Top
Image Alt

الأدلة على وجوب العذر بالجهل

  /  الأدلة على وجوب العذر بالجهل

الأدلة على وجوب العذر بالجهل

قضية العذر بالجهل وإقامة الحجة وعدم تكفير المعين إلا بعد إقامة الحجة عليه من أعظم أصول أهل السنة والجماعة التي يختلفون بها عن أهل الضلالات والفرق المعادية للحق والصواب؛ فهم لا يسارعون في تكفير الناس حتى يقيموا عليهم الحجة وحتى يعذروهم، ومن هذه الأعذار الجهل على الرغم من أن الجهل مذموم، وينبغي أن يعلم أن القول بالعذر بالجهل ليس معناه الدعوة إلى الجهل أو أن الجهل له فضائل، بل الجهل مذموم كله ولا فضيلة له، ولا يعني الإعذار بالجهل الرضا به أو مهادنته كما يفهم ذلك، بل الأمر كما قال بعض السلف: ما عصي الله بذنب أقبح من الجهل.

وللعلم أيضًا ليس معنى أنه معذور بجهله أنه غير آثم، بل قد يأثم لتقصيره في تعلم ما يجب عليه من الأمور الواجبة، كما عذر عمر بن الخطاب الحبشية التي زنت مع جهلها بحرمة الزنا، ولكنه جلدها تعزيرًا؛ وذلك لتقصيرها في معرفة الحلال والحرام، كما عذر رضي الله عنه الصحابة الذين شربوا الخمر متأولين قول الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [المائدة: 93].

المقصود أن المسلم إذا وقع في شيء من الكفر العملي أو جهل شيء من توحيد المعرفة لا يكفر بذلك كفرا يخرجه من ملة الإسلام، والعذر بالجهل أمر نسبي إضافي بمعنى أن إنسانًا في ظروف معينة أو في زمان معين أو في مكان معين قد يعذر بجهله وفي غيره لا يعذر؛ ففي دار الإسلام حيث يستفيض العلم بالتوحيد وإقامة شعائر الإسلام وظهورها قد لا يعذر، وفي غيرها إذا غابت شمس الشريعة، وكان العلماء يلبسون على الناس دينهم، وتداخلت الأهواء ولعبت الفتن دورها، وأهل الحق قلة مغلبون وصوتهم لا يصل الناس كلهم؛ قد يعذر.

وفي هذا الوقت الذي يعيشه المسلمون في هذه الأيام من فراغ فكري لا يجد في المسلمون ما يشغلون به أوقاتهم مع جلهم بالدين يتيح الفرصة لأهل الأهواء والبدع لترويج بدعهم ونشر ضلالتهم، وساعدهم على ذلك غياب شمس الشريعة، واختلاف المناهج الإسلامية في الدعوة إلى الله تعالى، وعاطفة الشباب التي لا تضبطها مقاييس إسلامية صحيحة مستمدة من الكتاب والسنة الصحيحة؛ كانت هذه الظروف كالعوامل المساعدة للقائلين ببدعة تكفير المسلمين بغير بينة واضحة وأن يروجوا بعض آرائهم وأهوائهم، وكان عدم العذر بالجهل بمثابة الخطوة الأولى لتفكير المسلمين؛ وذلك لشيوع المخالفات في أمور التوحيد وغيرها نتيجة لجهل الناس بأمور دينهم، وعدم وجود من ينبهم إلى خطورة ما وقعوا فيه من أمور الشرك العملية، ومن ثم نبين أن أهل السنة والجماعة يعذرون بالجهل، وأن من وقع في أمر من أمور الجاهلية أو الأمور الشركية لا يكفر حتى تقام الحجة عليه؛ وذلك لعدم قطعية الدليل، وأن من ضلالات الخوارج ومن نهج نهجهم أنهم من أوجبوا على الناس أن يكونوا على درجة واحدة من العلم والمعرفة بأحكام الدين، وبلوغهم الحق بتفاصيله، وأنهم لا يعذرون الناس بالجهل، ولا يفرقون بين عموم ومعين، وهذا من ضلالات فرق الضلالة من الخوارج قديمًا ومن التكفير حديثًا.

