Top
Image Alt

الأسباب التي تؤدي إلى سوء العشرة

  /  الأسباب التي تؤدي إلى سوء العشرة

الأسباب التي تؤدي إلى سوء العشرة

موضوع الأحكام عند سوء العشرة أو الافتراق, ينقسم كما يبدو من عنوانه إلى مرحلتين:

الأولى: الأحكام عند سوء العشرة.

والثانية: الأحكام عند الافتراق بأي شكل من أشكال الافتراق، طلاقًا أو خلعًا.

والمرحلة الثانية نتيجة للأولى، وحين نعرض لهذه الأحكام إنما نأمل أن نصل بالبيت المسلم إلى شاطئ الأمان، فهذا يقتضي أن نبحث عن الأسباب التي أدت إلى سوء العشرة، فما يتزوج من يتزوج ليحيا في جو من التعاسة والألم فيدمر نفسه وأبناءه، وينتهي حاله بالطلاق والفراق, وتشريد الأبناء والأمراض النفسية والاجتماعية.

وكم يحتاج كل من الرجل والمرأة من الزمن ليبرأ من علته، ويصحو من رقدته، ويعود ليبحث له عن زوجة، وهذه الزوجة الثانية التي تأتي لبيت قد يكون به أبناء من الزوجة السابقة، هل تستطيع أن تتقبل هؤلاء الأبناء؟ وماذا في ذلك من بلاء قد يؤدي بدوره إلى الطلاق؟ والمطلقة ومعها أبناؤها الذين حُرموا من أبيهم، كيف ستتولى تربيتهم؟ وهل ستبقى هكذا دون زواج، وربما كانت في مقتبل العمر؟ ولو رغبت في الزواج, مَن هذا الذي سيقبل الزواج منها وهي على هذا الحال؟! كثير من المشاكل ترتبت على سوء العشرة.

فما الذي جعل الزوجين أو أحدهما يعامل الآخر معاملة سيئة، زرعت بذور الكراهة والبغض فأنبتت حنظلًا مرًّا, ودمارًا وضياعًا للزوجين وأبنائهم، وأثمرت نفورًا وبغضًا بين أسرتين بما فيهما الآباء والأمهات والإخوة والأخوات، وما إلى ذلك، وقد كان أفراد كل أسرة إذا ما التقوا وجدتهم أصهارًا متحابين، يعانق كل منهم الآخر في ود ظاهر وسعادة غامرة، فماذا عن حالهم بعد هذه النكبة التي حلت بابنهم وابنتهم؟!

درسنا نظام الأسرة في القرآن، وكيف تكون عشرة الرجل مع أهله؟ وكيف تكون عشرة الزوجة مع زوجها؟ ورأينا خطة محكمة وضع كتاب الله خطواتها، وبيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم مراحل تنفيذها، وبدأت هذه الخطة بإعداد الفرد المسلم في بيته من أول لحظات اختيار الأبوين كلًّا منهما للآخر، فقَل أن ينبت في البيت الفاسد أبناء بررة، وإذا طاب أصل المرء طابت فروعه، ومن عجب: جادت يد الشوك بالورد.

فهذا إذًا أول الأسباب؛ في أن الاختيار لم يكن موفقًا، وعلاجه حسن الاختيار للبيئة التي تربى فيها كل من الزوج والزوجة، وقريب من هذا السبب لحظات الاختيار حين الإقدام على الزواج، وقد أرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم في اختيار الفتاة إلى دينها، وعرض إلى ما يُرَغِّب الناس في الزواج من ذات المال والجمال والحسب، وبيّن أن هذا لا مانع من طلبه، لكن بشرط أن يكون الدين في المقدمة حارسًا وحافظًا للمال والجمال والحسب، وإلا كان المال لها طغيانًا وإذلالًا لزوجها، وكان الجمال انحرافًا وغيرة قاتلة وهمًّا عظيمًا، وكان الحسب تعاليًا وكبرًا وغرورًا؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: ((فاظفر بذات الدين, تربت يداك)) أي: التصقت يداك بالتراب إن لم تظفر بذات الدين، وهو كناية عن الخسارة والضياع.

فليتساءل من أساءت زوجته عشرتها معه، فعاملته بالغلظة والتعالي والغطرسة، والمنِّ عليه بمالها وحسبها: على أي أساس كان اختياره لها؟ هل طلب ذات الدين والخلق؟ إنه لو كان قد فعل ذلك لوجد زوجة صالحة، إذا نظر إليها سرّته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله وأبنائه، وكانت له عونًا على مشقات الحياة، وكم في الحياة من مشقات! وليتساءل ولي الفتاة في اختياره لمن كان زوجًا لابنته وصهرًا له ولأسرته: على أي أساس اختار هذا الزوج؟

تذاكرنا ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم أولياء الفتاة, بل والفتاة نفسها ومن له صلة بالرأي والمشورة من أم وعم وخال، أن يكون أساس اختيارهم لزوج ابنتهم قائمًا على أساس من الخلق والدين، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض -أو وفساد كبير)).

