Top
Image Alt

الأساس الأول: الإيمان بما وردت به نصوص القرآن والسنة الصحيحة من أسماء الله وصفاته، إثباتًا ونفيًا

  /  الأساس الأول: الإيمان بما وردت به نصوص القرآن والسنة الصحيحة من أسماء الله وصفاته، إثباتًا ونفيًا

الأساس الأول: الإيمان بما وردت به نصوص القرآن والسنة الصحيحة من أسماء الله وصفاته، إثباتًا ونفيًا

بيَّنت المنهج الصحيح عند أهل السنة والجماعة في صفات رب العالمين سبحانه وتعالى، وأود في هذا الجزء أن أبيِّن أن هذا المنهج قام على أسس سليمة واضحة، سلمت منهجهم وجعلتهم حقًّا يتبعون كتاب ربهم، وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم وهذا الدرس يشتمل على ثلاثة عناصر، كل عنصر قام على أساس من الأسس التي قام عليها معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته، ولهذا أقول:

الأساس الأول: الإيمان بما وردت به نصوص القرآن والسنة الصحيحة من أسماء الله وصفاته، إثباتًا ونفيًا:

هذا هو الأساس الأول أن نؤمن إيمانًا جازمًا حقيقيًّا، بما جاءت به النصوص القرآنية، أو ما ورد في السنة الصحيحة من أسماء الله وصفاته، وشرح ذلك أقول فيه: لا بد من الإيمان بكل ما ورد من عند رب البرية سبحانه وتعالى، ولا بد من التسليم له، وهذا الأساس لا بد فيه من مراعاة ما يلي:

الأمر الأول الذي يقوم عليه هذا الأساس: إن طلب العلم في المطالب الإلهية إنما يكون عن طريق الكتاب والسنة النبوية، وكلام سلف هذه الأمة الصالحين، فالذي يجب أن نعتقده في هذا الباب -وأنا أتحدث عن الأساس الأول- أن نؤمن بكل ما وردت به النصوص، الذي يجب اعتقاده إذًا هو أن معرفة هذا النوع -من أنواع التوحيد- تتوقف على دراسة الكتاب والسنة؛ لأن هذا التوحيد يتطلب أسماء وصفات معينة، وهذه لا سبيل لمعرفتها والحصول عليها إلا من طريق الكتاب والسنة.

فنحن نؤمن بالله تعالى، وبما أخبر به عن نفسه سبحانه على ألسنة رسله من أسمائه الحسنى وصفاته العلى، بلا تكييف ولا تمثيل، وننفي عنه سبحانه ما نفاه عن نفسه مما لا يليق بجلاله وعظمته، فإنه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلًا وأبين دليلًا من غيره، ولذلك كان معتقد أهل السنة في هذا الباب هو الإيمان بما سمى ووصف الله به نفسه إثباتًا ونفيًا؛ لأنه لا يسمي الله أعلم بالله من الله، كما أشرت إلى ذلك من قبل، كما أنه لا يسمي ويصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، وقد قال الله في حقه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3- 4].

ولقد جاءت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بإثبات الصفات إثباتًا على وجه يليق بجلال الله وعظمته، وقد ثلجت به صدور أهل الإيمان، واطمأنت به قلوب الصحابة رضي الله عنهم واستقر الإيمان في نصابه وتحركوا بهذا الإيمان ففتحوا البلاد والعباد؛ لأنهم عرفوا عظمة رب العباد سبحانه وتعالى جل في علاه.

الأمر الثاني الذي يقوم عليه هذا الأساس: فهو تقديم الشرع على العقل، فالأصل في الدين الاتباع، والمعقول تبع، وأقول: إذا كنت أقول في الأساس الأول هو أنه يجب علينا الإيمان بكل ما ورد، وقلت: نتبع الكتاب والسنة في هذا، فأنا أذكر هنا في الأمر الثاني بوجوب أن نقدم الشرع على العقل؛ لأن الأصل في الدين أن نتبع ما جاءنا من عند رب العالمين، ومعتقد أهل السنة في هذا الباب وفي غيره من أبواب العقائد والأحكام يقوم على ذلك، فهم يعرفون ويعتقدون أن العقل المجرد ليس له إثبات شيء من العقائد والأحكام، وإنما المرجع في ذلك إلى القرآن والسنة.

فالعقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات، فوجب الوقوف في ذلك على النص؛ لأن العقل يقصر عن إدراك حقيقة ما غاب عنه، حتى وإن كانت تلك الأمور التي غابت عنه هي من أقرب الأشياء إليه، فهو قاصر عن أن يحيط علمًا بحقيقة روحه التي بين جنبيه لما أخفى الله أمرها عنه، فالروح في كل إنسان، ومع كل ذلك لا يستطيع الإنسان أن يدرك هذه الروح، ولا أن يقف على حقيقتها، ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم من قوم لا يعرفون أيضًا الروح، أحال أمر علمها إلى الله -تبارك وتعالى- كما ذكر ذلك ربنا في كتابه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلا} [الإسراء: 85].

