جزءًا من الإيمان، وركنًا فيه لما صح تسميتها به؛ فهذا دليل على أن العمل من الإيمان.

وسبب نزول هذه الآية: أن بعض المسلمين الذين كانوا يصلون إلى القبلة قبلة المسلمين الأولى إلى بيتِ المقدس، ثم توفوا قبل أن تحول القبلة إلى بيت الله الحرام، من المشرق إلى المغرب، فلما حولت القبلة إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة سأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بال إخواننا الذين توفوا قبل تحويل القبلة؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية أن تلك الصلاة محفوظة لهم ولن يضيع شيء من أعمالهم، فقال تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}.

والصلاة أعمال بالجوارح والقلب واللسان، فأطلق الله عليها اسمَ الإيمان: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أي: صلاتكم، فهذا أكبر دليل على أن العمل داخل في مسمى الإيمان، وأن الإيمان إذا خلا من العمل لم يكن إيمانًا صحيحًا.

وقال الشيخ حافظ الحكمي -رحمه الله-: قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} يعني: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة سمى الصلاة كلها إيمانًا، وهي جامعةٌ لعمل القلب واللسان والجوارح، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم الجهاد وقيام ليلة القدر، وصيام رمضان، وقيامه، وأداء الخمس، وغيرها من الإيمان، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: ((أيُّ الأعْمَالِ أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله)) متفق عليه، انتهى كلامه.

ومن الأدلة القرآنية كذلك أن الله قرن الإيمان مع العمل في كثير من الآيات: فقال تعالى: {إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً} [الكهف: 107] وقال تعالى: {الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ طُوبَىَ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} [الرعد: 29].

ب. الأدلة من السنة النبوية على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان: وكما دلت آيات الكتاب العزيز على أن العمل داخل في مسمى الإيمان فقد دلت أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم على ذلك أيضًا، فمن تلك الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: ((قل آمنت بالله ثم استقِمْ)) رواه مسلم.

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لوفد عبد القيس عندما سألوه عن أمور الدين، فأمرهم بالإيمان بالله وحده، وقال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وتُعْطُوا الخُمُسَ من المغنم))، رواه البخاري.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ أيُّ العملِ أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور)) رواه البخاري.

قال ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله-: كما علمنا أنه رتب الفوز، والفلاح على التكلم بالشهادتين مع الإخلاص، والعمل بمقتضاهما، فقد قال صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بِضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعبة من الإيمان))، وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: ((أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا))، وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا: ((البذاذة من الإيمان))، فإذا كان الإيمان أصلًا له شعب متعددة، وكل شعبة منها تسمى إيمانًا؛ فالصلاة من الإيمان، وكذلك الزكاة والصوم والحج، والأعمال الباطنة كالحياء، والتوكل، والخشية من الله والإنابة إليه حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق؛ فإنه من شعب الإيمان.

وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها إجماعًا كشعبة الشهادتين، ومنها ما لا يزول بزوالها إجماعًا كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبعضها شعبًا متفاوتة تفاوتًا عظيمًا، منها ما يقرب من شعبة الشهادة، ومنها ما يقرب من شعبة إماطة الأذى عن الطريق، وكما أن شعب الإيمان إيمان فكذا شعبُ الكفرِ كفرُ. انتهى كلامه.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في معرض تقريره؛ لكون الأعمال داخلةً في مسمى الإيمان، قال: فأصل الإيمان في القلب، وهو قول القلب وعمله، وهو إقرار بالتصديق، والحب، والانقياد، وما كان في القلب، فلا بد أن يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح، وإذا لم يعمل بموجبه ومقتضاه دل على عدمه أو ضعفه، ولهذا كانت الأعمال الظاهرة بالموجبِ إيمان القلب ومقتضاه، وهي تصديقٌ لِمَا في القلب، ودليلٌ عليه، وشاهد له، وهي شعبة من مجموع الإيمان المطلق، وبعض له، لكن ما في القلب هو الأصل لما على الجوارح، كما قال أبو هريرة رضي الله عنه: “إن القلب ملك والأعضاء جنوده، فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خبث الملك خبثت جنوده”.

ففي (الصحيحين) عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلبُ)) انتهى كلامه.

إذًا بهذا يتأكد عندنا أن العمل داخل في مسمى الإيمان،وأن الإيمان تصديق وقول وعمل، تصديق باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالقلب واللسان والجوارح، وأنه يزيد وينقص كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، وكما دلت عليه الأدلة السالفة الذكر من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

error: النص محمي !!