Top
Image Alt

الأدلة على نزول عيسى عليه السلام آخر الزمان، والرد على مَن أنكر ذلك من المتأخِّرين

  /  الأدلة على نزول عيسى عليه السلام آخر الزمان، والرد على مَن أنكر ذلك من المتأخِّرين

الأدلة على نزول عيسى عليه السلام آخر الزمان، والرد على مَن أنكر ذلك من المتأخِّرين

. لقد جاءت آيات في كتاب الله عز وجل تدلّ على رفْع عيسى عليه السلام إلى السماء؛ وقد بيّن العلماء أنه رُفع بروحه وجسده:

الآية الأولى: قوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللّهُ يَعِيسَىَ إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيّ وَمُطَهّرُكَ مِنَ الّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الّذِينَ اتّبَعُوكَ فَوْقَ الّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمّ إِلَيّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [آل عمران: 55].وقد لخّص الشيخ محمد خليل هراس آراء المفسّرين في بيان معنى هذه الآية فقال:

  1. رأي الجمهور، الذي اختاره ابن كثير ورواه عن الحسن، وهو: الرأي الذي يُفسِّر التّوفِّي والإنامة.
  2. رأي قتادة، وهو: أنّ في الكلام تقديمًا وتأخيرًا؛ والتقدير: “إني رافِعُك ومُتوفِّيك”، أي: بعد النزول.
  3. رأي ابن جرير في أنّ المراد بالتّوفِّي هو: نفس الرفْع. والمعنى: أنّي قابضك من الأرض، ومُستوفيك ببدنك وروحك. ويُنسَب هذا التفسير إلى ابن زيد. وهو الذي حكاه ابن كثير عن مطر الوراق.

وهذه الأقوال الثلاثة مُتَّفقة على أنه رُفِع حيًّا، وإن كان بعضها أصحّ وأوْلى بالقبول من بعض. فأصحّها: الأوّل، وهو قول الجمهور، ويليه قول قتادة، ويليه قول ابن جرير.

وكلمة: “الوفاة”، كما تُطلَق على الموت، تطلق على النوم أيضًا، لأن معناها في اللغة من استيفاء الحق وافيًا، أي: كاملًا لا نقص فيه.

ولذا قال صاحب (القاموس): “أوفى فلانًا حقَّه: أعطاه وافيًا، كوفّاه ووافاه، فاستوفاه وتوفّاه”.

وقد جاءت في القرآن بمعنى: “النوم”، في قوله تعالى: {وَهُوَ الّذِي يَتَوَفّاكُم بِاللّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنّهَارِ ثُمّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىَ أَجَلٌ مّسَمّى ثُمّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمّ يُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأنعام: 60].

كما جاءت على المعنييْن في قوله تعالى: {اللّهُ يَتَوَفّى الأنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا وَالّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا فَيُمْسِكُ الّتِي قَضَىَ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الاُخْرَىَ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ} [الزُّمَر: 42].

فالمراد بالوفاة في الآية: النوم وليس الموت.

قال ابن كثير -رحمه الله-: “فأخبر تعالى أنّه رفعه -أي: عيسى عليه السلام بعد ما توفّاه بالنوم -على الصحيح المقطوع به- وخلّصه ممّن كان أراد أذيّته من اليهود الذين وشَوْا به إلى بعض الملوك الكفَرة في ذلك الزمان”.

الآية الثانية: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـَكِن شُبّهَ لَهُمْ وَإِنّ الّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّ مّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاّ اتّبَاعَ الظّنّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً (157) بَل رّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيماً} [النساء: 157، 158].

قال هراس -رحمه الله-: “فالآية صريحة في أنه رفَعَه حيًّا؛ لأنه ذكَر الرفع وأثبته مكان الذي نفاه من القتل والصّلب, ولو كان عيسى  قد مات في الأرض ودُفن.

وأنّ المراد بالرفع: رفعُ روحه أو منزلتهِ كما يزعم المنكرون، لما حسُن ذِكْر الرّفع في مقابل نفْي القتل والصلب؛ لأنّ الذي يناسب نفْي القتل والصلب عنه هو: رفْعه حيًّا لا موته، وإلاّ لقال: “وما قتلوه وما صلبوه، بل الله هو الذي أماته”.

