Top
Image Alt

الأدلة من السنة على تحقّق رؤية الله في الآخرة، والجواب عن شُبه المعتزلة

  /  الأدلة من السنة على تحقّق رؤية الله في الآخرة، والجواب عن شُبه المعتزلة

الأدلة من السنة على تحقّق رؤية الله في الآخرة، والجواب عن شُبه المعتزلة

أ. الأدلة مِن السّنّة النبويّة على تحقّق رؤية الله في الآخرة:

الأدلّة مِن السُّنّة التي تدلّ على رؤية الله في الآخرة كثيرة متوافرة، بلغتْ حدّ التواتر، في الصِّحاح والسّنن والمسانيد؛ وقد اعتنى يجمْعها أئمة، كالدارقطني، وأبي نُعيم، وأبي بكر الآجري، وغيرهم… وقد رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ثلاثين صحابيًّا، ونصّ على تواترها جماعةٌ مِن الأئمّة.

مِن تلك الأحاديث:

ما رواه البخاري، بسنده إلى جرير، قال: ((كنّا جلوسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، قال: إنكم سترَوْن ربّكم كما ترَوْن هذا القمر، لا تَضامُّون في رؤيته؛ فإن استطعتم أنْ لا تُغلَبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروب الشمس، فافعلوا!)). وفي رواية عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنكم سترَوْن ربّكم عِيانًا)). وروى بسنده إلى أبي هريرة: ((أنّ الناس قالوا: يا رسول الله. هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تُضارّون في القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا، يا رسول الله. قال: فهل تُضارّون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، يا رسول الله. قال: فإنكم ترونه كذلك))، الحديث.

وروى بسنده إلى أبي موسى الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((جنّتان مِن فضّة آنيتهما وما فيهما، وجنّتان مِن ذَهَب آنيتهما وما فيهما، وما بيْن القوم وبيْن أنْ ينظروا إلى ر بهم إلاّ رداء الكبرياء على وجهه في جنّة عدْن)).

ب. الجواب عن شُبه المعتزلة حول أحاديث الرؤية:

1. زعمُهم أنه يُفيد التّشبيه:

يردّ عليه: نص الحديث فقد قال صلى الله عليه وسلم: ((إنّكم سترَوْن ربكم كما ترَوْن القمر))، فلمْ يُشبِّه الله عز وجل بالقمر، وإنما شبَّه رؤيته برؤية  القمر؛ فـ(كاف التشبيه) دخلت على (ما) المصدرية أو الموصولة، بـ((تَرَوْن)) التي تتأوّل مع صلتها إلى المصدر الذي هو: الرؤية. فيكون بذلك قد شبّه الرؤية بالرؤية، لا المرئيّ بالمرئيّ.

2. زعْمهم بوجوب القطع على أنه صلى الله عليه وسلم لمْ يَقُلْه، وأنه كُذِب عليه:

يجاب عنه بما يلي:

أولًا: لقد تظاهرت أدلة الكتاب والسّنّة، وأجمع الصحابة والذين مِن بعْدِهم على إثبات رؤية الله في الآخرة للمؤمنين.

ثانيًا: إنّ الأحاديث التي دلّت على ثبوت الرؤية تبلغ حدّ التواتر، أخرجها أصحاب الصّحاح والسّنن والمسانيد، واعتنى بجمعها أئمّة من العلماء، كالدارقطني، وأبي نعيم الأصبهاني، وأبي بكر، والآجري، وغيرهم الكثير…

قال الحافظ ابن حجر: “جمع الدارقطني طُرق الأحاديث الواردة في رؤية الله تعالى في الآخرة، فزادت على العشرين. وتتبّعها ابن القيّم في (حادي الأرواح)، فبلغت الثلاثين؛ وأكثرها جياد. وأسند الدارقطني عن يحيى بن معين، قال: “عندي سبعة عشر حديثًا في الرؤية صِحاح”.

ثالثًا: لقد تلقّى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان، وسلَفُ الأمّة وأئمتها، أحاديث الرؤية بالقبول وعدم الإنكار، واتّفق عليها أهل السّنّة والجماعة.