وقد اختلف أهل المقالات فيمن خالف أمرًا من أمور الشريعة وهو جاهل بالمخالفة هل يأثم أم يعذر بجهله؟

أما المعتزلة ومن وافقهم وسار على منوالهم في العصر الحديث فقد قسموا الدين إلى أصول يكفر من خالف الشرع فيها ولو كان جاهلًا، وفروع يعذر فيها بالجهل، وقال غيرهم من الفقهاء بالعذر بالجهل في الفروع دون الأصول، وقال آخرون: بالعذر في الفروع والأسماء والصفات دون باقي الأصول، وهناك أقوال أخرى لباقي الفرق.

واتفق أهل السنة والجماعة والأئمة المشهورون المتبعون لهدي السلف الصالح رضي الله عنهم على أنه من ثبت له عقد الإسلام بالشهادتين أو بكونه ولد لأبوين مسلمين أو كانت ولايته للمسلمين منذ صغره قبل بلوغه الحلم؛ أنه لا يزول عنه حكم الإسلام من خالف الشريعة في أي أمر كان إلا إذا كان أمرًا مما حكم الشرع فيه بكفر صاحبه ويكون عالمًا بالشرع في هذا الأمر، أما من خالف الشرع مع الجهل فلا يأثم، بل يعذر بجهله سواء في الفرع كانت المخالفة أم في الأصل حتى تقام عليه الحجة بخطأ ما فعله، فإن عاد إليه بعد العلم به وإقامة الحجة عليه، تعد كافرًا مرتدًا عن الإسلام والعياذ بالله.

والأدلة على هذا من القرآن والسنة وكلام الأئمة:

أولًا: من القرآن الكريم: يقول الله عز وجل: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] وقال تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19].

 وفي الآيتين أكد الله عز وجل شرطين لا بد منهما حتى يؤاخذ الشخص المكلف بذلك، وهما الشرط الأول: بعثة الرسول ليبشر وينذر كما في الآية الأولى، الشرط الثاني: بلوغ نذارة الرسول إلى العباد كما في الآية الثانية، وهذا بعض القول لفهم العلماء لهاتين الآيتين.

يقول ابن تيمية -رحمه الله-: ولا يثبت الخطاب إلا بعد البلوغ لقوله تعالى: { لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ } وقوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} وقوله: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] ومثل هذا في القرآن متعدد بين سبحانه أنه لا يعاقب أحد حتى يَبْلُغه ما جاء به أو حتى يُبَلَّغه ما جاء به، ولا يعذبه الله على ما لم يبلغه، فإنه إذا لم يعذبه الله على ترك الإيمان إلا بعد بلوغ الحجة فإنه لا يعذب على بعض شرائعه إلا بعض البلوغ، يوضح ابن تيمية -رحمه الله- أن بلوغ الأحكام الشرعية إلى العباد شرط لإجراء العذاب عليهم فإذا ما جهلوا شرائع الإيمان جملة ولم تبلغهم فهم معذورون جملة، وإذا علموا بعضها وجهلوا البعض الآخر عوقبوا على ما بلغهم وعذروا على ما جهلوا.

وقال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] يقول ابن كثير -رحمه الله-: قال تعالى مخبرًا عن نفسه الكريمة وحكمه العادل أنه لا يضل قومًا إلا بعد إبلاغ الرسالة إليهم حتى يكون قد قامت عليهم الحجة، كما قال تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17] يقصد أن الله أقام عليهم الحجة بدعوتهم إلى الهدى وتبيينه لهم فاستحبوا العمى على الهدى فكان نصيبهم العذاب، والقاعدة الشرعية المعروفة هي أن المؤاخذة لا تكون بعد العلم بهذه الآية؛ أي أن المسلم لا يعتبر ضالًّا إلا إذا عرف الحق ثم زاغ عنه وكابر.

كما أورادها؛ أي الآية الإمام البخاري تحت باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم.

وقوله تعالى: {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} [الأنعام: 31] قال القرطبي: أي أننا فعلنا هذا بهم؛ أي إرسال الرسل لأني لم أكن أهلك القرى بظلمهم؛ أي بشركهم قبل إرسال الرسل إليهم فيقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير، فأي عذر فوق هذا أناس يشركون ولا يستحقون العذاب لا لشيء سوى عدم علمهم، فكيف بمن يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله وقد يصلون ويذكون ويفعلون من الصالحات الكثير ثم يجهلون بعض صور الشرك فيقعون فيها جهلًا، فهل يجوز لنا أن نحكم عليهم بكفر أو بشرك قبل أن نقيم عليهم حجة الله.

