Top
Image Alt

الأسباب التي دفعت المتكلمين إلى إهمال توحيد الألوهية

  /  الأسباب التي دفعت المتكلمين إلى إهمال توحيد الألوهية

الأسباب التي دفعت المتكلمين إلى إهمال توحيد الألوهية

السبب الأول: الإرجاء:

معنى الإرجاء: الإرجاء هو التأخير، والمراد به عندما نتكلم عنه في مسائل الاعتقاد أو الدين، تأخير العمل عن الإيمان، فالإرجاء إذًا هذا معناه، ويعتبر بهذا المعنى من الأسباب التي أثَّرت على أهل الكلام في إهمالهم لتوحيد الألوهية، حيث إن توحيد الألوهية يعود إلى الإيمان؛ إذ الإيمان يشمل الدين كله بما فيه التوحيد بجميع أقسامه، ومناقشة موقف المتكلمين من توحيد الألوهية من هذه الزاوية يكشف لنا آفاقًا جديدة لم نكن لنحصل عليها لو لم ننتبه لها.

وإذا أردت أن أوضح أثر الإرجاء على توحيد الألوهية، فلا بد أن أبيِّن أولًا الارتباط بين مفهوم التوحيد ومفهوم الإيمان، فإذا تبين هذا الارتباط، فإنه سيتبين لنا إرجاء المتكلمين في الإيمان مع ربطه بما سأذكره من الارتباط، فيتحصَّل من هذا أثر الإرجاء على توحيد الألوهية.

ولذلك سأتحدث عن الارتباط بين مفهوم التوحيد، ومفهوم الإيمان، وقبل أن أبيِّن الارتباط بين مفهوم التوحيد ومفهوم الإيمان، لا بد أن أبيِّن كلًّا من مفهوم التوحيد ومفهوم الإيمان أولًا، بذكر كلام يسير في هذا، وإلا فقد عُلم فيما مضى من بيان وكلام.

مفهوم التوحيد كما سبق ينقسم إلى نوعين، ويمكن أن ينقسم إلى ثلاثة، ولكن من باب الاختصار هنا أقول بأنه ينقسم إلى نوعين:

أحد هذين النوعين: التوحيد العلمي، وهو إفراد الله بالربوبية والأسماء والصفات، ومتعلَّق هذا النوع الاعتقاد القلبي.

والثاني: التوحيد العملي، وهو إفراد الله -تبارك وتعالى- بالعبادة، ومتعلق هذا النوع عمل القلب وعمل الجوارح.

وأما مفهوم الإيمان فقد اتفقت كلمة أهل السنة والجماعة على أن الإيمان قول وعمل، وأصبح هذا شعارًا لهم يميِّزهم عن الإرجاء والمرجئة، الذين أخرجوا العمل من حقيقة الإيمان، وقبل ذكرِ الأدلة على هذا التعريف باختصار أيضًا لا بد أن أبيِّن معناه ومدلوله حتى نفهم المراد من الارتباط بين مفهوم التوحيد، ومفهوم الإيمان، فأقول في بيان أن الإيمان قول وعمل: إن الإيمان يشتمل على قول القلب، وهو التصديق الجازم بالله تعالى وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر والقدَر، ويدخل فيه الإيمان بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أنه أيضًا يدخل فيه قول اللسان وهو النطق بالشهادتين والذكر، والدعوة إلى الله تعالى، وقراءة القرآن، ويدخل في ذلك كل العبادات القولية.

إذًا معنى أن الإيمان قول، يعني: قول القلب، وقول اللسان، أما معنى أن الإيمان عمل، فالمراد بالعمل في تعريف الإيمان عند أهل السنة: هو أنه يشتمل على عمل القلب، وذلك كالإخلاص، والحب، والخوف والرجاء، والتعظيم، والانقياد، والتوكل، وغير ذلك من أعمال القلوب، كما يشتمل على عمل الجوارح، كالصلاة، والصيام، والجهاد، ونحوها.

وقد تنوعت عبارات السلف في التعبير عن حقيقة الإيمان، فقال بعضهم: “هو قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان”. وقال بعضهم: “هو قول وعمل ونية”. وقال بعضهم: “هو قول وعمل ونية، واتباع للسنة”. وهذا التنوع في التعبير لا يعني الاختلاف في المعنى ألبتة، فالخلاف في هذا خلاف تنوع، وليس خلاف تضاد، فكل هذه التعريفات صحيحة، ولا شك أن أشملها وأدلها على المعنى هو أن الإيمان قول وعمل.