وكيف يَتوهَّم مُتوهِّم أنّ المراد بقوله تعالى: {بَل رّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ} هو: رفْع روحه، وهو إنما ذُكر لإبطال ما زعموه من قتْله وصلْبه، ورفع الروح لا يُبطل القتْل والصّلْب بل يجامعهما؛ فإنهما لو قتلوه فرضًا، لرُفعت روحه إلى الله. على أن في إخباره عز وجل بأنه رفَعه إليه، ما يشعر باختصاصه بذلك؛ والذي يمكن أن يختص به عيسى هو: رفعه حيًّا بجسده وروحه؛ لأن أرواح جميع الأنبياء بل المؤمنين تُرفع إلى الله بعد الموت، لا فرْق بين عيسى وغيْره، فلا تظهر فيه الخصوصية”.

وحياته  ليست كحياة مَن على الأرض يحتاج إلى الطعام والشراب، ويخضع للسّنن والنواميس الكونيّة كسائر الأحياء، وإنما حياته حياة خاصّة عند الله عز وجل لا يشعر بالضرورات الجسدية من طعام أو شراب أو نحوهما.

2. جاءت آيات أيضًا تدل على نزوله إلى الأرض في آخر الزمان. من ذلك:

أ. قوله تعالى: {وَيُكَلّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصّالِحِينَ} [آل عمران: 46].

وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللّهُ يَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىَ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيّدتّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطّينِ كَهَيْئَةِ الطّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَىَ بِإِذْنِيِ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيّنَاتِ فَقَالَ الّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـَذَا إِلاّ سِحْرٌ مّبِينٌ} [المائدة: 110].

نقل الشيخ الهراس عن ابن جرير: أنّ عيسى كلّم الناس في المهد، وسيكلِّمهم إذا قتَل الدجال وهو يومئذ كهل. ثم قال: “وهذا الذي نقلناه عن ابن جرير، هو: قول عامّة أهل التفسير؛ كلّهم يفسِّرون الآية به، ويجعلونها دليلًا على نزول عيسى, وهذا هو الحق الذي لا مِرْية فيه؛ فإن قوله سبحانه: {وَكَهْلاً} معطوف على متعلّق الظرف قبْله، داخل معه في حُكمه. والتقدير: ويُكلّم الناس طفلًا في المهد، ويكلِّمهم كهلًا. فإذا كان كلامه في حال الطفولة عقِب الولادة مباشرة آية، فلا بدّ أنّ المعطوف عليه -وهو كلامه في حال الكهولة- كذلك، وإلاّ لم يُحْتَجْ إلى التنصيص عليه، لأن الكلام مِن الكهل أمْر مألوف معتاد، فلا يحسن الإخبار به، لا سيما في مقام البشارة؛ بل لا بدّ أنْ يكون المراد بهذا الخبر: أنّ كلامه كهلًا يكون آية ككلامه طفلًا، بمعنى: أنه سيُرفع إلى السماء قبل أن يكتهل، ثم ينزل فيبقى في الأرض إلى أن يكتهل ويكلِّم الناس  كهلًا. وقد ذهب جمهور المحدِّثين والمؤرّخين إلى أنه  رُفع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وأنه سيمكث في الأرض إذا نزل أربعين سنة، كما جاء في الحديث الصحيح”.

ب. قال الله تعالى: {وَإِنّهُ لَعِلْمٌ لّلسّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنّ بِهَا وَاتّبِعُونِ هَـَذَا صِرَاطٌ مّسْتَقِيمٌ} [الزُّخرُف: 61].

الصحيح: أن الضمير في قوله: {وَإِنّهُ لَعِلْمٌ} يعود على عيسى أي: أن خروجه مِن أعلام الساعة وأماراتها، لأنه ينزل قبيل قيامها.

والذي يدلّ على ذلك: أن سياق الآيات في ذِكْره، وصرْف الكلام عما هو في سياقه إلى غيْره بغير حُجّة غير جائز؛ ويؤيد هذا المعنى: القراءة الأخرى: {وَإِنّهُ لَعِلْمٌ لّلسّاعَةِ}، أي: أمارة ودليل على وقوع السّاعة.

ج. قال تعالى: {وَإِن مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} [النساء: 159].

قوله: {قَبْلَ مَوْتِهِ}: ذكَر العلماء فيها وجهيْن في عَوْد الضمير:

الأوّل: قبل موت عيسى عليه السلام.

الثاني: قبل موت الكتابيّ.

قال ابن جرير: “وأوْلى الأقوال بالصّحّة والصواب: قول مَن قال: تأويل ذلك: وإنّ مِن أهل الكتاب إلاّ لَيؤمنَنّ بعيسى قبل موت عيسى”.