وقد ذكر النووي -رحمه الله-: أنّه رواها نحو مِن عشرين صحابيًّا. وعدّ ابن القيم -رحمه الله- مَن رواها فبلغوا سبعة وعشرين رجلًا مِن الصحابة . بل لمْ يُروَ عن أحد منهم نفيُ حديث منها، فكانوا على إثباتها مجتمعين متّفقين.

قال عليّ بن المديني: “سألت عبد الله بن المبارك عن رؤية الله تعالى، فقال: ما حجب الله عز وجل أحدًا إلاّ عذّبه، ثم قرأ: {كَلاّ إِنّهُمْ عَن رّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لّمَحْجُوبُونَ (15) ثُمّ إِنّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ} [المطفِّفين: 15- 17]، قال: الرؤية.

فقلت له: يا أبا عبد الله، إنّ عندنا قومًا مِن المعتزلة يُنكرون هذه الأحاديث: ((إن الله ينزل إلى سماء الدنيا))، و((أهل الجنة يرَوْن ربّهم))! فحدَّثَني بنحو عشرة أحاديث في هذا، وقال: أمّا نحن، فقد أخذْنا دينَنا هذا عن التّابعين، والتابعون أخذوه عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهُم عمّن أخذوه؟!.

وقال عباد بن العوام: “قدم علينا شريك، فقلنا: إنّ قومًا يُنكرون هذه الأحاديث: ((إنّ الله ينزل إلى السماء الدنيا))، والرؤية، وما أشبه هذه الأحاديث! فقال: “إنما جاءنا بهذه الأحاديث مَن جاءنا بالسّنن في الصلاة والزكاة والحج. وإنما عرفْنا الله بهذه الأحاديث”.

وقال حنبل: “قلت لأبي عبد الله -يعني: أحمد- في الرؤية. قال: “أحاديثُ صحاح، نؤمن بها ونُقرّ. وكل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بأسانيد جيّدة نؤمن به ونُقِرّ”.

وقال ابن القيم -رحمه الله- في أحاديث الرؤية: “فإنّ الذي جاء بهذه الأحاديث هو الذي جاء بالقرآن والشريعة، والذي بلّغها هو الذي بلَّغ الدِّين، فلا يجوز أن يُجعل كلام الله ورسوله عِضِين، بحيث يؤمن ببعض معانيه ويَكْفر ببعضها؛ فلا يجتمع في قلب العبد بعد الإطلاع على هذه الأحاديث وفهْم معناها، إنكارُها والشهادة بأنّ محمدًا رسول الله أبدًا”.

3. قول عبد الجبار: “وإن قال، فإنه قاله حكاية عن قوم، والراوي حذف الحكاية ونقَل الخبَر”.

الجواب: أنّ هذه مجرّد دعوى لا تَستند على دليل، ولم تَرِد في رواية مِن روايات الحديث المتعدِّدة؛ فإنها لو كانت صحيحة لذُكرت ولو مرة واحدة في طريق مِن طُرقه، فدلّ ذلك على بطلانها.

4. وأمّا طعنهم في قيس بن أبي حازم، راوي حديث جرير الحديث الأول

فإنه يردّ عليه بالآتي:

أولًا: أنّ قيسًا -رحمه الله- مِن ثقات رواة الحديث، وقد وثّقه جهابذة العلماء، وإليك طرفًا مِن أقوالهم فيه:

وصَفه الذهبي -رحمه الله- فقال: “العالِم الثِّقة الحافظ: أبو عبد الله البجليّ… أسلم وأتى النبي صلى الله عليه وسلم ليُبايعه، فقُبضَ نبي الله وقيس في الطريق. ولأبيه حازم صحبة. وقيل: إنّ لقيس صحبة، ولم يثبت ذلك. وكان مِن علماء زمانه.

وقال سفيان بن عيينة -رحمه الله-: “ما كان بالكوفة أحدٌ أرْوى عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن قيس بن أبي حازم”.

وقال أبو داود -رحمه الله-: “أجوَد التابعين إسنادًا قيس”.

وقال يحيى بن معين -رحمه الله-: “قيس بن أبي حازم أوْثق مِن الزهري، ومِن السائب بن يزيد”. وكذا وثقه غيْر واحد.

