Top
Image Alt

الأدلة على حجية خبر الواحد من (صحيح البخاري) ومناقشتها

  /  الأدلة على حجية خبر الواحد من (صحيح البخاري) ومناقشتها

الأدلة على حجية خبر الواحد من (صحيح البخاري) ومناقشتها

ننتقل إلى (صحيح البخاري) -رحمه الله تعالى- والباب رقم 95 عنده، وهو في الجزء الثالث من (فتح الباري) والكتاب سماه كتاب: أخبار الآحاد، أول باب فيه يقول الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان، والصلاة، والصوم، والفرائض، والأحكام، وقول الله تعالى…

و الصدوق في هذا الاستعمال تعني الثقة الذي يجمع بين العدالة والضبط.

باب: ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الآذان في الصلاة في الصوم في الفرائض في الأحكام، وقول الله تعالى: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لّيَتَفَقّهُواْ فِي الدّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوَاْ إِلَيْهِمْ لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]

فالآية تطلب أن ينفر من المؤمنين من كل فرقة طائفة مهمتها أن تتفقه في الدين، وأن تعلّم الأمة أمور دينها. فما وجه الاستدلال بهذا؟

يقول الإمام الشافعي: ويسمى الرجل طائفة: يعني: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} الطائفة: تطلق على الواحد وعلى الاثنين وعلى الجماعة. فما دلالة إطلاقها على الواحد؟

كلام الإمام البخاري في عنوان الباب: قال: ويسمى الرجل طائفة لقوله تعالى: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ} [الحجرات: 9] فلو اقتتل رجلان دخلَا في معنى الآية، يعني: هو يستدل هنا على أن الطائفة ربما تكون واحدًا، وليس المفهوم المتبادر من ظاهر الكلمة أنها تعني الجماعة، وحين يقول الله تعالى: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} هذه الطائفة تكون واحدًا أحيانًا أو اثنين، وهي أيضًا خبر الآحاد سيتفقهون في الدين وينذرون قومهم إذا رجعوا إليهم، وعلى قومهم أن يسمعوا لهم وأن يطيعوا؛ رغم أنهم قد يكونون واحدًا أو اثنين، والاثنان والثلاثة في إطار خبر الآحاد لم يصبحوا بعد خبرًا متواترًا.

ويستدل أيضًا الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- بقوله -تبارك وتعالى-: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيّنُوَاْ} [الحجرات: 6]؛ فهنا الحكم مأخوذ من مفهوم الآية، يعني: العلة في عدم قبول خبره أنه فاسق وليس واحدًا، هذا المنطوق، فما المفهوم؟ إن كان عدلًا؛ حتى وإن كان واحدًا فاقبلوا خبره؛ لأن العلة في رفض قبول خبر الأول ليس لأنه واحد؛ وإنما لأنه فاسق أي: بسبب فسقه.

وأيضًا يقول الإمام البخاري: وكيف بعث النبي صلى الله عليه وسلم أمراءه واحدًا بعد واحدٍ؛ فإن سهَا أحد منهم رُد إلى السنة.

أيضًا إرسال النبي صلى الله عليه وسلم الواحد بعد الواحد دليل على حجية خبر الآحاد.

ثم ذكر في الباب مجموعة من الأحاديث كلها تدور في هذا الفلك “إثبات حجية خبر الواحد” فذكر حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: ((أتينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون -يعني: شبان متقاربون في السن- فأقمنا عنده عشرين ليلةً وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رقيقًا؛ فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا أو قد اشتقنا؛ سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه، فقال: ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم وعلّموهم ومروهم)) وذكر أشياء أحفظها ولا أحفظها، وصلُّوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم)).

إذن بعث كل واحد إلى الجهة التي جاء منها، وعلَّمه ماذا عليه أن يفعل من إقامة الصلاة والآذان، وأن يؤمَّهم أكبرهم إلى آخر ما قال صلى الله عليه وسلم والذاهب بذلك هو واحد فقط أيضًا.  وذكر حديث بلال في الآذان، وهو  حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن بلالًا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم)) ووجه الدلالة: أنا سنأكل ونشرب حتى نسمع كلام ابن أم مكتوم رضي الله عنه وهو واحد فقط، ويخبرنا أنه عند ظهور الفجر فعلينا أن نمسك عن الطعام والشراب. فهذا حكم شرعي.

أيضًا من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ((صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر خمسًا، فقيل: أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قال: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعدما سَلَّمَ)).

