Top
Image Alt

الأسباب الموهمة للاختلاف

  /  الأسباب الموهمة للاختلاف

الأسباب الموهمة للاختلاف

ذكر الإمام الزركشي هذه الأسباب في كتابه (البرهان في علوم القرآن)، قال:

وللاختلاف أسباب:

الأول: وقوع المُخْبَرِ به على أحوال مختلفة، وتطويرات شتَّى:

كقوله تعالى في خلق آدم: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمّ مِن نّطْفَةٍ ثُمّ سَوّاكَ رَجُلاً} [الكهف: 37]، ومرة قال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مّنْ حَمَإٍ مّسْنُونٍ} [الحجر: 26]، وأخرى قال: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدّ خَلْقاً أَم مّنْ خَلَقْنَآ إِنّا خَلَقْنَاهُم مّن طِينٍ لاّزِبٍ} [الصافات: 11]، ومرة قال: {خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخّارِ} [الرحمن: 14]، وهذه الألفاظ مختلفة ومعانيها في أحوال مختلفة؛ لأن الصلصال غير الحمأ، والحمأ غير التراب، إلا أن مرجعها كلها إلى جوهر واحد، وهو التراب، ومن التراب تدرَّجت هذا الأحوال؛ فوقوع الشيء على أحوال مختلفة، وتطويرات شتَّى قد يُوهم الاختلاف والتعارض.

ولكننا عندما نفهم هذه الأحوال ونقف على هذه التطويرات نقول بأن كل آية تحمل على حالة تختلف عن الحالة الأخرى، ومن ذلك ما جاء في قول الله -تبارك وتعالى- مثلًا: {فَأَلْقَىَ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مّبِينٌ} [الأعراف: 107]، وقال الله عز وجل في موضع آخر: {وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمّا رَآهَا تَهْتَزّ كَأَنّهَا جَآنّ وَلّىَ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقّبْ يَمُوسَىَ لاَ تَخَفْ} [النمل: 10]، والجان: هو الصغير من الحيات، والثعبان هو الكبير منها؛ فقد يظهر للناظر لأوَّل مرة أن هذا تعارض، ولكن هذا ليس تعارض، وإنما هذه أحوال مختلفة لما ذكره رب العالمين سبحانه.

وبيان ذلك: أن خلق الثعبان عظيم، ولذلك كانت هذه الحية عظيمة؛ لأنها ثعبان، والثعبان عظيم، وكون الله عز وجل يذكر عنها بأنها جانّ في اهتزازها، ففي اهتزازها وحركتها وخفتها هي كاهتزاز الجان وخفَّته، فلا تناقض ولا اضطراب.

الثاني: اختلاف الموضوع:

– وذلك كقول الله تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنّهُمْ مّسْئُولُونَ} [الصافات: 24]، وقوله: {فَلَنَسْأَلَنّ الّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف: 6]، هكذا قال رب العالمين سبحانه مثبتًا السؤال، ومع هذا قال: {فَيَوْمَئِذٍ لاّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنّ} [الرحمن: 39]، فنفى هنا السؤال، قال الإمام الحليمي -رحمه الله- في دفع هذا الأمر الذي يُوهم الاختلاف، قال: إن الآية الأولى تحمل على السؤال عن التوحيد، وتصديق الرسل. والثانية: على ما يستلزم الإقرار بالنبوَّات من شرائع الدين وفروعه، وحمله غيره على اختلاف الأماكن؛ أنهم مرة يُسألون في مكان وفي مكان آخر لا يُسألون؛ لأن القيامة فيها مواقف متعدِّدة وكثيرة، فموضع يُسأل العبد ويناقش، وفي موضع آخر يُرحم ويلطف به، في موضع يُعنَّف ويوبَّخ، وهذا يكون للكفار، وفي موضع آخر لا يكون تعنيف ولا توبيخ، وهذا يكون لأهل الإيمان.