ثانيًا: أخرج له البخاري، ومسلم، وبقيّة أصحاب الكتب السّتّة، وغيْرهم… ولو كان مطعونًا فيه، لما أخرج له صاحبا (الصحيحيْن) في أصولهما.

ثالثًا: حديث قيس السابق، أخرجه البخاري في صحيحه، ويكفي ذلك لصحته وتوثيق رواته، وهو القائل:”ما أدخلت في كتاب (الجامع) إلاّ ما صحّ”.

رابعًا: لم ينفردْ قيس عن جرير بذكْر الرؤية، وإنّما تواترت الأحاديث عن جمْع من الصحابة، منهم: أبو سعيد، وأبو هريرة، وأنس، وصهيب، وبلال، وغير واحد.

خامسًا: إنّ قيسًا -رحمه الله- لم يكن يَحمل على عليّ رضي الله عنه كما يدّعي عبد الجبار، بل المشهور عنه أنه كان يقدِّم عثمان عليه؛ وهذا قول جمهور أهل السّنّة، وكافة أهل الحديث والفقه؛ فإنهم يقدِّمون عثمان على عليّ رضي الله عنه. وفي ذلك قول ابن عمر: “كنا نخيِّر بين الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم: فنخيِّر أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنه”. فلم يأتِ قيس بمنكر من القول حتى يكون سببًا للطّعن فيه.

5. قولهم بأنه خبَر آحاد، وهو لا يقتضي العلْم، والرؤية طريقها القطع والثبات:

كونه خبر أحاد، وخبر الآحاد لا يقتضي العلْم:

فالجواب: هذه شُبْهة باطلة، وقد تقدم الحديث عنها والرد عليها.

وأمّا كون الرؤية طريقها القطع والثبات:

فالجواب: بأنّ أحاديث الآحاد الصحيحة كافية في إثبات العقائد، إضافة إلى ما سبق ذكْره  مِن أنّ أحاديث الرؤية تواترت تواترًا معنويًّا؛ فبطلت بذلك شبهة أهل الاعتزال مِن جميع الأوجه.

6. زعمهم بأنه مُعارَض بأخبار رُويت، منها:

  • ما رواه أبو قلابة، عن أبي ذر، أنه قال: ((قلت للنبي: هل رأيت ربك؟ فقال: نور، أنّى أراه؟))، أي: أنور هو؟! كيف أراه؟!.

ب.عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لن يرى اللهَ أحدٌ في الدنيا، ولا في الآخرة”.

الجواب:

أ. بالنسبة لرواية أبي ذر: أخرجها مسلم -رحمه الله- عن أبي ذر، بطريقيْن: قال صلى الله عليه وسلم في الرواية الأولى: ((نورٌ أنّى أراه؟))، وفي الثانية: ((رأيت نورًا)).

قال النووي: “أمّا قوله صلى الله عليه وسلم: ((نورٌ أنّى أراه؟))، فهو بتنوين ((نورٌ))، وبفتح الهمزة في: ((أَنَّى)) وتشديد النون وفتْحها. وأراه بفتح الهمزة، هكذا رواه جميع الرواة في جميع الأصول والروايات.

ومعناه: حجابهُ نور؛ فكيف أراه؟!.

قال الإمام أبو عبد الله المازري -رحمه الله-: الضمير في: ((أرَاهُ)): عائد على الله سبحانه وتعالى ومعناه: أن النور مَنَعَني مِن الرؤية، كما جرت العادة بإغشاء الأنوار الأبصار ومنْعها مِن إدراك ما حالت بيْن الرائي وبيْنه. وقوله صلى الله عليه وسلم: ((رأيتُ نورًا))، معناه: رأيت النورَ فحسب، ولم أرَ غيْره.

ولكن عبد الجبار لم تَطِبْ لنفْسه روايةُ الحديث كما جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم بل أبَتْ بِدْعتُه إلاّ أن تحمله على تحريفها، ثم تفسيرها تفسيرًا يلائم تلك البدعة.