وقال ابن كثير: “ولا شكّ أنّ هذا الذي قاله ابن جرير هو الصحيح، لأنه المقصود مِن سياق الآية في تقرير بطلان ما ادّعته اليهود مِن قتْل عيسى وصلْبه، وتسليم مَن سلّم لهم من النصارى الجهلة لذلك، فأخبر الله أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شُبِّه لهم، فقتلوا الشّبه وهم لا يتبيّنون ذلك. ثم إنه رفعه إليه، وإنه باق حيّ، وإنه سينزل قبل يوم القيامة -كما دلت عليه الأحاديث المتواترة- فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية؛ يعني: لا يقبلها مِن أحَد من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف. فأخبرت هذه الآية الكريمة أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ، ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم”.

قال عبد الله الغماري: “إنّ احتمال عوْد الضمير في: {مَوْتِهِ} على الكتابي ضعيف، واحتمال عوْده في: {مَوْتِهِ} على غير عيسى باطل. والاحتمالات الضعيفة والباطلة لا تنهض للحُجِّيّة، ولا تقوى للاستمساك؛ فتكون الآية الكريمة نصًا في حياة عيسى ونزوله بمعونة ما ذُكر. واللفظ يكون نصًا بنفسه تارة، وبما ينضم إليه من القرائن تارة أخرى، وليس كلّ احتمال في اللفظ يؤثِّر في نصِّيّته كما يتوهّم كثير ممّن لم يُحكموا قواعد علْم الأصول”.

وقد روى الإمام أحمد بسنده، من حديث أبي هريرة، ما يؤيِّد هذا التفسير.  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يَنزل عيسى بن مريم، فيقتُل الخنزير، ويمْحو الصليب، وتُجمع له الصلاة، ويُعطى المال حتى لا يقبل، ويضَع الخراج. ويَنْزِل الرّوحاء، فيحجّ منها، أو يعتمر، أو يجمعُهما)).

قال القائل -حنظلة-: وتلا أبو هريرة: {وَإِن مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} [النساء: 159] ؛ فزعم حنظلة أنّ أبا هريرة قال: يؤمن به قبل موته: عيسى، فلا أدري. هذا كلّه حديث النبي صلى الله عليه وسلم أو شيء قاله أبو هريرة.

3. وأمّا أحاديث نزوله  فقد نصّ العلماء على تواترها:

قال ابن كثير -رحمه الله- بعد ذِكْره الأحاديث الدّالة على نزوله، قال: “فهذه أحاديث متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن رواية أبي هريرة، وابن مسعود، وعثمان بن أبي العاص، وأبي أمامة، والنواس بن سمعان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومُجمِّع بن جارية، وأبي شُريح، وحذيفة بن أسيد, وفيها دلالة على صفة نزوله، ومكانه من أنه بالشام بل بدمشق عند المنارة الشرقية، وأنّ ذلك يكون عند إقامة صلاة الصّبح. وهذا إخبار مِن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وتقرير وتشريع وتسويغ له على ذلك في ذلك الزمان”.

وقال عبد الله الغماري، بعد أن استوعب كلّ ما ورد من أحاديث وآثار، وذكرها بطُرقها وأسانيدها: “فهذه ستّون حديثًا يرويها عن النبي صلى الله عليه وسلم ثمانية وعشرون صحابيًّا وثلاثة تابعين، بألفاظ مختلفة وأسانيد متعدِّدة، كلها تصرِّح بنزول عيسى  تصريحًا لا يحتمل تأويلًا”.

فأحاديث نزوله  ثابتة بالتّواتر المعنويّ، ولو كانت آحادًا؛ لوجب علينا التسليم لها، والإيمان بمضمونها متى ثبتت صحّتُها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن دلّت على عقيدة، خلافًا لمن أبى ذلك.

وأمّا زعْم شلتوت بأنها أحاديث مضطرِبة في متونها، منكَرة في معانيها:

أجاب عن ذلك عبد الله الغماري في ردّه عليه، فقال: “وهذا غير صحيح؛ فإنّ تلك الأحاديث أو الروايات -على حدّ تعبيره- كلّها متّفقة على الإخبار بنزول عيسى، وأنه يَقتل الدّجّال والخنزير، ويكسر الصليب… إلخ، ما جاء فيها. غاية ما في الأمر، أنّ بعضًا منها يفصّل وآخَر يُجمل، وبعضًا يوجِز وآخَر يُطنب؛ وهذا كما يفعل القرآن العظيم، إذ يورد القصة الواحدة في سُوَر متعدِّدة بأساليب مختلفة يزيد بعضها على بعض، بحيث لا يمكن جمْع أطراف القصة إلا بقراءة السُّوَر التي ذُكرت فيها. فلعلّ صاحب الفتوى ظنّ مثل هذا التخالف -الذي يقوّي شأن الحديث، ويدلّ على تعدّد مخارجه- تعارُضًا، فأخطأ، وأضعف خطأَه حيث ادّعى أنه لا مجال معه للجمْع بينها. وذلك أنه على فرض وجود تعارض، فالجمْع مُمكن لو أمعن فكْره، وأمضى نظره، وأخلص في بحثه؛ لكنه أرسل قوله بتعذّر الجمْع دعوى تتعثّر في أذيال الخجل”.