وقد نبه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إلى اختلاف عبارات السلف في تعريف الإيمان ووجّهها، فقال: “والمقصود هنا أن من قال من السلف: الإيمان قول وعمل، أراد قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، ومن أراد الاعتقاد رأى أن لفظ القول لا يفهم منه إلا القول الظاهر، خاف ذلك فزاد الاعتقاد بالقلب، ومن قال: قول وعمل ونية، قال: القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان، وأما العمل فقد لا يُفهَم منه النية فزاد ذلك، ومن زاد اتباع السنة؛ فلأن ذلك كله لا يكون محبوبًا لله تعالى إلا باتباع السنة، وأولئك لم يريدوا كل قول وعمل، إنما أرادوا ما كان مشروعًا من الأقوال والأعمال، ولكن كان مقصودهم الرد على المرجئة الذين جعلوه قولًا فقط وقالوا: هو قول، ولم يذكروا العمل، ومن هنا نص أئمة السنة على أن الإيمان قول وعمل.

والذين جعلوه أربعة أقسام فسَّروا مرادهم كما سئل سهل بن عبد الله التستري عن الإيمان فقال: “هو قول، وعمل، ونية، وسنة” ذكر هذه الأمور الأربعة؛ لأن الإيمان إذا كان قولًا بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولًا وعملًا بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولًا وعملًا ونية بلا سنة فهو بدعة.

ونلاحظ أن بين أجزاء الإيمان السابقة تلازمًا قويًّا؛ وذلك لأن أصل الإيمان هو ما في القلب، والأعمال الظاهرة لازمة لذلك، لا يُتصوَّر وجود إيمان القلب الواجب مع عدم جميع أعمال الجوارح، بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كان لنقص الإيمان الذي في القلب، فصار الإيمان متناولًا للملزوم واللازم، وإن كان أصله في القلب، وحيث عُطفت عليه الأعمال فإنه أريد أنه لا يكتفى بإيمان القلب، بل لا بد معه من الأعمال الصالحة.

ولهذا كان لأعمال القلب منزلة كبيرة بين أجزاء الإيمان؛ لأنها هي الطاقة المحرِّكة لبقية أجزاء الإيمان؛ ولهذا اعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تبارك وتعالى- أعمالَ القلب هي الأصول، وأعمالَ الجوارح هي الفروع، فقال: “الدين القائم بالقلب من الإيمان علمًا وحالًا هو الأصل، والأعمال الظاهرة هي الفروع، وهي كمال الإيمان، فالدين أول ما يُبتدَأ بأصوله، ويكمل بفروعه” وقد بيَّن القرآن الكريم منزلة أعمال القلب بيانًا شافيًا، فقد جعل الله عز وجل كتابة الإيمان في القلب، فقال تبارك وتعالى: {أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ} [المجادلة: 22]، وقد جعل الله عز وجل القرآن شافيًا للقلب لما يترتب عليه من الصلاح العام، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ} [يونس: 57].

ويتبين لنا بعد هذا أن الإيمان له جانبان: الأول: الجانب العلمي في الإيمان، وهو التصديق القلبي، ومعناه نسبة الصدق إلى المخبِر والخبر، وهذا هو قول القلب، والثاني: الجانب العملي في الإيمان، وهو عمل القلب والجوارح، ويشمل ذلك قول اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح.

وقد سبق أن بيَّنت بأن التوحيد له جانبان: الجانب العلمي: وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات، والجانب العملي: وهو توحيد الألوهية، فإذا قارنَّا بعد ذلك بين التوحيد والإيمان، فإننا نجد أن تصديق القلب، وهو الجانب العلمي من الإيمان يشمل تصديقه فيما أخبر به من انفراده بالربوبية وبالأسماء والصفات، وهو الجانب العلمي أيضًا من التوحيد، كما نجد أن عمل القلب والجوارح، وهو الجانب العملي من الإيمان يشمل توحيد الألوهية، فإن توحيد الألوهية كما تقدم يقتضي التأله لله تعالى والتعبد له، وهذا شامل لعمل القلب والجوارح؛ فإن عمل القلب والجوارح إذا عُمل لله تعالى خالصًا فهو توحيد الألوهية، وإذا عُمل لغير الله -تبارك وتعالى- فلا يصح أن يسمى إيمانًا أو إسلامًا.