– ومثل هذا ما جاء في قول الله -تبارك وتعالى: {إِنّ الّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَـَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاّ النّارَ} [البقرة: 174]، مع قوله سبحانه: {فَوَرَبّكَ لَنَسْأَلَنّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الحجر: 92- 93]، فالآية الأولى نفت أن يكلِّم رب العالمين سبحانه وتعالى هؤلاء القوم يوم القيامة، والآية الثانية أثبتت أن الله -تبارك وتعالى- يسألهم ويسأل الناس جميعًا عمَّا كانوا يعملون، وللجمع بينهما نقول: بأن موضوع المنفي مختلف عن موضوع المثبت؛ فالكلام المنفي هو كلام التلطف والإكرام مع هؤلاء الكافرين، أما الكلام المثبت فهو سؤال التوبيخ والإهانة، وكلام التوبيخ والإهانة، فلا تنافي بحال، ومثله قوله تعالى: {وَجَزَآءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللّهِ إِنّهُ لاَ يُحِبّ الظّالِمِينَ} [الشورى: 40] مع قوله {أُولَـَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ} [هود: 20].

والجواب: أن التضعيف هنا ليس على حدِّ التضعيف في الحسنات؛ بل هو راجع لتضاعيف مرتكباتهم، فكان لكل مرتكب منها عذاب يخصُّه؛ فليس التضعيف من هذا الطريق على ما هو في الطريق الآخر، وإنما المراد هنا تكفيره بحسب كثرة المجترحات؛ لأن السيئة الواحدة يُضاعف الجزاء عليها بدليل سياق تلك الآية، وهو قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمّنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ كَذِباً أُوْلَـَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىَ رَبّهِمْ وَيَقُولُ الأشْهَادُ هَـَؤُلآءِ الّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىَ رَبّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظّالِمِينَ (18) الّذِينَ يَصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِالاَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} [هود: 18- 19]. فهؤلاء كذَبوا على ربهم، وصدُّوا عن سبيله، وبغوها عوجًا، وكفروا، فهذه مرتكبات عُذِّبوا بكل مرتكب منها. وكقوله تعالى: {ثُمّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبّنَا مَا كُنّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23]، مع قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرّسُولَ لَوْ تُسَوّىَ بِهِمُ الأرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً} [النساء: 42]، وقد أشرت إلى ذلك في هذا مرة، وجمعت بينهما.

وهناك أيضًا آيات ذكروا أنها تُعارض بعضها البعض؛ لاختلاف الموضوع، وبالنظر إلى هذه الآيات ندفع ذلك بفضل الله -تبارك وتعالى.

مثالًا آخر لتوضيح هذه المسألة:

– وهو أنهم قالوا: قال الله -تبارك وتعالى-: {وَعَلَى الّذِينَ هَادُواْ حَرّمْنَا كُلّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} [الأنعام: 146] قالوا: هذا يعارض قول الله تعالى: {رَبّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286].

والجواب: أن المراد لا تكسب شرًّا ولا إثمًا بدليل سبب النزول، أو ضُمِّن معنى تجني، وهذه الآية اختصر الله -تبارك وتعالى- فيها على الشر، والأخرى ذكر فيها الأمران؛ ولهذا لما ذكر القسمين ذكر ما يُميِّز أحدهما عن الآخر، وها هنا لما كان المراد ذِكر أحدهما اختصر عليه بِفَعَل، ولم يأتِ بافْتَعَل، ومنه قوله تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ حَقّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] مع قوله: {فَاتّقُواْ اللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، قال ابن المنيَّر -رحمه الله تعالى-: الظاهر أن قوله تعالى: {فَاتّقُواْ اللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} إنما نُسخ حُكمه لا فضله وأجره، وقد فسَّر النبي صلى الله عليه وسلم: {اتّقُواْ اللّهَ حَقّ تُقَاتِهِ} بأن قال: “هو أن يُطاع فلا يعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويشكر فلا يكفر”، فقالوا: أَيُّنَا يطيق ذلك، فنزلت: {فَاتّقُواْ اللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}.

