Top
Image Alt

الأسباب المبيحة للجمع

  /  الأسباب المبيحة للجمع

الأسباب المبيحة للجمع

مبيحات الجمْع: أي: الأمور التي تُبيح الجمع بين الصلاتيْن؛ وهي المسألة الثالثة من مسائل الجمع التي اختلف الفقهاء فيها.

1. السّفَر:

أ. ما قاله ابن رشد:

يقول ابن رشد -رحمه الله-: وأما المسألة الثالثة: وهي الاسباب المبيحة للجمع، فاتّفق القائلون بجواز الجمْع وهم جمهور العلماء -كما سبق وأشرنا على: أنّ السفر منها، يعني: السفر أحدُ الأسباب المبيحة للجمع.

لكن اختلفوا في الحضَر، هل يجوز الجمع في الحضر أو لا يجوز؟ وهل السفر المبيح للجمع هو مطلق السفر؟ أم أنّ له شروطًا حتى يكون سفرًا مُبيحًا للجمع؛ لأنّ السفر منهم من جعله سببًا مبيحًا للجمع -أيّ سفر كان، وبأيِّ صفة كان-، ومنهم من اشترط فيه ضربًا من السيْر ونوعًا من أنواع السّفر.

ولتفصيل هذه الاختلافات يقول:

فأمّا الذي اشترط فيه ضربًا من السيْر، فهو مالك، في رواية ابن القاسم عنه؛ وذلك أنه قال: لا يجمع المسافر إلّا أن يجدّ به السير، يعني: لا يصحّ له الجمع ولا يجوز له الجمع، إلا أن يكون مشغولًا للسفر وقد بدأه فعْلًا قبل دخول وقت الصلاة.

ومنهم: من لم يشترط ذلك كالإمام الشافعي، وهي أيضًا إحدى الروايتيْن عن مالك.

ما دليل هؤلاء القائلين بهذا أو ذاك؟

يقول ابن رشد: ومَن ذهب هذا المذهب، فإنّما رأى قول ابن عمر: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عجّل به السير أو جدّ به السير…)). ومن لم يذهب هذا المذهب، فإنما راعى ظاهر حديث أنس وغيره؛ وحديث أنس لم يَذكُر سيْرًا ولا غيره: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخّر))، فلم يذكر تعجيلًا بالسير ولا غيره. هذه واحدة.

الثانية: أنهم اختلفوا أيضًا -القائلون بأن السفر مبيح للجمْع بين الصلاتيْن، كما اختلفوا في السّيْر والتعجيل به، اختلفوا أيضًا. في نوع السفر الذي يجوز فيه الجمع:

فمنهم من قال: هو سفر القُربة، لا يجمع المسافر بين الصلاتيْن إلّا إذا كان سفره للقُربة. تقرّب إلى الله، كالحج، والغزو أو الجهاد في سبيل الله، أو العمرة؛ وهو ظاهر رواية ابن القاسم عن مالك.

ومنهم من قال: أيّ سفر مُباح؛ الذي يبيح الجمع هو السفر المباح دون سفر المعصية؛ فالمعصية لا تبيح، والسفر المباح يُبيح الجمع بين الصلاتيْن. هذا الرأي هو قول الإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل، وظاهر رواية المدنيِّين -أهل المدينة- عن الإمام مالك -رحمهم الله-. وهذا الكلام سبق أن ذكرنا في قصر الصلاة: هل مطلق السفر يبيح قصر الصلاة، أم لا بدّ أن يكون السفر سفر قربة أو سفرًا مباحًا؟.

2. الجمْع في الحضر لغير عُذر:

أ. ما قاله ابن رشد:

يقول ابن رشد -رحمه الله-: أمّا الجمع في الحضر لغير عذر: إنسان مقيم في بيته في بلده، ليس له عذر ليجمع بين الصلاتيْن. هل يجوز له أن يجمع بين الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء؟

  • جمهور العلماء وعلى رأسهم الإمام مالك – كما يقول ابن رشد.: فإن مالكًا وأكثر الفقهاء لا يُجيزونه، لا يجيزون الجمع بين الصلاتيْن في الحضر بدون عذر.
  • وأجاز ذلك جماعة من أهل الظاهر، وأشهب من أصحاب مالك.

إذًا، هناك من العلماء من يقول بجواز الجمع بين الصلاتيْن في الحضر وبدون عذر. وقد سبق أن ذكرْنا حديث ابن عباس رضي الله عنهما: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر جمعًا، والمغرب والعشاء جمعًا، بغير خوفٍ ولا سفر)).

يقول ابن رشد، بعد بيان القوليْن السابقيْن: مَن يمنع الجمع للحاضر غير المعذور، ومَن يُجيز له ذلك: سبب اختلافهم، هو اختلافهم في مفهوم حديث ابن عباس الذي ذكرناه.

فمنهم من تأوّله على أنه كان في مطر. الرسول صلى الله عليه وسلم إنما جمع بين الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، في غير خوف ولا سفرٍ، إنما في مطر، كما قال مالك. هذا تأويل.

ومنهم مَن أخذ بعموم اللفظ، عموم الحديث؛ فأجاز الجمع للحاضر بغير عذر. وقد خرّج مسلم زيادة في حديثه، وهي: ((في غير خوفٍ، ولا سفرٍ، ولا مطرٍ))؛ يعني: حتى ما قاله الإمام مالك من التأويل وردَتْ زيادة تَمنعُه؛ وبهذا تمسّك أهل الظاهر.

