Top
Image Alt

الأساس الثالث: قطع الطمع عن إدراك كيفية اتصاف الله بصفاته

  /  الأساس الثالث: قطع الطمع عن إدراك كيفية اتصاف الله بصفاته

الأساس الثالث: قطع الطمع عن إدراك كيفية اتصاف الله بصفاته

يجب أن نقطع الطمع، وأن نكف أنفسنا عن أن تتطلع إلى إدراك كيفية اتصاف الله عز وجل بالصفات العلى، وتوضيح هذا الأساس يتم بما يلي:

أولًا: إن الله -تبارك وتعالى- لم يطلع الخلق على ذاته، ولم يكلفهم سبحانه وتعالى معرفة ذاته، فالله عز وجل لم يشأ أن يجعل للعباد من سبيل إلى معرفة كيفيته وكنه صفاته، فقد سد سبحانه وتعالى الطرق الموصلة إلى ذلك، فهو من جهة لم يطلع الخلق على ذاته، فهذا باب موصود إلى قيام الساعة كما جاء في الحديث: ((تعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا)). ومن جهة ثانية فالله -تبارك وتعالى- لم يخبرنا عن كيفيته وكن صفاته في كتابه، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد عنه شيء في ذلك، وقد سبق أن قلت في الأساس الأول بأننا لا نؤمن إلا بما جاء في الكتاب والسنة فحسب، وعليه أقول: “إن ما وردت به النصوص إنما هو إثبات وجود لتلك الصفات لا إثبات كيفية”.

وها هو القرآن والسنة بيننا، ونحن نقرأ فيهما ونتزود، ولم نجد شيئًا يتحدث الله فيه عن كيفية صفاته، ولم نجد ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من تكييف لشيء مما هو عليه سبحانه.

ومن جهة ثالثة، أقول: إن الله -تبارك وتعالى- لم يكلف العباد معرفة كيفية صفاته، ولم يتعبدهم بذلك، ولا أراده منهم سبحانه، بل قصرهم على الإيمان بما أخبرهم به، فالواجب عليهم إذًا أن يؤمنوا الإيمان الصحيح بما كلفوا به، وألا يتجاوزوا حدود ذلك.

وقد ورد النص في وجوب قطع الطمع عن إدراك حقيقة كيفية صفات الله تعالى؛ لأن إدراك الكيفية مستحيل. قال تبارك وتعالى منزِّهًا نفسه: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110].

قال في هذا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-: “إدراك حقيقة الكيفية مستحيل، وهذا ما نص عليه في هذه الآية من سورة “طه”، فقوله: {يُحِيطُونَ بِهِ} فعل مضارع منفي، والفعل الصناعي الذي يسمى بالفعل المضارع، وفعل الأمر، والفعل الماضي ينحل عند النحويين عن مصدر وزمن، فالمصدر كامن في مفهومه إجماعًا، فيحيطون في مفهومها الإحاطة، فيتسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل، فيكون معه كالنكرة المبنية على الفتح، فيصير المعنى: لا إحاطة للعلم البشري برب السموات والأرض.

فيكون الله عز وجل هنا أو تكون الآية أيضًا قد نفت جنس أنواع الإحاطة؛ لأن الإحاطة المسندة منفية عن الخلق تمامًا، فالخلق لا يحيطون بربهم سبحانه وتعالى علمًا”. هذا هو الأمر الأول الذي أوضح به هذا الأساس.

الأمر الثاني: قصور العقل عن معرفة كيفية صفات الله تعالى، وأتحدث عن ذلك لأن علماء الكلام -ومن سار في ركابهم- قد استخدموا العقل استخدامًا لا يليق بمكانة العقل في هذا الباب، وقد قلت بأن العقل محدود، ويجب على العقل أن ييأس من تعرف كنه الصفات وكيفياتها؛ لعجزه عن معرفة ذلك؛ لأن الشيء لا تعرف كيفية صفاته إلا بعد العلم بكيفية ذاته، أو العلم بنظيره المساوي له أو بالخبر الصادق، وكل هذه الطرق منتفية في كيفية صفات الله تعالى، فوجب بطلان تكييفها.