يقول الله تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] ومثلها قوله تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص: 47]. قال ابن كثير بعد سرد هذه الآيات وغيرها: إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى لا يدخل أحدا النار إلا بعد إرسال الر سل إليه.

وقال ابن القيم: الأصل الثاني أن العذاب يستحق بسببين؛ أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها، والثاني: العناد لها بعد قيامها، وترك إرادة موجبها، فالأول كفر إعراض والثاني كفر عناد. أما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل.

وقال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115] قال ابن كثير -رحمه الله-: وقوله: { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} أي: ومن سلك غير طريقة الشريعة التي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فصار في شق والشرع في شق، وذلك عند عمد منه بعدما ظهر له الحق وتبين له واتضح له، نعم فبعد ظهور الحق وبيانه واتضاحه عند إذا من يشاقق الحق أو يفعل خلافه حق عليه قوله تعالى: {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} أما قبل ذلك فلا, فما أوسع رحمة الرحمن.

ويقول تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف: 138] فهؤلاء قوم موسى جهلوا قدر الله عز وجل وما يجب أن ينزه عنه تعالى من المثيل والشريك، ولسنا نحن الذين نقول بجهلهم هذا إنما هو قول موسى عليه السلام لهم، قال: { إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } وقال تعالى: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة:112، 113].

فهؤلاء الحواريون الذين أثنى الله عليهم قد قالوا لعيسى عليه السلام جهلًا منهم { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } كما أرادوا أن يجعلوا منها دليلًا على صدق رسالته وحجة على نبوته، فيشهدون له بعد ذلك، ولم يبطل إيمانهم بذلك، وقد رام البعض الخلاص من هذا الدليل فقالوا إن الآية وارد فيها قراءة أخرى “هل تستطيع ربك”؛ “تستطيع” بالتاء و”ربك” بفتح التاء بمعنى هل يطيعك ربك إن سألته؟ أو هل تستطيع يا عيسى أن تسأل ربك؟

ومع التسليم بصحة هذه القراءة الأخيرة فإن القاعدة الأصولية الواجبة الاتباع أنه إذا كان للآية أكثر من قراءة صحيحة ثابتة، وجب الأخذ به واعتبار المعنى الذي تدل عليه كل قراءة إذ ما دامت القراءات كلها ثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم فكلها قرآن موحى به من الله عز وجل، وليس قرآن بأولى من قرآن، وليست قراءة أولى من قراءة، ومؤدى الأخذ بمعنى قراءة دون قراءة أخرى إبطال أحد القراءتين في ذلك لبعض القرآن، وإذ القراءة صحيحة بالاتفاق فوجب الأخذ بموجبها واعتبار دلالة معناها، وفي هذا القدر من الأدلة القرآنية كفاية.

ثانيًا: من السنة النبوية الكريمة:

عن ابن مسعود رضي الله عنه  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لاَ أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلاَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ وَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ)). وفي وراية أخرى ((من أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه)) إعذار الناس بإرسال الرسل إليهم وقيام الحجة بذلك بما يحبه الله حبا لا يدانيه في بشر، وإذا كان الله لا يعذبه على ترك الإيمان إلا بعد بلوغ الحجة فإنه لا يعذبه على بعض شرائعه إلا بعد بلوغ الحجة.

ومن أدلة السنة حادثة ذات أنواط:

عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: ((خَرَجَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قِبَلَ حُنَيْنٍ ونحن حديثي العهد بالكفر فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ -أي: شجرة- يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لهم ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: اللَّهُ أَكْبَرُ إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ} قال: إنكم قومًا تجهلون لتَرْكَبُونَ سُنَنَ مِنْ كان قَبْلِكُمْ شبرًا بشبر وذارع بذراع حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدختلموه)).

ويستفاد من هذه الحادثة الآتي:

إن بعض الصحابة جهلوا أمر من أمور الشرك وهو التبرك بشجرة يضعون عليها أسلحتهم لتجلب لهم النصر، ومع ذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم عذرهم؛ لأنهم كانوا يجهلون الأمر، وكذلك كل من جهل أمرًا من أمور الشرك فهو معذور بجهله، وأن العبرة في العذر بالجهل أو عدمه هي بلوغ العلم وليس إمكانيته؛ لأن إمكانية التعليم لن تكون في عصر مثلما كانت في عصر النبي صلى الله عليه وسلم من يفرق بين الحكم بالكفر أو بالشرك على شخص وبين التغليظ عليه بالقول حتى ينزجر وينتهي، فالنبي صلى الله عليه وسلم رغم أنه لم يكفر الصحابة وعذرهم بجهلهم إلا أنه أغلظ في القول عليهم فقال: ((اللَّهُ أَكْبَرُ إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ })).