ولعلنا نلاحظ من خلال ما تقدم أن توحيد الألوهية شطر الإيمان؛ إذْ هو نفس عمل القلب والجوارح، وإذا نظرنا في النصوص الشرعية، فإننا نجد أن كثيرًا منها يدل على وجود الارتباط بين التوحيد والإيمان، ومن ذلك ما جاء في قول الحق -تبارك وتعالى-: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة} [البينة: 5] وهذه الآية تدل على توحيد الألوهية، وقد استدل بهذه الآية على تعريف الإيمان الإمام الشافعي وأحمد والبخاري، وقال الشافعي -رحمه الله تبارك وتعالى-: “ليس عليهم أحجُّ من هذه الآية”.

كما دل على ذلك أيضًا حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((بني الإسلام على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحجِ، وصومِ رمضان)) والإسلام إذا أُطلق، فإنه يكون مرادفًا للإيمان، وقد اعتُبرت الشهادة وهي توحيد الألوهية من الإسلام، وهي أيضًا من الإيمان كما هو واضح في الحديث السابق.

وأما الفصل بين الشهادة وبقية الأركان مع دخولها في مدلولها هو من باب عطف الخاص على العام، ونظير هذا عطف العمل الصالح على الإيمان في قول الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البينة: 7] مع أن العمل من الإيمان، وكذلك يدل على الارتباط حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بضع وستون شعبة، فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)) وفي هذا الحديث اعتُبر توحيد الألوهية من الإيمان.

وبعد أن بيَّنت الارتباط الوثيق والشديد بين توحيد الألوهية والإيمان، وذكرت أن الإيمان قول وعمل، لا بد أن أبيِّن هنا بعد هذا أثر الإرجاء على توحيد الألوهية، وقد أشرت فيما مضى إلى أن توحيد الألوهية يعتبر شطرَ الإيمان؛ إذ هو نفس العمل القلب والجوارح، وإذا كان توحيد الألوهية بهذه المنزلة الرفيعة من الإيمان، فإنه مما لا شك فيه أنه سيتأثر وسيلحقه الضرر بسبب الإرجاء، وسأبيِّن هنا موقف المتكلمين من الإيمان، وإذا عرَفنا موقفهم فسينتج عندنا مباشرة موقفهم من توحيد الألوهية.

ويعتبر الأشاعرة والماتريدية مرجئة في الإيمان؛ حيث أخرجوا العمل من حقيقة الإيمان، وجعلوه مجرد التصديق القلبي، فهذا الإمام الباقلاني -رحمه الله- يقرر أن الإيمان هو التصديق، وأن العمل لا يدخل في حقيقة الإيمان، فيقول: “واعلم أن حقيقة الإيمان هو التصديق، والدليل عليه قول الله -تبارك وتعالى- عن إخوة يوسف: {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا} [يوسف: 17] أي: بمصدقٍ لنا، وأيضًا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أخبر عن كلام البقرة والذئب قال: ((أنا أؤمن بذلك وأبو بكر وعمر)) يريد: أصدِّق، وأيضًا قول أهل اللغة: فلان يؤمن بالبعث والجزاء، والجنة والنار، أي: يصدِّق به، وفلان لا يؤمن بعذاب الآخرة، أي: لا يصدِّق”.

ثم يقول الباقلاني -رحمه الله-: “واعلم أن محل التصديق القلب، وهو أن يصدق القلب بأن الله إله واحد، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم حق، وأن جميع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم حق، وما يوجد من اللسان وهو الإقرار، وما يوجد من الجوارح وهو العمل، فإنما ذلك عبارة عما في القلب ودليل عليه”.

ومن خلال كلام الباقلاني -رحمه الله- السابق يتبين لنا أنه يعتبر الإيمان مجرد التصديق القلبي، وأن العمل لا يدخل في حقيقته، وقد صرح الباقلاني بإخراج توحيد الألوهية من الإيمان عندما قال: “وقد اتفق أهل اللغة قبل نزول القرآن، وبعث الرسول صلى الله عليه وسلم على أن الإيمان في اللغة هو التصديق دون سائر أفعال الجوارح والقلوب، وأن توحيد الألوهية هو أفعال الجوارح والقلوب”.