ولا بد من ملاحظة الأمرين معًا: الخُلق والدين، حيث ترى شابًّا مهذبًا دَمِث الأخلاق يفيض رقة وأدبًا، ولكنه لا يؤدي فرائض الله, أو يؤديها مرة ويقطع مرات، ومثل هذا لا يصلح أن يكون صهرًا ولا أن يكون زوجًا للفتاة، ولعلنا نتساءل: كيف يجتمع حسن الخلق مع عدم الالتزام بدين الله؟! والواقع خير شاهد، بل إنك لترى كثيرًا من غير المسلمين على أعلى ما يكون من الرقة والأمانة، وحسن أداء العمل والصدق في القول, وأداء الحقوق لأصحابها، وما ذلك إلا لأنهم علموا أن الحياة لا تصلح إلا بهذه الأخلاق، وأن هذه الأخلاق من أعظم وسائل النجاح في الحياة فالتزَموها، فمطلبهم ليس هو الله والدار الآخرة، إنما مطلبهم هذه الدنيا يصيبونها، فنجحوا في ذلك نجاحًا عظيمًا.

وقد يأتي لابنتك من يحافظ على أداء الصلاة في الجماعة، ومَن يحرص على الصيام والقيام وأداء النوافل، ولكنه فظّ غليظ, تحادثه فلا تستريح له، وتتعامل معه فتجد المكر والدهاء وسوء الأخلاق، فتديّنه لم يؤتِ أُكُله ولم يثمر ثمرته من التخلق بالأخلاق الكريمة، فإذا ما تزوج كان وبالًا على زوجته، وكانت لحظات الحياة معه كأنها القرون، فيها من سوء العشرة -بكل ما تعنيه سوء العشرة- في القول أو الفعل ما يُعَجِّل بالشقاء والفناء.

فليكن السبب الثاني: هو عدم التدقيق في أهم شرط في اختيار من ستتزوجها، وأهم شرط فيمن ستزوجه وهو الدين والخلق، فليتحقق هذا الشرط أولًا، ثم ليكن ما بعده لمن شاء من مال أو جمال أو وظيفة، أو أسرة لها منزلتها في مجتمعها، دون أن تكون هذه الأسباب أسبابًا أصيلة في الاختيار؛ لأنها كلها أعراض زائلة, قد تبقى وقد تزول وقد تتغير.

فإذا ما اقتنع كل من الطرفين بصاحبه, تقدم الشاب ومعه بعض أهله وعشيرته لخطبة الفتاة، والخطبة ليست زواجًا قائمًا على الإيجاب والقبول والشهود وحضور الولي، يبيح للخاطب ما يبيحه عقد الزواج من جواز الخلوة والاستمتاع، ويوجب المهر والنفقة، إنما الخطبة وعْد بالزواج، والخاطب ما زال رجلًا أجنبيًّا كأي رجل، لا يجوز له أن يخرج مع مخطوبته, ولا أن يخلو بها إلا في وجود محرم، والخطبة فترة يكتشف فيها كل من الجانبين ما عند صاحبه من خلق ودين؛ لأن رؤية الخاطب للفتاة ورؤية الفتاة للشاب تعطي صورة أولية وعامة للشكل الخارجي، وهل هو مقبول؟

كما أن معرفة الخاطب أو المخطوبة عن طريق السؤال قد لا تعطي الصورة الحقيقية، أو الصورة الكاملة، فتأتي أيام الخطبة وما فيها من التزاور والمناقشات والمعاملات أحيانًا, بما يكشف حقيقة كل منهما.

ومهما تكن عند امرئ من خليقة

* وإن خالها تخفى على الناس تُعْلَم

وفي هذه الفترة يكون الانتقاء لما يمكن التغاضي عنه، وما لا يمكن السكوت عليه أو قبوله.

ولعلي ذكرت أنني أفضل تأخير إجراء عقد النكاح؛ حتى يتم اقتناع كل واحد منهما بالآخر، وحتى يتم الاتفاق على كل شيء، ولم يبق إلا وقت قصير على موعد الدخول؛ خشية أن تطول أيام الخطبة نظرًا للظروف الاقتصادية للناس، وقد لا يصبر العروسان فيحدث اللقاء وربما ترتب عليه الحمل، فكيف يكون حال الفتاة وحال أهلها وحال ابنتهم، وابنتهم ستلد في بيتهم قبل زفافها؟ وبعض من لا خلاق له قد يساوم إذا ما أراد ألا يتم هذا الزواج.