ولا فرق بالعذر والجهل بين دار الإسلام ودار الكفر ما دام الشخص يجهل فهذه الواقعة كانت في السنة الثامنة في الهجرة، وكانت للنبي صلى الله عليه وسلم دولة ممكنة، وأن الصحابة رضي الله عنهم جهلوا صورة من صور الشرك ولم يجهلوا أصل الشرك وهو اتخاذ إله آخر غير الله يعبد من دونه، وشتان بين الأمرين فجاهل صور الشرك معذور بالجهل وجاهل أصل الشرك كافر، وأما قول الصحابي راوي الحديث ونحن حديثي عهد بكفر، فمعناه أن أغلبهم كذلك وليس جميعهم؛ لأنه هو نفسه ممن شهد بدرًا على الأصح، وبدر في السنة الثانية من الهجرة، وبين بدر وحنين ست سنوات؛ وعليه فلا يجوز حمل الحديث على حديث العهد بالكفر فقط دون غيره، بل كل جاهل فهو معذور بجهله.

وهنا نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر عليهم مجرد مشابهتهم للكفار من اتخاذ شجرة يعكفون عليها معلقين عليها أسلحتهم، فكيف بما هو أطم من ذلك من مشابهة المشركين فهو شرك بعينه، فجعل الإمام ابن تيمية فعلهم بدعة غير مكفرة لا أنها شرك جهلوه فعذرهم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن الأدلة في السنة حادثة سجود معاذ للنبي صلى الله عليه وسلم: عن عبد الله بن أبي أوفى قال: ((لَمَّا قَدِمَ مُعَاذ مِنْ الشَّام سَجَدَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُعَاذ؟ فقَالَ: أَتَيْت الشَّام فَوَافَيْتهمْ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَبَطَارِقَتهمْ, فَوَدِدْت فِي نَفْسِي أَنْ أفْعَل ذَلِكَ بِك! فَقَالَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم: فَلَا تَفْعَله, فإني لو كُنْت آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُد لِغَيْرِ اللَّه لَأَمَرْت الْمَرْأَة أَنْ تَسْجُد لِزَوْجِهَا)).

وفي هذا الحديث دلالة على أن من سجد جاهلًا لغير الله لم يكفر، لو سجد رجلا لرجل على أن هذا من الدين فهو لا يكفر حتى يبين له، وأن العلماء يجوز عليهم الجهل وإن جهلوا عذروا كغيرهم، وهل هناك في هذه الأيام من هو في علم معاذ الذي هو أعلم الأمة بالحلال والحرام، وأن سجود معاذ كسجود إخوة يوسف ليوسف والفارق في جواز أحدهما والمنع من الآخر هو إباحة السجود في شريعة يوسف عليه السلام وتحريمه في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ولولا العذر بالجهل لكفر معاذ.

قال ابن كثير: والغرض أن هذا كان سائغًا في شريعتهم.

ومن الأدلة في السنة حادثة الرجل الذي ذر نفسه عن أبي هريرة رضي الله عنه  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رجلٌ لم يعمل خيرًا فإذا مات فحرقون وذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبني عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين، فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر الله البر فجمع ما فيه، ثم قال: لما فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم، فغفر له)).

ويستفاد من هذا الحديث أن هذا الرجل شك في قدرة الله تعالى جهلًا فعذر بجهالته، قال ابن تيمية: فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك فكل واحد قال بها بإنكار قدرة الله وإنكار إعادة الأبدان وإن تفرقت كفر، لكنه كان مع إيمانه بالله عز وجل وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهل بذلك ضالًّا في هذا الظن مخطئًا، فغفر الله له بذلك، ولذلك لا يكفر العلماء من استحل شيئًا من المحرمات لقرب عهده بالإسلام أو لنشأته ببادية بعيدة فإن حكم الكفر لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة، وكثير من هؤلاء قد لا تكون بلغته النصوص المخالفة لما يراه، ولا يعلم أن الرسول بعث بذلك فيطلق أن هذا القول كفر ويكفر من قامت عليه الحجة دون غيره.