وعِلْم الإنسان محدود كما أخبر الله بذلك حيث قال: {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلا} [الإسراء: 85]، وقال تعالى: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء} [البقرة: 255]. وإذا كانت نفس الإنسان التي هي أقرب الأشياء إليه بل هي هويته، لا يعرف الإنسان كيفيتها، ولا يحيط علمًا بحقيقتها، فالخالق جل جلاله أولى ألا يعلم العبد كيفيته، ولا يحيط علمًا بحقيقته.

وقد أدب الله -تبارك وتعالى- عباده المؤمنين، ووجههم بألا يخوضوا في أمور لا علم لهم بها، فقال كما ذكر في كتابه: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا} [الإسراء: 36]، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُون} [الأعراف: 33].

ومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفاته عز وجل؛ لأنه تعالى أخبرنا عنها، ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تعمقنا في أمر الكيفية قَفْوًا لما ليس لنا به علم، وقولًا بما لا يمكننا الإحاطة به، ومخالفة لما نهانا الله وحذرنا منه، وحرمه علينا، فيجب الكف إذًا عن التكييف تقديرًا بالجنان أو تقريرًا باللسان أو تحريرًا بالبنان؛ لأن أية كيفية تقدرها الأذهان فالله أعظم وأجل من ذلك.

ثم هي في الوقت ذاته ستكون كذبًا؛ لأنه لا علم لقائلها بذلك، ولهذا نقل أصحاب المقالات عن بعض المشبهة الذين خاضوا في كيفيات صفات الله تعالى، أنه قال في ربه في عام واحد خمسة أقاويل، وصدق الله إذ قال في كتابه العزيز: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} [النساء: 82].

فعلى المسلم أن يحذر من التكييف أو محاولته؛ فإن من فعل ذلك فقد وقع في مفاوز لا يستطيع الخلاص منها، فالخوض في ذلك هو مما يلقيه الشيطان في القلوب، وهو نزغة من نزغاته، فلذلك يجب على المؤمن أن يلجأ إلى ربه، وأن يستعيذ به من نزغات الشيطان، كما قال رب العالمين في كتابه: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم} [الأعراف: 200].

وتتمة لهذا الأساس أقول: لا بد من أن يعرف طالب العلم معنى قول السلف -رحمهم الله تبارك وتعالى- أنهم يؤمنون بالصفات بلا كيف. إن معنى قول السلف: “بلا كيف” أي: بلا كيف يعقله البشر، فليس المراد من قولهم: بلا كيف، هو نفي الكيف مطلقًا، فإن كل شيء لا بد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد هو نفي العلم بالكيف، إذ لا يعلم كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه، وهذا مما استأثر الله -تبارك وتعالى- بعلمه، فلا سبيل إلى الوصول إليه، فكما أن ذات الله لا يمكن للبشر أن يعرفوا كيفيتها، فكذلك أيضًا نقول في صفاته سبحانه أنه لا يمكن لنا أن نعرف أو نعلم كيفيتها.

ولهذا لما سئل الإمام مالك -رحمه الله- عن الاستواء في قول الحق -تبارك وتعالى-: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] فقال رحمه الله-: “الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، ثم قال للسائل: وما أراك إلا رجل سوء، وأمر بإخراجه من مجلسه”. وقد روي عن شيخه ربيعة بن عبد الرحمن في أيضًا قول الله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} أنه قال: “الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول” أي: لا تعقله العقول، ولا تحيط به. وهذا يقال في سائر الصفات.

وقد مشى أهل العلم على هذا الميزان، واعتبروا ذلك قاعدة من قواعد الصفات، فقول الإمام مالك: “الاستواء معلوم” أي: معلوم المعنى في لغة العرب، والكيف مجهول أي: أنهم مع إثباتهم لمعنى الاستواء، واعتقادهم بأن الله مستوٍ على عرشه ومرتفع عليه، إلا أنهم يكلون علم كيفية ذلك الاستواء إلى الله عز وجل؛ لأنه مما استأثر الله بعلمه.