ووجه الدلالة: أن الذي أخبره واحد واستجاب لخبره، يعني: ماذا حدث في الصلاة؟ قالوا صليت خمسًا فسجد سجدتين للسهو، وهناك أحكام تفصيلية كثيرة متعلقة بحكم السهو… وما إلى ذلك ووقت الزيادة ووقت النقصان… إلخ.

أيضًا، ذكر فيه قصة ذي اليدين: فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم انْصَرَفَ مِنِ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: أَقَصُرَتِ الصَّلاَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ: أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ. فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ . فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ، ثُمَّ سَلَّمَ ، ثُمَّ كَبَّرَ ، ثُمَّ سَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ، ثُمَّ رَفَعَ ، ثُمَّ كَبَّرَ ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ ، ثُمَّ رَفَعَ)).

وأيضًا، ذكر الإمام البخاري قصة القبلة وتحويلها التي أشرنا إليها في أكثر من رواية، وذكر قصة الخمر التي وردت في قصة أبي طلحة رضي الله عنه حين أمر أنس بن مالك رضي الله عنه أن يكسر الجرار بناء على خبر الواحد، وأيضًا حديث حذيفة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأهل نجران: ((لأبعثن إليكم رجلًا أمينًا حق أمين؛ فاستشرف لها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فبعث أبا عبيدة)).

وذكر أيضًا حديث: ((لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة رضي الله عنه))

وذكر أيضًا قصة العسيف، وفيها: أرسل النبي صلى الله عليه وسلم صحابيًّا جليلًا وهو أنيس الأسلمي إلى امرأة الرجل، وقال: ((اغدُ يا أنيس لامرأة هذا؛ فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت فرجمها)).

فهذه كلها أدلة ذكرها الإمام البخاري -رحمه الله تبارك وتعالى- في “صحيحه” تتعلق بهذا الأمر، وهو حجية خبر الواحد.

وهكذا نرى من مجموع الأدلة التي سقناها من خلال كتاب (الرسالة) للإمام الشافعي، ومن خلال إجازة خبر الواحد الصدوق عند الإمام البخاري -رحمه الله- وكلها أدلة قوية تدل على وجوب العمل بخبر الواحد في العقائد، وفي الأحكام، وفي سائر أمور الإسلام.

بعض الشبه التي أُثيرت قديمًا حول هذا الأمر:

 وهي شبه صادرة من المعتزلة، مرورًا بكل المدارس التي تقف موقف المناوأة من السنة ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم كُثر في هذه الأيام. لكن الله -تبارك وتعالى- لن يمكنهم من نيل غرضهم أبدًا ما دام في الأمة علماء متيقظون وأمة منتبهة ترد الكيد إلى أصحابه.

وهم يستدلون بأدلة يتصورون أنها تثير زوابع في وجه الاستدلال بحجية خبر الواحد:

من ذلك مثلًا: قول الله -تبارك وتعالى-: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّ السّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلّ أُولـَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء: 36]، يقولون: إن اتباعنا لخبر الواحد هو اقتفاءٌ لما ليس لنا به علم.

وهذا كلام ضعيف جدًّا؛ بل بدون أدنى مبالغة: هذه الآية حجةٌ لمن يقولون بحجية خبر الواحد، وهي عليهم وليست لهم، فنحن لم نقف ما ليس لنا به علم كلا وحاشا؛ بل قامت الأدلة الصحيحة من القرآن والسنة على حجية خبر الواحد ووجوب العمل به التي ذكرناها من القرآن: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ}، {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَآئِفَةٌ}، {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيّنُوَاْ} ثم كل هذه الأدلة التي ذكرها الإمام الشافعي وذكرها البخاري، وذكرها غيرهم من العلماء من أهل السنة والجماعة جيلًا بعد جيل، مستدلين بالقرآن والسنة على ثبوت وحجية خبر الواحد.

إذن، حين نتبع خبر الواحد؛ فنحن اقتفينا ما لنا به علم، وما لنا به حجة، وما قامت عليه الأدلة من القرآن والسنة؛ بل الذين يقفون في المعسكر الآخر ويجادلون في حجية خبر الواحد هم الذين فعلًا يقفون بما ليس لهم به علم، وليس لهم سند.

إذن، هذه الآية حجة لمن يقول بخبر الواحد، والأدلة العلمية القاطعة من القرآن والسنة قاطعة في هذا كما أشرنا إليها:

يقول الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى-: ولا نزاعَ في أن خبر الواحد إذا وقع الإجماع على العمل بمقتضاه؛ فإنه يفيد العلم؛ لأن الإجماع عليه قد صيّره من المعلوم صِدْقه، وكذا خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول، ومن هذا القسم أحاديث صحيحة للبخاري ومسلم -رحمهما الله تعالى- فسَقَط اعتراضهم بهذه الآية أو بغيرها؛ لأنه ما دام الخبر صحيحًا؛ فهو يفيد العلم ويجب العمل به.