وقال ابن تيمية أيضًا: فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه فغفر الله له بذلك، والمتأول من أهل الاجتهاد والحريص على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بالمغفرة من مثل هذا.

وابن تيمية كان يكثر من الاستدلال بهذا الحديث على أن الجاهل لا يعذب إلا بعد إقامة الحجة عليه، وكذا أبو محمد بن حزم ولذلك فهو يقول أيضًا: فهذا إنسان جهل إلى أنه إذا مات أن الله عز وجل لا يقدر على جمع رماده وإحيائه، وقد غفر له لإقراره وخوفه وجهله.

وكان ابن تيمية -رحمه الله تعالى- يقول: هذا مع أني دائمًا ومن جالسني يعلم ذلك مني أني من أعظم الناس نهيًا عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة وفاسقًا أخرى وعاصيًا أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية والعملية.

فهذا شيخ الإسلام يبين أن الجاهل يعذر في المسائل الخبرية، وهي مسائل الاعتقاد، وكذا في مسائل العمل أيضًا إذا أحدث عملًا مخالفًا للشريعة، فهذا نقل جلي واضح في عدم إكفار من أتى شركًا وهو في الأصل من هذه الأمة إذا كان جاهلًا وظنه من المشروع إلا بعد قيام الحجة الواضحة عليه بهذا.

ومن الأدلة في السنة: حديث عائشة < قالت: ألا أحدثكم عني وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلنا: بلى، قَالَتْ: ((لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِيهَا عِنْدِي انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ فَاضْطَجَعَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنْي قَدْ رَقَدْتُ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا وَفَتَحَ الْبَابَ رويدًا فَخَرَجَ ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي وَاخْتَمَرْتُ وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ انْحَرَفَ فَانْحَرَفْتُ فَأَسْرَعَ فَأَسْرَعْتُ فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ فَسَبَقْتُهُ فَدَخَلْتُ فَلَيْسَ إِلَّا أَنْ اضْطَجَعْتُ فَدَخَلَ، فَقَالَ: مَا لَكِ يَا عَائِشُة حَشْيَا رَابِيَةً؟)) أي: أن صدرك يربوا ويهيج ويرتفع وذلك مما تعرضت له للسرعة في المشي حتى تدخل قبل النبي صلى الله عليه وسلم فارتفع نفسها وتوتر أمرها، ((مَا لَكِ يَا عَائِشُة حَشْيَا رَابِيَةً؟ قَالَتْ: قُلْتُ: لَا شَيْءَ، قَالَ: لَتُخْبِرِينِي أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ أَمَامِي؟ قُلْتُ: نَعَمْ فَلَهَدَنِي فِي صَدْرِي لَهْدَةً أَوْجَعَتْنِي، ثُمَّ قَالَ: أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ، قَالَتْ: قلت: مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ، نَعَمْ)) وذكرت الحديث.

قال ابن تيمية -رحمه الله-: فهذه عائشة أم المؤمنين < سألت النبي صلى الله عليه وسلم هل يعلم الله كل ما يكتم الناس؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ((نعم)) فهذا يدل على أنها لم تكن تعلم ذلك، ولم تكن قبل معرفتها بأن الله عالم بكل شيء يكتمه الناس كافرة معاذ الله، وأن الإقرار بذلك بعد قيام الحجة من أصول الإيمان، وإنكار علمه بكل شيء كإنكار قدرته على كل شيء.

ومن الأدلة في السنة: حادثة إنكار ابن مسعود للمعوذتين، عن ذر بن حبيش قال لأبي بن كعب: “إن ابن مسعود لا يكتب المعوذتين في مصحفه”، وذكر الحديث، وإنكار شيء من القرآن كفر، ولكن ابن مسعود جهلًا منه بهاتين السورتين لم يكتبهما في مصحفه دلالة إنكارهما، ومع ذلك فهو معذور بجهله، كما يقسم الرجل أن هذه الآية أو تلك السورة ليست من القرآن فهو لا يكفر إنما يعذر بجهله، ولو أنه أنكر ذلك ولو آية بل حرف عن علم منه بقصد واضح ما كان هناك شك في كفره، فالذي ينكر حرفا واحد من القرآن فهو كافر، ولكن إذا كان جاهلًا فلا يكفر فترى الإمام يخطئ فيصوب له فيستمر على خطئه ظنًّا منه أنه على الحق فهو معذور، فإن رجع إلى المصحف أو أخبره بذلك من القراء من تقوم الحجة بخبره، فرجع عن خطئه لا يعد عند أحد من الأئمة كافرًا ولا آثمًا، فإن تمادى على مكابرته فهو بذلك كافرًا لا محالة.