وحديث أبي ذرّ لا يُعارض حديث جرير السابق، لأن حديث أبي ذر يتعلّق بموضوع رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربّه ليلة المعراج؛ فإنّه نفَى صلى الله عليه وسلم أن يكون قد رأى ربَّه بعينَيْ رأسه، والذي منعه مِن ذلك: النورُ، وهو: الحجاب المذكور في رواية أبي موسى  عندما قال:

“قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمْس كلمات، فقال: ((إنّ الله عز وجل لا ينام، ولا ينبغي له أنْ ينام، يخفِض القِسْط ويرْفعُه، يُرفع إليه عمَلُ الليل قبْل عمَل النهار، وعملُ النهار قبْل عمَل الليل. حجابه: النور -وفي رواية: ((النّار))- لو كشَفَه لأحرقت سُبُحاتُ وجْهه ما انتهى إليه بصرُهُ مِن خلْقه)).

فقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فأنّى أراه؟))، أي: فكيف أراه، والنور حجاب بيني وبينه يمنعني مِن رؤيته.

ب. وأمّا رواية جابر، فإنها لم تُروَ بهذا اللفظ عن أحد مِن أئمة الحديث.

وإنّما الذي ورد عند مسلم، من حديث الدّجّال، عنه صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((تعلّموا أنه لن يَرى أحدٌ منكم ربَّه عز وجل حتى يموت)).

فزيادة: “ولا في الآخرة”: زيادة مُنكَرة، لم ترد في الحديث، بل هي موضوعة، أُريد بها مناهضة الأدلّة الثابتة في إثبات الرؤية؛ فأمثالها لا يجوز أنْ تُنسَب إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

والذي يَعْجب له الإنسان، من هؤلاء المعتزلة، أنهم يطعنون في الثّابت مِن الأحاديث -بل والمتواتر منها- إذا خالفت بدعتهم، بينما يلجئون إلى الموضوع والضعيف من الأحاديث للاستشهاد به على باطلهم، وما ذلك إلا للهوى الذي أعمى أبصارهم عن رؤية الحق، وعقولهم عن الهدى؛ فانقلبت عندهم الموازين واختلطت عليهم الأمور، فأصبح الضلال هدى والباطل حقًّا.

 وهكذا أصحاب البدع والأهواء، فإنهم يُحدثون البِدَع أولًا، فإذا استقرّت في أذهانهم بحثوا لها عمّا يسندها مِن أدلة لا يعبئون بصحّتها أو ضعفها، أو مَن قالها، وإن وجدوا ما يخالف تلك البدع من أدلّة صحيحة لووْا أعناقها فحرّفوها وبدّلوها وزادوا ونقصوا فيها لتكون حُجّة لهم لا عليهم. والسلامة أن يعافيك الله ممّا ابتلاهم به.

7. قولهم: “المراد بـ((سَتَرَوْن ربَّكم)):  ستعلمون ربكم، أو تعرفون ربكم؛ ولذا قال: ((لاَ تُضامون))، أي: لا تشكُّون:

الجواب:

أولًا: لا شك أنّ “ترى” تكون بصريّة، وتارة تكون قلبيّة، وتارة تكون من رؤيا الحُلْم، وغير ذلك… ولا يخلو الكلام من وجود قرينة تخلّص المعنى المراد.

والقرينة في الحديث: قوله: ((ستَرَوْن ربَّكم كما ترَوْن القمر)).

وفي الرواية الأخرى: ((كما تَرَوْن الشّمس في الظّهيرة ليس دونَها سحاب))؛ فدلّ على أنّ المراد بها “ترى” البصريّة.

ثانيًا: إنّ “ترى” العِلْميّة تنصب مفعوليْن، بخلاف البصريّة.

قال ابن التين: “… إن الرؤية بمعنى: العلْم تتعدّى لمفعوليْن، تقول: “رأيتُ زيدًا فقيهًا”، أي: علمْتُه، فإن قلت: رأيت زيدًا منطلقًا، لم يُفهم منه إلا رؤية البصر. ويزيده تحقيقًا: قوله في الخبر: ((إنّكم ستروْن ربّكم عيانًا))، لأن اقتران الرؤية بالعيان لا يحتمل أنْ يكون بمعنى: العلْم”.