فإذا كان الإنسان يجهل أمر روحه، فكيف يحيط علمًا بذات الله، وما يصلح وما لا يصلح لذاته من الأسماء والصفات، والله قد أخفى عن الخلق كيفية ذاته، ونحن إذا تدبرنا عامة ما جاء في أمر الدين من ذكر صفات الله، وما تعبد الناس باعتقاده من ذكر عذاب القبر وسؤال منكر ونكير، والحوض والميزان، والصراط، وصفة الجنة، وصفة النار، وجدناها أمورًا لا ندرك حقائقها بعقولنا، وإنما ورد الأمر بقبولها والإيمان بها.

فإذا سمعنا شيئًا من أمور الدين وعقلناه وفهمناه، فلله الحمد في ذلك، وكل الشكر لرب العباد ومنه التوفيق، وما لم يمكنا إدراكه ولم تبلغه عقولنا آمنا به وصدقناه، واعتقدنا أن هذا من قبل ربوبيته وقدرته، واكتفينا في ذلك بعلمه ومشيئته قال تعالى: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء} [البقرة: 255].

ثم اعلموا أن فصل ما بيننا، وبين المعطلة الذين عطلوا صفات الله، هو مسألة العقل، فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتباع والمأثور تبعًا للمعقول، وأما أهل السنة والجماعة، فقالوا: “الأصل في الدين الاتباع، والمعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغنى الخلق عن الوحي وعن الأنبياء، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء ما شاء”.

ولذلك، فإني هنا أقرر بأن النقل مقدم على العقل، ولا ينبغي أن يفهم من ذلك أن أهل السنة ينكرون العقل، والتوصل به إلى المعارف، والتفكير به في خلق السموات والأرض، وفي الآيات الكونية الكثيرة، فأهل السنة لا ينكرون استعمال العقل، ولكنهم توسطوا في شأن العقل بين طائفتين ضلتا في هذا الباب هما: أهل الكلام الذين يجعلون العقل وحده أصل علمهم ويفردونه، ويجعلون الإيمان والقرآن تابعين له، والمعقولات عندهم هي الأصول الكلية الأولية المستغنية بنفسها عن الإيمان والقرآن.

فهؤلاء جعلوا عقولهم هي التي تثبت وتنفي والسمع معروضًا عليها، فإن وافقها قبل اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن عارضها رد وطرح، وهذا من أعظم أسباب الضلال التي دخلت على هذه الأمة.

وأهل التصوف الذين يذمون العقل ويعيبونه، ويرون أن الأحوال العالية، والمقامات الرفيعة لا تحصل إلا مع عدمه، ويقرُّون من الأمور بما يكذب صريح العقل، ويمدحون السكر والجنون والوله، هؤلاء لهم أمور من المعارف والأحوال لا تكون كما يزعمون إلا مع زوال العقل والتمييز، وهم يصدقون بأمور يعلم العقل الصريح أنها كاذبة باطلة، وكلا الطرفين مذموم.

فالذي اعتمد على العقل بالكلية، والذي ذم العقل وعابه، واعتبر السكر والجنون والوله أصلًا أيضًا مذمومًا، وأما أهل السنة والجماعة فيرون أن العقل شرط في معرفة العلوم، وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، لكن العقل عندهم ليس مستقلًا بذلك، فالعقل غريزة في النفس وقوة فيها بمنزلة قوة البصر التي في العين، فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس أو النار، وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن دركها، وإن عزل بالكلية كانت الأقوال والأفعال مع عدمه أمورًا حيوانية.

فالأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة، والأقوال المخالفة للعقل باطلة، والرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه، ولم تأتِ بما يُعْلَم بالعقل امتناعه، وهذا موقف وسط من أهل السنة والجماعة في استخدام العقل، فهم يعرفون للعقل منزلته ومكانته؛ لأنه مناط التكليف، إلا أنهم يقولون بأن العقل لا يستقل بمعرفة العقائد أو الأحكام، بل لا بد من أن يستنير في ذلك بنور الوحي، وبخاصة في مسائل الاعتقاد التي تقوم على مسائل غيبية، فالله غيب، والملائكة غيب، واليوم الآخر غيب وغير ذلك، وأنى للعقل أن يدرك هذا الأمر.