ومن الأدلة في السنة: حادثة ما شاء الله وشئت: فعن ابن عباس رضي الله عنهما: ((أن رجل جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال له: ما شاء الله وشئت؛ فقال: أجعلتني لله ندًّا، قل: ما شاء الله وحده)).

ووجه الدلالة من الحديث أن الرجل قال قولًا كفريًّا، وهو أنه سوى بين مشيئة الله ومشيئة النبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك لم يكفر، بل عذره النبي صلى الله عليه وسلم لجهله ووضح له الصواب.

ومن الأدلة في السنة: عن حذيفة رضي الله عنه  أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، فيقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها، فقال صلة بن ظفر لحذيفة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة فردها عليه ثلاثًا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة تنجيهم من النار تنجيهم من النار تنجيهم من النار)).

ووجه الدلالة من الحديث أن هؤلاء الذين لا يعرفون سوى لا إله إلا الله قد جهلوا كل أمور الدين؛ ومع ذلك عذروا ومع ذلك لم يكفروا ومع ذلك تنجيهم من النار.

قال ابن تيمية: وفي أوقات الفترات وأمكنة الفترات يثاب الرجل على ما معه من إيمان قليل ويغفر الله فيها لمن لم تقم الحجة عليه، ولا يغفر به لمن قامت الحجة عليه، كما في الحديث المعروف ثم ذكر الحديث، والحديث ظاهر في العذر بالجهل، عندما يرفع العلم ويفشو الجهل ولا يعرف الناس من الإسلام غير كلمة التوحيد وهم لا يدرون بعد ذلك بقية الشرائع.

ومن الأدلة في السنة: عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا هَذَا الشِّرْكَ فَإِنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، فَقَالَ ما شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، فقيل: وَكَيْفَ نَتَّقِيهِ وَهُوَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا نَعْلَمُهُ وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا نَعْلَمُ)).

ووجه الدلالة من الحديث أن هناك من الشرك الأصغر أمور نقع فيها ولا تعد شركا، بل نعذر فيه بالاستغفار.

 ومن الأدلة في السنة: حديث الرجل الذي شهد على نفسه بالزنا، فعن سليمان بن يزيد عن أبيه قال: عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ((جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: طَهِّرْنِي، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: وَيْحَكَ ارْجِعْ َاسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَتُبْ، قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ الرَّابِعَةُ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟ قَالَ: مِنْ الزِّنَا، قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَبِهِ جُنُة؟ فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ)) وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم((أرسل إلى قومه، فقال: تعلمون أن بعقله بأسًا تنكرون منه شيئًا؟ فقالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا، قال صلى الله عليه وسلم: أَشَرِبَ خَمْرًا؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ فَلَمْ يَجِدْ رِيحَ خَمْرٍ فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَزَنَيْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ)) وفي رواية ابن عباس للواقعة: أنه قال صلى الله عليه وسلم لماعز: ((ويحك لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت، قال: لا، بل زنيت)) وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم: ((أتدري ما الزنا؟ قال: نعم أتيت منها حرامًا مثلما يأتي الرجل من أهله حلالًا، فأمر صلى الله عليه وسلم به فرجم)).

فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتثبت قبل إنفاذ الحكم الشرعي من صحة إقرار المقر، والإقرار هو سيد الأدلة وأقوها، وكل دليل آخر دونه في القوة، ويتأكد من فهم المقر للمعنى الشرعي لكلمة الزنا، وأنه غير جاهل به ولا مخطئ فيه، كما تثبت من سلامة عقله وأنه حال إقراره عالم عاقل لما يقر ويعترف به لا يشوب عقله آفة دائمة كالجنون أو عارضة طارئة كالسكر.

ووجه الدلالة واضح أن هذا الرجل وجب عليه الحد لعلمه بحرمة الزنا، فأما الجاهل بحرمته فهو معذور بجهلانه.

قال ابن القيم: إن الحد لا يجب على الجاهل بالتحريم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم سأله عن حكم الزنا، فقال: “أتيت منها حرامًا ما يأتي الرجل من أهله حلالًا”.