وقد كشف الجويني عن معنى التصديق الذي حصروا الإيمان فيه، وأنه كلام النفس، إذ يقول: “والمَرضيّ عندنا أن حقيقة الإيمان التصديق بالله تعالى؛ فالمؤمن بالله من صدَّقه، ثم التصديق على التحقيق كلامُ النفس، ولكن لا يثبت إلا مع العلم، فإنا أوضحنا أن كلام النفس يثبت على حسب الاعتقاد، والدليل -هكذا يقول الجويني- على أن الإيمان هو التصديق صريح اللغة، وأصل العربية، وهذا لا ينكَر، فيُحتاج إلى إثباته، وفي التنزيل: {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِين}  [يوسف: 17] ومعناه: وما أنت بمصدق لنا”.

فإذا كان التصديق القلبي الذي هو حقيقة الإيمان هو كلام النفس مع العلم، فإن هذا يدل بوضوح على أن عمل القلب والجوارح ليس من الإيمان، وإذا كان كذلك فهو صريح بإخراج توحيد الألوهية من الإيمان، والحقيقة أن في القلب نوعين من الإيمان: الأول: التصديق المجرد، معرفة صدق المخبر ومعرفة صدق الخبر، والثاني: عمل القلب، وهو المحبة والرضا والإخلاص والتوكل والصدق والخوف والرجاء، ونحو ذلك.

ومن خلال كلام المتكلمين نجد أنهم يعتبرون الإيمان هو التصديق المجرد، أما عمل القلب فلا يدخل في حقيقة الإيمان، ويتضح هذا مما ذكره الباقلاني، ومن بيان الجويني لحقيقة التصديق الذي هو الإيمان.

وحال الماتريدية كحال الأشاعرة في ذلك، فهذا التفتازاني -رحمه الله- يجعل حصر الإيمان في التصديق هو مذهب المحققين، إذ يقول: “وذهب جمهور المحققين إلى أنه –أي: الإيمان- التصديق بالقلب”. ومما يجدر التنبيه له أن الأشاعرة والماتريدية عندما قالوا بأن الإيمان هو التصديق، وأخرجوا العمل عنه، لا يريدون بذلك أن الأعمال ليست من دين الإسلام، أو أنها لا ثواب عليها ولا عقاب على ترك الواجب منها، وإنما أرادوا أن يُخرجوا الأعمال عن حقيقة الإيمان، بحيث لا يترتب الكفر على تركها، وكلام البغدادي السابق يدل على ذلك بوضوح، حيث رتب دخول النار على ترك الفرائض أو الوقوع في الكبائر، مع أنه لا يعتقد أن الفرائض وترك الكبائر داخلة في الإيمان.

وأود أن أبين هنا أيضًا حقيقة، وهي أن الأشاعرة استدلوا على أن الإيمان هو التصديق بالآية: {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا} [يوسف: 17] وهذا كلام في اللغة صحيح، ولكن الشرع أضاف إلى هذا المعنى اللغوي أمرًا آخر وهو الأعمال، فالشرع جعل الأعمال من الإيمان، فلا بد من الأخذ بالشرع أيضًا مع اللغة.

السبب الثاني من أسباب إهمال المتكلمين لتوحيد الألوهية: هو تفسيرهم الإله بالقادر على الاختراع:

لمّا فسر المتكلمون الإله بالقادر على الاختراع دفعهم ذلك إلى إهمال الكلام، والمعرفة والإحاطة بتوحيد الألوهية، وقد جاء تفسير الإله بالقادر على الاختراع عند أهل الكلام، حينما ظنوا أن قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] يدل على دليل التمانع، وقد أشار إلى ذلك عبد الغني الغنيمي الميداني في شرحه للعقيدة الطحاوية؛ إذ يقول: “ولا إله في الوجود غيره، بدليل التمانع المشار إليه بقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22]، وقوله: {وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [المؤمنون: 91]”.

كما أشار إلى ذلك الشهرستاني -رحمه الله- حيث يقول: “ودلالة التمانع في القرآن مسرودة على من يثبت خالقًا من دون الله سبحانه، قال تعالى: {إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} [المؤمنون: 91]”.