وكان التكليف أولًا باستيعاب العمر بالعبادة، بلا فترة، ولا نعاس، كما كانت الصلاة خمسين، ثم صارت بحسب الاستطاعة خمسًا، والاقتدار منزَّل على هذا الاعتبار، ولم ينحطّ عن درجاته، وقال الشيخ كمال الدين الزملكاني -رحمه الله-: وفي كون ذلك منسوخًا نظر. وقوله تعالى: {اتّقُواْ اللّهَ حَقّ تُقَاتِهِ} هو معنى قوله: {فَاتّقُواْ اللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}؛ إذ به أمر، فإن: {اتّقُواْ اللّهَ حَقّ تُقَاتِهِ} الوقوف على أمره ودينه، وقد قال بذلك كثير من العلماء.

وأما الحديث الذي ذكره ابن المنيَّر -رحمه الله تعالى- في التفسير، وهو أن: {فَاتّقُواْ اللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ما سبق أن ذكرته لم يثبت مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم بل هو من كلام ابن مسعود، هو أن يُطاع فلا يُعصى إلى آخره، وقد رواه النسائي، وليس فيه قول الصحابة: “أَيُّنَا يُطيق ذلك”.

– ومن ذلك أيضًا قول الله -تبارك وتعالى-: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النّسَآءِ مَثْنَىَ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً} [النساء: 3] مع قوله تعالى في أواخر السورة: {وَلَن تَسْتَطِيعُوَاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} [النساء: 129] هنا لا يُوجد تعارض بحالٍ، وذلك لاختلاف الموضوع.

وبيان ذلك أن أقول بأن المراد بالعدل في قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُواْ} المراد به: العدل بين الأزواج في توفية حقوقهنَّ، وهذا ممكن الوقوع وعدمه. أما المراد بالعدل في الآية الثانية، وهي قوله تعالى: {وَلَن تَسْتَطِيعُوَاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النّسَآءِ} فالمراد به: هو الميل القلبي، فالإنسان لا يملك ميل قلبه إلى بعض زوجاته دون بعض، وقد كان صلى الله عليه وسلم يَقْسِمُ بين نسائه، ثم يقول: ((اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تُؤاخِذْنِي بما لا أملك)) يعني: ميل القلب، وكان عمر يقول: “اللهم قلبي فلا أملكه، وأما ما سوى ذلك فأرجو أن أعدل”، ويمكن أن يكون المراد بالعدل في الثانية العدلُ التام، وقد أشار إلى ذلك ابن عطية -رحمه الله، تبارك وتعالى.

وأحيانًا يحتاج الاختلاف إلى تقدير محذوف، وعند التقدير يرتفع الإشكال، وذلك كقول الله تعالى: {لاّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} [النساء: 95]، ثم قال سبحانه: {فَضّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَىَ} [النساء: 95]، والأصل في الأولى: وفضل الله المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر درجة. والأصل في الثانية: وفضل الله المجاهدين على القاعدين من الأَصِحَّاءِ درجات. وممن ذكر أن المحذوف كذلك الإمام بدر الدين بن مالك -رحمه الله تعالى- في (شرح الخلاصة).

الثالث: الاختلاف في جِهَتِيّ الفعل:

– وذلك كقول الله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـَكِنّ اللّهَ رَمَىَ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلآءً حَسَناً} [الأنفال: 17]، هنا في هذه الآية نفى رب العالمين سبحانه وتعالى أن يكون الصحابة رضي الله عنهم قد قتلوا أحدًا من المشركين في غزوة بدر، ولكن في الحقيقة الصحابة  باشروا القتل والقتال في هذه المعركة، ولكن الله -تبارك وتعالى- نفاه عنهم باعتبار التأثير يعني: أن فاعل القتل على الحقيقة هو ربُّ العالمين سبحانه وتعالى، جل في علاه- والعبد فاعل بقدر حركته وتصرفه وغير ذلك.

– ومن هذا أيضًا قول الحق تبارك وتعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـَكِنّ اللّهَ رَمَىَ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلآءً حَسَناً} [الأنفال: 17] الناظر في الآية يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى، والآية تُشير إلى ذلك، ومع ذلك الله عز وجل ينفي عنه هذا الرمي فيقول: {وَلَـَكِنّ اللّهَ رَمَىَ}، والمعنى: أي ما رميت خلقًا، إنما أنت رميت فعلًا، يعني: أنت فعلت فعلًا، وقمت به، أما رب العالمين سبحانه وتعالى هو الذي فعل بهم بقدرته -جل في علاه- ما فعل.