إلى غير ذلك من الأدلة الواردة في السنة فهذه الأحاديث أي من بعد الآيات وردت في العذر بالجهل، وهناك غيرها كثير لكن نكتفي بما ذكرنا خشية الإطالة والممل.

وأما من الوقائع وكلام الأئمة: فهذه بعض الأحداث التي وقعت في الرعيل الأول صحابة النبي صلى الله عليه وسلم خير القرون والتابعين وكبار فقهاء الأمة، وقد جهلوا أحكامًا في الدين، فهذا أول الخلفاء الراشدين أبو بكر الصديق رضي الله عنه  جهل حكم إجلاء اليهود والنصارى والمجوس عن جزيرة العرب طوال سنوات خلافته، ومات رضي الله عنه  وهو مقر لهم بها وتابعه على ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب سنوات من خلافته حتى بلغه أمر النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فأجلاهم عنها، واستقر إجماع المسلمين منذ ذلك التاريخ على أنه لا يجتمع بجزيرة العرب دينان، ولم يختلف أحد في أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لم يعصيا بذلك.

وأيضًا فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه  لم يعرف فرض ميراث الجدة وعرفه محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة، وقد سأل أبو بكر عائشة كم كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكذلك فإن أبا بكر سبى نساء المرتدين فلما كان ولاية عمر رضي الله عنه  رأى ومن معه من الصحابة عدم جواز ذلك، واستقر الرأي منذ ذلك الوقت على أن امرأة المرتد لا تسبى، ولم يقل أحد أن أبا بكر رضي الله عنه  قد أثم لما فعل.

وهذا عمر بن الخطاب استغلق عليه فهم أية الكلالة، وكرر سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معناها حتى عنفه رسول الله صلى الله عليه وسلم لكثرة سؤاله وأخبره عمر أنه لا يفهمها.

وأيضًا فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه  لما بلغه القول بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم هب قائلًا: “والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يموت حتى يكون آخرنا” أو كلام في هذا معناه، حتى قرأت عليه {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ } [الزمر: 30] فسقط السيف من يده وخر إلى الأرض وقال كأني والله لم أكن قرأتها ألبتة، ثم هو يتوجه الغداة إلى المسجد وقد اجتمع الناس لمبايعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه فلما استوى أبو بكر على المنبر قام عمر فشهد قبله، ثم قال: “أما بعد؛ فإني قلت لكم بالأمس مقالة، وإنها لم تكن كما قلت، وإني والله ما وجدت المقالة التي قلت لكم في كتاب الله ولا في عهد عهده إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني كنت أرجو أن يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يدبرنا، فاختار الله لرسوله الذي عنده على الذي عندكم وهذا الكتاب الذي هدى به رسوله فخذوا به تهتدوا بما هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

فهذا عمر رضي الله عنه  في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حضور جميع الصحابة يقول أنه قال قولًا ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكم حكمًا ليسا فيهما، وأنه أخطأ فيما قال.

وقد ثبت وصح عن جميع أهل العلم أن المسلمين كانوا بأرض الحبشة وبأقصى جزيرة العرب فنزل الأمر على رسوله صلى الله عليه وسلم بما لم يكن فيه قبل ذلك؛ أمر كالصوم والزكاة وتحريم ما لم يكن حرام كالخمر وإمساك المشركات، فلا شك أن لم يأثم أحد منهم بتماديه على ما لم يعلم نزول الحكم فيه.

وكذلك كان ينزل الأمر مما تقدم فيه حكمًا بخلاف الأمر النازل كتحويل القبلة عن بيت المقدس فلا شك أنهم لم يأثموا ببقائهم على العمل المنسوخ، وخفي على الأنصار وعلية المهاجرين كعثمان وعلي وطلحة والزبير وحفصة وجوب الغسل من الإيلاج إلا أن يكون أنزل، وخفي على كثير من الصحابة وفقهاء المدينة نسخ الوضوء مما مست النار، أما التابعون ومن جاء بعدهم من فقهاء الأمصار فاختلافاتهم أشهر وأكثر من أن تعرف أو تعد، وقد أقروا بجهلهم ببعض الشرائع.

وكلام الأئمة في قضية العذر بالجهل واضح في هذه المسالة إنه كلام يؤكد إقامة الحجة.

error: النص محمي !!