ثم بين أن دليل التمانع هو الأساس لتفسير الإله بالقادر على الاختراع؛ حيث يقول عقب الكلام السابق مباشرة: وعن هذا سار أبو الحسن -رحمه الله- إلى أن أخص وصف للإله هو القادر على الاختراع، فلا يشاركه فيه غيره، ومن أثبت فيه شريكةً فقد أثبت إلهين.

ومما يجدر التنبيه عليه أن المعتزلة يرون أن الإله هو الخالق، فعندما ذكر القاضي عبد الجبار دليل التمانع جعله تفسيرًا لكلمة التوحيد “لا إله إلا الله”، وفي ذلك يقول: “فأما دلالة السمع -أي: على دليل التمانع- فأكثر من أن تذكر، كنحو قوله جل وعلا: لا إله إلا هو، وأشباهه” ويذكر المعتزلة أن حقيقة الإله القادر على خلق الأجسام، وإحيائها والإنعام عليها النعمة العظيمة، وقد ذكر ذلك القاضي عبد الجبار.

وإذا جئنا لنتتبع معنى الإله عند الأشاعرة، فإننا نجد أن القشيري -رحمه الله- يفسره بأنه الرب، حيث يقول: “اختلف أقاويل أهل الحق في ذلك، والكل متقارب يرجع إلى معنى واحد، فمنهم من قال: الإله من له الإلهية، والإلهية هي القدرة على الاختراع، ومنهم من قال: هو المستحق لأوصاف العلو والرفعة، ومنهم من قال: هو من له الخلق والأمر”.

وكذلك رد البيهقي معنى الإله إلى الرب، فقال: “الله معناه من له الإلهية، وهي القدرة على اختراع الأعيان، وهذه صفة يستحقها لذاته”. ويؤكد البغدادي -رحمه الله تبارك وتعالى- اتحاد الألوهية والربوبية، وتفسيرهما بالربوبية فحسب، ونسبَ ذلك إلى أبي الحسن الأشعري -رحمه الله تبارك وتعالى-، وفي ذلك يقول كما في كتابه (أصول الدين): “واختلف أصحابنا في معنى الإله، فمنهم من قال: إنه مشتق من الإلهية، وهي قدرته على اختراع الأعيان، وهو اختيار أبي الحسن الأشعري”.

وعلى هذا يكون الإله مشتقًا من صفة؛ وقال القدماء من أصحابنا: “إنه يستحق هذا الوصف لذاته، وعندما ندقق في قول القدماء نجد أنه يوافق الآخرين في المعنى، وذلك أن البيهقي -رحمه الله- ممن يرى أن الإله صفة يستحقها الله تعالى لذاته، مع أنه يرى أنها هي القدرة على الاختراع، فلا خلاف بينهم في الحقيقة.

ومما يحسن التنبيه عليه هنا: أن أهل الكلام جعلوا توحيد الربوبية هو مدلول شهادة “أن لا إله إلا الله” فهذا الحليمي -رحمه الله- يقول: “من قال: “لا إله إلا الله” فقد أثبت الله تعالى ونفى غيره، فخرج بإثبات ما أثبت من التعطيل، وبما ضم إليه من نفي غيره من التشريك، وأثبت باسم الإله الإبداع والتدبير معًا؛ إذ كانت الإلهيات لا تصير مثبتة له جل ثناؤه بإضافة الموجودة إليه، على معنى أنه سبب لوجودها، دون أن يكون فعلًا له وضع، ويكون لوجودها بإرادته واختياره تعلق، ولا بإضافة فعل يكون منه فيها سوء الإبداع، مثل التركيب والتنظيم والتأليف؛ فإن الأبوين قد يكونان سببًا للولد على بعض الوجوه، ثم لا يستحق واحد منهما اسم الإله، والنجار والصائغ ومن يجري مجراهما، كل واحد منهم يركب، ويهيئ، ولا يستحق اسم الإله، فعُلم بهذا أن اسم الإله لا يجب إلا لكل مبدع، وإذا وقع الاعتراف بالإبداع فقد وقع بالتدبير؛ لأن الإيجاد تدبير، ولأن التدبير الموجود إنما يكون بإتقانه أو بإحداث أعراض فيه أو إعدامه بعد إيجاده، وكل ذلك إذا كان فهو إبداع وإحداث. والشاهد: أن المتكلمين فسروا الإله بالقادر على الاختراع، واقتصروا على ذلك، فنتج من هذا إهمال لتوحيد الألوهية.

error: النص محمي !!