والزّعم بأنها ليست مُحكمَة الدّلالة؛ ولذا أوّلها العلماء قديمًا وحديثًا، زعْم لا أساس له مِن الصّحّة، ودعوة باطلة ليس لها ما يسندها؛ كيف وقد نصّت الأحاديث صراحة على نزوله,  ولم يأت ما يعارض ذلك تصريحًا أو تلميحًا، وأجمعت الأمّة على ما دلّت عليه.

وتأويل مَن أوّلها إنما هو تحريف وتبديل، وردّ للنصوص الثابتة الصريحة، ولا حُجّة في قوله.

يقول الشيخ أحمد محمد شاكر: “وقد لعِب المجدِّدون، أو المجرّدون في عصرنا الذي نحيا فيه، بهذه الأحاديث الدّالّة صراحة على نزول عيسى بن مريم  في آخِر الزمان قبل انقضاء الحياة الدنيا، بالتأويل المُنطوي على الإنكار تارة، وبالإنكار الصّريح أخرى! ذلك أنهم -في حقيقة أمْرهم- لا يؤمنون بالغيب، أو لا يكادون يؤمنون. وهي أحاديث متواترة المعنى في مجموعها، يُعلَم مضمونُ ما فيها من الدِّين بالضرورة، فلا يُجديهم الإنكار ولا التأويل”.

4. لا شك أنّ النصوص من القرآن والسّنّة دلّت على رفعه إلى السماء، وأنه حيّ بروحه وجسده، وأنه سينزل في آخر الزمان:

وانعقد الإجماع على ذلك، فوجب على كلّ مسلم أنْ يؤمن بما دلّت عليه تلك النصوص، وأن يجمع قلبه على اعتقاد ما جاء فيها. ومن المعلوم: أنّ إنكار ما ثبت مِن الدِّين بالضرورة يُعَدّ كفرًا.

قال الشيخ الشنقيطي: “يجب شرعًا اعتقاد أنّ عيسى صلى الله عليه وسلم لا زال حيًّا إلى الآن، وأنه لا بدّ أن ينزل في آخر الزمان، حاكمًا بشرع نبيّنا صلى الله عليه وسلم ومجاهدًا في سبيل الله تعالى، كما تواتر عن الصادق المصدوق. وإنما وجب اعتقادُ ذلك، لأن الله تعالى أخبر في كتابه العزيز بقوله: {وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـَكِن شُبّهَ لَهُمْ وَإِنّ الّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّ مّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاّ اتّبَاعَ الظّنّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً (157) بَل رّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} [النساء: 157، 158].

وقد وردت الأحاديث المتواترة كما سبق… ولم يصحّ حديث بموته تُمكن معارضته لما صحّ بالتواتر من نزوله في آخر الزمان. وإذا أخبر القرآن أنه رُفع ولم يُقتل، وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم لنا أنه سينزل في آخِر الزمان، وفصّل لنا أحواله بعد نزوله تفصيلًا رافعًا لكلّ احتمال… وجب اعتقاد ذلك على كلّ مسلم؛ ومن شكّ فيه فيكون كافرًا بإجماع الأمّة؛ لأنه ممّا عُلم مِن الدِّين ضرورة بلا نزاع، وكل إيراد عليه مِن الملاحدة والجهَلة باطلٌ لا ينبغي لكلّ مَن اتّصف بالعلْم أن يَلتفت إليه”.

وقال عبد الله الغماري، في ردِّه على شلتوت: “وبعد، فإني أرى أنّ كلّ مَن يُماري في هذا الأمر بعد هذا البيان، فإنه مُبتدِع ضالّ، إن لم يكن كافرًا -والعياذ بالله. فالواجب أن يُهجَر ويُجتنب. وليست المسألة مسألة خلاف يُعذر فيها المخالف، بل هي مسألة إجماع أجمعت عليه الأمّة وتواترت به النصوص، كما أنها من جنس الأخبار التي لا مجال فيها للرأي والاجتهاد”.

error: النص محمي !!