أيضًا، يحاولون أن يشوشوا بمقولة: أن خبر الآحاد يفيد الظن، وقد وردت أدلة كثيرة تنهانا عن اتباع الظن.

وهناك رأيان في المسألة، يقول رأي منهم: إن خبر الآحاد يوجب العلم القطعي؛ بمعنى: أننا نقطع بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله أو أن نِسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ظنية؛ حتى لو قلنا بالظن فقد أثبتنا هناك أن الأمة يجب عليها العمل بما غلب على ظنها، وذكرنا الأدلة على هذا، وأننا يجب أن نصوم إذا أخبرنا مخبر وتيقنا صدقه وأمانته أنه قد رأى هلال رمضان مثلًا؛ ومن يصبح مفطرًا فهو آثم؛ لأنه أفطر يومًا يجب صيامه، ويُعاقب بعقوبات المقررة شرعًا، وأيضًا إذا قال مخبر: إنه رأى هلال شوال، وقلنا: إن الدعاوى كلها تثبت بشاهدين وأقصى دعوى -وهي دعوى الزنا- تثبت بأربعة شهود، وأربعة شهود ما زالوا في إطار خبر الواحد؛ لأنهم لم يصلوا إلى أقل عدد للتواتر على ما اصطلح عليه علماء الأمة.

ويستدلون بالآيات التي تنهى عن اتباع الظن: {إِن يَتّبِعُونَ إِلاّ الظّنّ وَإِنّ الظّنّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقّ شَيْئاً} [النجم: 28] وحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث)) قلنا: إن الظن المذموم هنا هو الوهم الذي يوضَع في مقابلة العلم، واستدللنا على أن القرآن اعتبر الظن كدرجة من درجات العلم وأقام به الحجة، واستدللنا بمطلع سورة المطففين: {وَيْلٌ لّلْمُطَفّفِينَ (1) الّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلا يَظُنّ أُوْلَـَئِكَ أَنّهُمْ مّبْعُوثُونَ} [المطففين:1- 4] والظن: هو العمل بالقول الراجح أو هو ترجيح أحد الاحتمالين… إلى آخر التعريفات التي وردت عند الأصوليين.

إن المدرسة الحديثية في مجملها أو في مجموعها ترى أن خبر الآحاد الذي ثبتت صحته نقطع بصحة نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم ومن خلال الأدلة العلمية القاطعة في هذا الأمر أنه متى ثبت صدق الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فإننا نقطع بصحة نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم بل إننا نقول: إن مبحث التواتر والآحاد في الأصل ليس مبحثًا حديثيًّا، بل هو جاء إلى المحدثين من عند علماء الأصول، الذين يعتنون بمدى قوة الأدلة، وعندهم التقسيمات المعروفة: هذا دليل قطعي الثبوت، وهذا دليل ظني الثبوت، وهذا دليل قطعي الدلالة، وهذا دليل ظني الدلالة… تقسيمات اقتضاها تخصصهم، لا نعتب عليهم فيها؛ فهم أهل علم وفضل؛ لكن المحدثين معنيون بمسألة أخرى: وهي أنه الحديث ما جاءنا عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة، ومتى ثبت صدق المخبرين ووضعوا لذلك شروط الصحة التي نعلمها جميعًا؛ فهم يقطعون بأن النبي صلى الله عليه وسلم قالها، ومع افتراض أنه يفيد الظن ونسلم تسليمًا جدليًّا بهذا، فإنه يجب على الأمة -وجوبًا- العمل بما غلب على ظنها، وهذا أمر مجمع عليه عند العلماء.

أيضًا قصة سيدنا عمر رضي الله عنه عندما قبل خبر عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وحده في أخذ الجزية من المجوس؛ وذلك عندما قالوا: ماذا نصنع معهم -أي: في أخذ الجزية من المجوس -؟ فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: أشهد لَسَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((سُنوا بهم سنة أهل الكتاب)) وهذا الحديث قد رواه البخاري -رحمه الله- في كتاب: الجزية، باب: الجزية والموادعة.

إذن،كلهم قبلوا خبر الواحد ولم يتوقفوا أبدًا في قبوله؛ لا في العقائد ولا في الأحكام ولا في غيرها.

error: النص محمي !!