الأمر الثالث الذي يقوم عليه هذا الأساس: وهو الإيمان بما دلت عليه نصوص الأسماء والصفات من المعاني والأحكام:

السلف يؤمنون بأسماء الله وصفاته، وبما دلت عليه من المعاني والأحكام، أما كيفيتها فيفوضون علمها إلى الله -تبارك وتعالى، وهم برآء مما اتهمهم به المعطلة، الذين زعموا أن السلف يؤمنون بألفاظ نصوص الأسماء والصفات، ويفوضون معانيها، وهذا الزعم في الحقيقة جهل على السلف، فإنهم كانوا أعظم الناس فهمًا وتدبرًا لآيات الكتاب، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم خاصة فيما يتعلق بمعرفة الله تعالى.

فكانوا يدرون معاني ما يقرءون، ويحملون من العلم ما يحملون، ولكنهم لم يكونوا يتكلفون الفهم للغيب المحجوب، فلم يخوضوا في كيفيات الصفات كما هو شأن أهل البدع والكلام؛ لأن أهل البدع والكلام حين خاضوا في ذات الله وصفاته، وقعوا في التأويل والتعطيل، وإنما ألجأهم إلى ذلك الضيق الذي دخل عليهم بسبب التشبيه، فأرادوا الفرار منه فوقعوا في التعطيل ولم يقع، ولا يكون تعطيل إلا بتشبيه.

ولو أن هؤلاء جميعًا نزَّهوا الله -تبارك وتعالى- ابتداء عن مشابهة الخلق، وأثبتوا الصفة مع نفي المماثلة؛ لسلموا ونجوا، ولوافقوا اعتقاد السلف، ولبان لهم أن السلف لم يكونوا حملة أسفار لا يدرون ما فيها، ومن تدبر كلام أئمة السلف المشاهير في هذا الباب، علم أنهم كانوا أدق الناس نظرًا، وأعلم الناس في هذا الباب.

ومن له اطلاع على أقوال السلف المدونة في كتب العقيدة، والتفسير، والحديث عند الحديث عن نصوص الصفات، يعلم أن سلف هذه الأمة تكلموا في معاني الصفات وبيَّنوها، ولم يسكتوا عنها رحمهم الله -تبارك وتعالى، وهذه الأقوال المأثورة عنهم هي أكبر شاهد على فهم السلف لمعاني الصفات وإيمانهم بها.

الأمر الرابع الذي يقوم عليه هذا الأساس: رفض التحريف والتعطيل لنصوص الأسماء والصفات؛ فالسلف رضي الله عنهم يعتقدون أن الواجب في نصوص القرآن والسنة -بما في ذلك نصوص الأسماء والصفات- هو إجراؤها على ظاهرها، وذلك بأن تفهم وفق ما يقتضيه اللسان العربي، وألَّا يتعرض لها بتحريف أو تعطيل، كما فعل المعطلة الذين تلاعبوا بظواهر النصوص، لمجرد أنها خالفت باطلهم ومناهجهم الفاسدة.

فنصوص الصفات ألفاظ شرعية أؤكد على ذلك، نصوص الصفات ألفاظ شرعية؛ لأنها وردتنا من لدن المشرع جل في علاه، وعليه فيجب أن تحفظ لها حرمتها، وذلك بأن نفهمها وفق مراد الشارع، فلا نتلاعب بمعانيها؛ لنصرفها عن مراد الشارع، فمن الأصول الكلية عند السلف أن الألفاظ الشرعية لها حرمتها، ومن كمال العلم أن يبحث عن مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بها ليثبت ما أثبته الله ورسوله من المعاني، وينفى ما نفاه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من المعاني.

وبحمد الله وفضله نجد أن نصوص الصفات الواردة في القرآن الكريم، والسنة النبوية هي من الوضوح والكثرة بمكان، بحيث يستحيل تأويلها والتلاعب بنصوصها، فلقد جاءت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بإثبات الصفات إثباتًا واضحًا جليًّا، على وجه أزال الشبهة وكشف الغطاء، وحصل به العلم اليقيني، ورفع الشك والريب، فثلجت به الصدور، واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه.

فلقد فصلت رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الأسماء والصفات، والأفعال أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقررت إثباتها أكمل تقرير في أبلغ لفظ، فالمطلع على نصوص القرآن والسنة الخبير بهما لا يزيده تحريف المعطلة لتلك النصوص إلا تمسكًا بها، ويقينًا بفساد معتقدهم وبطلانه، ولا تروج تحريفات المعطلة إلا على الجاهل بمعرفة تلك النصوص قليل البضاعة فيها، فهذا الصنف أتي من جهة جهله، لا من قلة النصوص الواردة في هذا الباب. هذا هو الأساس الأول، الذي هو أن الأسماء والصفات الواردة لرب البرية سبحانه وتعالى جل في علاه- يجب أن نؤمن بها إيمانًا جازمًا.

error: النص محمي !!