3. الجمْع في الحضَر لعُذر المطر وغيره:

اختلف العلماء أيضًا في اعتبار المطر عُذرًا مبيحًا للجمع بين الصلاتيْن في الحضر. ونعرض ما قاله ابن رشد في ذلك.

أ. ما قاله ابن رشد:

يقول ابن رشد: وأمّا الجمع في الحضر لعذر في المطر:

فأجازه الشافعي ليلًا كان أو نهارًا، ومنَعه مالك في النهار، وأجازه في الليل، وأجازه أيضًا في الطين دون المطر في الليل، ومعه الإمام أحمد في ذلك. وقد عدّل الشافعي مالكًا في تفريقه من صلاة النهار في ذلك وصلاة الليل، عدّله يعني: عاب عليه في ذلك؛ لأنه أوّل الحديث؛ روى الحديث وتأوّله، يعني: خصّص عمومه من جهة القياس؛ وذلك أنه قال في قول ابن عباس: ((جمَع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، في غير خوفٍ ولا سفر)) قال: أرى ذلك كان في مطر.

قال الشافعي: فلم يأخذ مالك بعموم الحديث ولا بتأويله، بل ردّ بعضَه وتأوّل بعضَه؛ وذلك شيء لا يجوز بإجماع. وهذا معنى قول ابن رشد: “قد عدل الشافعي مالكًا”، وذلك أنه لا يأخذ بقوله في جمْع بين الظهر والعصر، وأخذ في قوله: والمغرب والعشاء؛ لأن الظهر والعصر صلاة نهارية والمغرب والعشاء صلاة ليلية. فلماذا يأخذ مالك بالصلاة اللّيليّة ولا يأخذ بالصلاة النهارية، مع أن الثِّنتيْن موجودتان في الحديث، وتأوّل مالك ذلك.

يلتمس ابن رشد العذر للإمام مالك فيقول: وأحسب أن مالكًا -رحمه الله- إنما ردّ بعض هذا الحديث؛ لأنه عارضه العمل -يعني: عمل أهل المدينة-، لحديث آحاد؛ وعمَل أهل المدينة أقوى عند الإمام مالك من أحاديث الآحاد؛ وهذا سبب من أسباب اختلاف الفقهاء -كما سبق أن ذكرْنا في مقّدمة هذا المقرر-. فأخذ مالك من الحديث بالبعض الذي لا يُعارضه العمل وهو الجمع في الحضر بين المغرب والعشاء، على ما روي أن ابن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء جمَع معهم؛ لكنّ النظر في هذا الأصل الذي هو العمل -عمل أهل المدينة- كيف يكون دليلًا شرعيًّا، فيه نظر.

فإنّ متقدّمي شيوخ المالكية كانوا يقولون: إنه من باب الإجماع، وليس الأمر كذلك، وذلك لا وجْه له. يعني ابن رشد -رغم أنه مالكي- ينقد المالكية في اعتبار أهل المدينة إجماعًا، وتقديم إجماعهم أو عمَلهم على بعض الأحاديث. يقول: هذا إجماع للبعض، وإجماع البعض لا يُحتجّ به. وكان متأخِّروهم -متأخِّرو المالكية- يقولون: إنه من باب نقل التواتر، ويحتجّون في ذلك بالصاع وغيره ممّا نقله أهل المدينة خلَفًا عن سلَف. العمل إنما هو فعْل، والفعْل لا يُفيد التواتر؛ بل سبَق أن بيَّنّا: أنّ الأفعال يتطرّق إليها احتمال، فلا تقْوى إلّا إذا اقترنت بقول؛ لأن التواتر طريقُه الخبر وليس العمل أو الفعل، وبأنّ جعْل الأفعال تفيد التواتر عسير، بل لعلّه ممنوع.

هكذا بيّن ابن رشد -رحمه الله- وجهة نظر الإمام مالك، ووجهة نظر الإمام الشافعي في اعتبار المطر مُبيحًا للجمع ليلًا عند الإمام مالك، أو نهارًا وليلًا عند الإمام الشافعي. وكأن ابن رشد -رحمه الله- يقوِّي رأي الإمام الشافعي على رأي المالكية عمومًا، أو استنتاج الإمام مالك من حديث ابن عمر.

4. الجمع في الحضَر لعُذر المَرَض:

هل يجوز الجمع في الحضر للمريض، أو لا يجوز؟

أ. ما قاله ابن رشد:

الإمام مالك والإمام أحمد أباحا للمريض الحاضر أن يجمع بين الصلاتيْن إذا خاف أن يُغمى عليه، أو كان به بطن أي: وجع بطن. أما الإمام الشافعي فمنع ذلك.

إذًا عندنا رأيان:

الرأي الأول: رأي للإمام مالك وأحمد: أنّ المبطون -أي: المريض بالبطن- أو الذي يخشى على نفسه الإغماء، أو كبير السِّن، أو من به سلس البول، أو غير ذلك -كما ذكرنا من قبل في الاستحاضة-، هؤلاء يباح لهم الجمع بين الصلاتيْن عند الإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل.

الرأي الثاني: الشافعي يمنع ذلك.

وقد علمنا: أن الحنفية يمنعون ذلك مطلقًا في غير عرفة والمزدلفة.

error: النص محمي !!