ثالثًا: قوله: ((تَضامُّون))، قال النووي: “بتشديد الميم وتخفيفها؛ فمَن شدّدها فتَح التاء، ومَن خفّفها ضمّ التاء. ومعنى المشدَّدة: هل تضامّون وتتلطّفون في التوصل إلى رؤيته؟ ومعنى المخفَّفة: هل يلحقكم ضيْم وهو المشقّة والتعب؟”.

فتفسير عبد الجبار للضيّم بمعنى: الشكّ، لا يستقيم.

قال الإمام الدارمي -رحمه الله-: “وهذا التفسير -أي: تفسير: ((تضامون)) بمعنى: تشكّون -مع ما فيه من معاندة الرسول، صلى الله عليه وسلم فهو محال خارج عن المعقول؛ لأنّ الشّكّ في ربوبية الله زائل عن المؤمن والكافر يوم القيامة؛ فكلّ مؤمن وكافر يومئذ يعلَم أنه ربّهم، لا يعتريهم في ذلك شكّ، فيقبل الله ذلك من المؤمنين، ولا يقبله من الكافرين، ولا يعذرهم بمعرفتهم ويقينهم به في ذلك اليوم. فما فضل المؤمن على الكافر يوم القيامة… في معرفة الرب؟ إذ مؤمنهم وكافرهم لا يعتريه في ربوبيّته شكّ”.

قال ابن حزم: “ومحال أن تكون هذه الرؤية رؤية القلْب؛ لأنّ جميع العارفين به تعالى يرَوْنه في الدنيا بقلوبهم، وكذلك الكفّار في الآخرة بلا شك”.

أقوال بعض العلماء المتأخِّرين في إنكار نزول عيسى عليه السلام آخِر الزمان:

قال الشيخ المراغي: “هذه الأحاديث -أي: أحاديث نزول عيسى- لم تبلغ درجة الأحاديث المتواترة التي توجب على المسلم عقيدة؛ والعقيدة لا تجب إلا بنصّ من القرآن أو بحديث متواتر”.

ثم قال: “وعلى ذلك، فلا يجب على المسلم أن يعتقد أنّ عيسى  حيّ بجسمه وروحه، والذي يخالف في ذلك لا يُعدّ كافرًا في نظر الشريعة الإسلامية”.

وذكر الأستاذ محمد عبده للحديث تخريجيْن، فقال:

“أحدهما: أنه حديث آحاد مُتعلِّق بأمر اعتقادي؛ لأنه من أمور الغيب؛ والأمور الاعتقادية لا يُؤخذ فيها إلاّ بالقطع؛ لأن المطلوب فيها هو اليقين، وليس في الباب حديث متواتر.

وثانيهما: تأويل نزوله وحُكمه في الأرض بغلبة روحه وسرّ رسالته على الناس، وهو ما غلب في تعليمه من الأمر بالرحمة والمحبة والسِّلم، والأخذ بمقاصد الشريعة دون الوقوف عند ظواهرها والتمسك بقشورها دون لبابها، وهو حكمتها وما شُرعت لأجله. فالمسيح  لم يأتِ لليهود بشريعة جديدة، ولكنه جاءهم بما يزحزحهم عن الجمود على ظواهر ألفاظ شريعة موسى  ويوقفهم على فِقهها والمراد منها، ويأمرهم بمراعاته وبما يجذبهم إلى عالَم الأرواح بتحرّي كمال الآداب. أي: ولما كان أصحاب الشريعة الأخيرة قد جمدوا على ظواهر ألفاظها، بل وألفاظ من كتب فيها معبرًا عن رأيه وفهمه، وكان ذلك مزهقًا لروحها ذاهبًا بحكمتها، كان لا بدّ لهم مِن إصلاح عيسوي يبيّن لهم أسرار الشريعة وروح الدين وأدبه الحقيقي؛ وكل ذلك مطويّ في القرآن الذي حُجبوا عنه بالتقليد الذي هو آفة الحق وعدوّ الدين في كل زمان.

فزمان عيسى -على هذا التأويل- هو الزمان الذي يأخذ الناس فيه بروح الدِّين والشريعة، لإصلاح السرائر من غير تقييد بالرسوم والظواهر”.