وإذا لم يتم كانت فتاتنا في أسوأ حالتها، ولِمَ لا؟ فقد أصبحت في وثيقة رسمية مطلقة ومعها طفل، وهي في بيت أبيها كيف سيجبر هذا الكسر، وكيف ستتزوج مرة ثانية؟! إنه موقف صعب وبلاء شديد، وحزن خيم على هذه الأسرة، فعدم الالتزام بتوجيهات ديننا هي التي أدت إلى هذا المصير المشئوم، بما فيه من ضياع وحسرات.

فهذا إذًا هو السبب الثالث الذي يؤدي إلى سوء العشرة، ألا وهو: عدم الالتزام بحدود الله, وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الخطبة.

فإذا ما مرت أيام الخطبة بسلام بدأت إجراءات العقد والزفاف، وليكن هذا وفق شريعة الله وتوجيهات رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدم المغالاة في المهر، وألا يطلب كل طرف من الآخر ما يلحقه في إعداد طعام وشراء فراش، وما يتبعه من أجهزة منزلية، وما يطلبه كثير من أهل العروس في مواصفات بيت الزوجية وإعداده، وما إلى ذلك مما يراه كثير من الناس ضرورة من ضرورات الزواج.

وليس هذا من الضرورة في شيء، لكن الإصرار عليه قد يؤدي إلى عدم إتمام الزواج، أو يلقي بظلاله على الزوجين بعد الزواج، حين يرى الزوج ديونًا عليه للآخرين يعجز عن الوفاء بها، وقد يستمر لفترة طويلة من الزمان يسدد في أقساطها، مما يجعله ينظر إلى زوجته وأهلها نظرة الكاره لهم ولها، وما بمثل هذا الأسلوب تنتظم حياة الأسر ويقام بيت من السعادة والحب.

فهذا هو السبب الرابع من أسباب سوء العشرة، أدى إليه الانقياد الأعمى إلى عادات وتقاليد بالية، دون مراعاة لظروف من يريد الزواج، بل ودون نظر إلى ما يتحمله كثير من الآباء من ديون في سبيل تجهيز بناتهم، فليت الناس يتقون الله في أنفسهم وبناتهم، وليتهم يقتدون في ذلك بإمام المرسلين صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، في عدم مغالاتهم في المهور، وعدم تحملهم لتكاليف الزواج الباهظة، فما كانت في بيوتهم الأسِرّة الفاخرة، والمقاعد الوثيرة، والتحف الغالية، وما إلى ذلك مما نراه في بيوتنا، إنما كان فراشهم بسيطًا ومتاعهم قليلًا.

بل إن هذا التيسير في الصداق, وإعداد البيت كان سمة لمجتمعاتنا إلى وقت قريب، حيث كان مهر الفتاة لا يتجاوز الخمسين جنيهًا، وبهذا المبلغ تجهز العروس بجهاز لا يتجاوز فرش حجرة، وبعض ما يلزم العروس وبيت الزوجية.

هذه المقدمات التي هي أساس ما يكون من حسن العشرة أو سوء العشرة, لو أمكن ضبطها بميزان الشرع؛ لتخطينا كثيرًا من العقبات التي تدمر حياة الأسر، وتترك في القلوب الأسى والضغينة، وتفرق بين الزوجين.

فإذا ما تم الزواج بدأت حياة زوجية قائمة على المحبة والرضا، والتغاضي عن الهفوات، وأساسها: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19]. ونبراسها: ((لا يَفْرك مؤمن مؤمنة -أي: لا يكره مؤمن مؤمنة- إن كره منها خلقًا, رضي منها آخر)). ومع كل هذه التوجيهات بدءًا من التربية الإيمانية للبيوت وفي البيوت، ووصولًا إلى عش الزوجية، بكل ما يُفترض فيه من الدفء والحنان والمودة والرحمة والسكن، إلا أن طبائع البشر المختلفة قد تؤدي إلى التصادم وعدم الاتفاق. وفي كل يوم, بل ربما في كل ساعة يزداد التباعد بين الزوجين، ويشعل الشيطان في القلوب نيران الكبرياء, فلا يتنازل أحد الزوجين عن رأي رآه، بل يرى في تنازله وعفوه وتسامحه مساسًا بكرامته، فقد وصل الأمر بينهما إلى حال من البغض والكراهية، جعل كل منهما يسهر الليل يفكر في الانتقام من صاحبه؛ إذ لم يعد يطيق رؤيته، فلم تعد الزوجة تنفذ لزوجها أمرًا، أو تؤدي له واجبًا، أو تهتم ببيتها وأبنائها، إنها دائمة الصراخ لا تهدأ ولا يقر لها قرار، والزوج نافر منها هاجر لها، يكره أن يراها، إن دخل البيت دخله لوقت قصير، ثم خرج يبحث عن راحته وأنسه في الشوارع، وربما على المقاهي، وربما اصطادته امرأة أخرى فتزوجها, فأضاف لمشكلته مشكلات.

error: النص محمي !!