وأما قول الإمام مالك بأن الإيمان به واجب، أي: الإيمان باستواء الله على عرشه حقيقة هذا واجب، لماذا؟ لأن النص ورد به، وقد سبق أن قررت بأن معتقد أهل السنة والجماعة أنهم يؤمنون بكل ما ورد في باب الأسماء والصفات.

وأما قوله: بأن السؤال عن الكيفية بدعة، يعني السؤال عن كيفية الاستواء؛ لأن السائل في سؤاله قال: كيف استوى.

وأود هنا أن أشير وأنا أتحدث عن معنى قول السلف: بلا كيف، لا بد أن أقرر بأن عدم معرفة الكيفية لا يقدح في الإيمان بالصفات، ولا بمعرفة معانيها؛ لأن الكيفية وراء العلم بالمعنى، فالسلف يثبتون لله عز وجل ما أثبته لنفسه من صفات الكمال، ويفهمون معاني تلك الصفات ويفسرونها، فإذا أثبتوا لله السمع والبصر أثبتوهما حقيقة، وفهموا معناهما، وهكذا سائر الصفات يجب أن تجري على هذا المنوال، وإن كان لا سبيل لنا إلى معرفة كنهها وكيفيتها، فإن الله سبحانه وتعالى لم يكلف العباد ذلك ولا أراده منهم، ولم يجعل لهم إليه سبيلًا.

وكثير من المخلوقات لم يجعل الله للعباد سبيلًا إلى معرفة كنهها وكيفيتها، فهذه أرواح الخلائق التي هي أدنى إليهم من كل دانٍ قد حجب الله -تبارك وتعالى- عنهم معرفة كنهها وكيفيتها، وقد أخبرنا الله عز وجل عن تفاصيل يوم القيامة، وما في الجنة والنار، فقامت حقائق ذلك في قلوب أهل الإيمان وشاهدته عقولهم، ولم يعرفوا كيفيته وكنهه، فلا يشك المسلمون أبدًا أن في الجنة أنهارًا من خمر، وأنهارًا من عسل، وقد آمن بذلك الصدر الأول، كما آمن به كل مؤمن عرف قدر كلام الله، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومع إيماننا بأن في الجنة أنهارًا من خمر، وأنهارًا من عسل، إلا أننا نوقن وندرك مكانة أنفسنا، وهي أننا لا نعرف كنه أنهار الخمر، وأنهار العسل التي هي في الجنة، ولهذا صدق عبد الله بن عباس لما قال: “ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء”.

وبالتالي إيماننا بمعاني هذه الصفات دون معرفتنا لكيفيتها وما هي عليه على وجه الحقيقة إيمان صحيح بحق ما كلفنا به، وإن لم نعرف حقيقة ماهيته وكيفيته.

وهذه الأسس الثلاثة يجب الأخذ بها جميعًا، ولا يجوز الإخلال بشيء منها؛ لأن هذا كان عليه معتقد سلف هذه الأمة الصالحين، وأنا أردت أن أقرره هنا، وأن أذكِّر به بوجه من التفصيل في درس مستقل؛ لأن هذه الأسس يقوم عليها توحيد الأسماء والصفات، وهي تبين منهج أهل السنة في هذا الباب، الذي توسطوا فيه بين طائفتين ضلتا فيه، وهما المعطلة الذين أولوا أو أنكروا أو حرفوا صفات رب العالمين سبحانه، والمشبهة الذين شبهوا الله عز وجل بخلقه. والله -تبارك وتعالى- فيما ثبت له قوله صحيح وسليم، نثبت له المعنى، ونكل الحقيقة والكيفية إليه، ولا نشبه ربنا سبحانه وتعالى فيه بأحد من خلقه، وقد قررت ذلك أتم تقرير، وآمل من طالب العلم أن يقف على هذه الحقائق؛ لأنها تنير له الطريق في توحيد الأسماء والصفات.

error: النص محمي !!