وقال الشيخ محمد رشيد رضا: “ليس في القرآن نصّ صريح في أنّ عيسى رُفع بروحه وجسده إلى السماء حيًّا حياة دنيوية بهما، بحيث يحتاج بحسب سنن الله تعالى إلى غذاء… وليس فيه نصّ صريح بأنه ينزل من السماء، وإنما هذه عقيدة أكثر النصارى. وقد حاولوا في كل زمان، منذ ظهر الإسلام إلى الآن، بثّها في المسلمين. وممن حاولوا ذلك بإدخالها في التفسير: وهب بن منبه، الركن الثاني بعد كعب الأحبار، لتشويه تفسير القرآن بما بثّه فيه من الخرافات. والأحاديث الواردة في نزوله كثيرة في (الصحيحيْن) والسنن وغيرها، و أكثرها واردة في أشراط الساعة، وممزوجة بأحاديث الدّجّال. وفي تلك الأشراط؛ ولا سيما أحاديث الدجال والمهدي، اضطراب واختلاف وتعارض كثير”.

ثم قال: “والخلاصة: أنه لا يجب على مسلم أن يقف على تلك الأحاديث وأمثالها؛ لأنها ليست من أركان الإيمان ولا من أركان الإسلام… ولا يضرّه في إيمانه وإسلامه الاشتباه في صحّتها، وعدم القطع بروايتها ودلالتها على ما قال الجمهور”.

وقال الشيخ محمود شلتوت: “إن حياة عيسى ورفْعه بجسمه إلى السماء، ونزوله منها إلى الأرض آخر الزمان، لم يَثبُت بشيء منها بدليل قطعيّ يكون عقيدة يطمئن إليها القلب حتى يكفر مَن أنكرها”.

وقال: “ولعل أحقر ما رأينا من أسباب الإسراف في وصْف الأحاديث بالتواتر: أنّ قومًا من المرتزقة باسم الدِّين وباسم الغيرة على أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم استباحوا لأنفسهم في سبيل أغراضهم الدنيا أن يصطنعوا كلّ أساليب التلبيس والتّمويه في شأن أحاديث عيسى، التي لا يمكن أن يكون منها متواتر حتى على أوسع الآراء في تحقّقه. وهي مع أحاديثها يكثر ويشتد في معظمها ضعفُ الرواة، واضطراب المتون، ونكارة المعاني… وهكذا يخلعون عليها ثوبًا مهلهلًا مِن القداسة، لا رغبة في علْم، ولا غيرةً على حق، ولكن مكابرة وعنادًا، وإصرارًا على التضليل، وليقال على ألسنة العامّة وأشباه العامّة: إنهم حفّاظ، وإنهم مُحدِّثون… إنّ تلك الأحاديث -كيفما كانت- ليست من قبيل المُحكَم الذي لا يحتمل التأويل، حتى تكون قطعية الدلالة؛ فقد تناولتْها أفهام العلماء قديمًا وحديثًا، ولم يجدوا مانعًا مِن تأويلها”.

أبرز الشُّبَه التي استند إليها هؤلاء العلماء المتأخِّرون:

ويُمكن أنْ نُجمل ما أثاره المُحْدَثُون مِن شُبَه حول نزوله  في النّقاط التالية:

  1. ليس في القرآن نصّ صريح في رفْعه إلى السماء بروحه وجسده، ليحيا حياة دنيوية يحتاج معها إلى غذاء.
  2. ليس فيه نصّ صريح على نزوله، وإنّما تلك عقيدة النصارى.
  3. أحاديثه لم تبلغ درجة التواتر، حتى يؤخذ منها عقيدة بنزوله؛ بل هي أحاديث آحاد مضطربة في متونها، منكَرة في معانيها، في معظمها يشتد ضعفُ الرواة، وليست بمُحكمَة الدلالة؛ ولذا أوّلها العلماء قديمًا وحديثًا.
  4. لا يجب على المسلم أنْ يعتقد أنه حيّ بروحه وجسده، ومَن خالَف لا يُعَدّ كافرًا.
error: النص محمي !!