الرابع: الاختلاف في الحقيقة والمجاز:

– وهذا كقوله الله -تبارك وتعالى-: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلّ مُرْضِعَةٍ عَمّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا} [الحج: 2]، وكقوله: {يَتَجَرّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} [إبراهيم: 17]، وهو يرجع لقول المناطقة الاختلاف بالإضافة أي: وترى الناس سكارى بالإضافة إلى أهوال القيامة مجازًا، وما هم بسكارى على الحقيقة بالإضافة إلى خمر الدنيا، ومثله في الاعتبارين قول الله -تبارك وتعالى-: {وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8]، وقوله أيضًا: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} [الأنفال: 21]؛ فإن الله -تبارك وتعالى- مثلًا قال: {وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ} فأثبت أنهم قالوا: آمنا يعني: أنهم آمنوا إيمانًا ليس حقيقيًّا، فنفي الإيمان بعد ذلك؛ لأن ما ادَّعوه من إيمان هو إيمان يمكن أن نطلق عنه بأنه إيمان مجازي، يتنافى مع الإيمان الحقيقي.

الخامس: أن تأتي الآيات على وجهين أو على اعتبارين:

– وهذا كقول الله تعالى: {لّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مّنْ هَـَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 22]، وقال الله تعالى: {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذّلّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيّ} [الشورى: 45] يعني: الذي يستمع لأوَّل مرَّة {يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيّ} وهي تُفيد شدِّة الرؤية يعني: يقول بأن هذا يتناقض مع قوله تعالى: {فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}، وقد جمع بينهما قطرب -رحمه الله- فقال: {فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} أي: علمك ومعرفتك بها قوية من قولهم: بصر بكذا وكذا أي: علم، وليس المراد: رؤية العين. قال الفارسي: ويدل على ذلك قول الله تعالى: {فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 22]؛ لأنه وصف البصر هنا بالحدَّة.

– ومثله ما جاء في قول الله تعالى: {الّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، مع قوله تعالى: {إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ الّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَىَ رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ} [الأنفال: 2] فقد يُظنُّ أن الوجل: خلاف الطمأنينة.

وجوابه: أن الطمأنينة إنما تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد، والوجل يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى، فتوجل القلوب لذلك، وقد جمع بينهما في قوله: {اللّهُ نَزّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مّتَشَابِهاً مّثَانِيَ تَقْشَعِرّ مِنْهُ جُلُودُ الّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبّهُمْ ثُمّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىَ ذِكْرِ اللّهِ} [الزمر: 23]، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، فإن هؤلاء قد سكنت نفوسهم إلى معتقدهم ووثقوا به، فانتفى عنهم الشك.

– أيضًا ما جاء في قوله تعالى: {وَأَمّا الّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ النّارُ كُلّمَآ أَرَادُوَاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا} [السجدة: 20] بلفظ: {أُعِيدُواْ فِيهَا} على وصف العذاب، وقال في سورة سبأ: {وَنَقُولُ لِلّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ النّارِ الّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذّبُونَ} [سبأ: 42] بلفظ {ذُوقُواْ} على وصف النار، وفيه أربعة أوجه:

أحدها: أنه وصف العذاب في السجدة لوقوع النار موقع الضمير الذي لا يُوصف، وإنما وقعت موقع الضمير لتقدُّم إضمارها مع قوله: {كُلّمَآ أَرَادُوَاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا} [السجدة: 20] فحقَّ الكلام، وقيل لهم: ذوقوا عذابها، فلما وضعها موضع المضمر الذي لا يقبل الوصف عاد إلى وصف العذاب. وأما في سبأ فوصفها لعدم المانع من وصفها.

والثاني: أن الذي في السجدة وصف النار أيضًا، وذكِّر حملًا على معنى الجحيم والحريق.

والثالث: أن الذي في السجدة في حقِّ من يُقِرُّ بالنار، ويجحد العذاب، وفي سبأ في حقٍّ من يجحد أصل النار.

والرابع: أنه إنما وصف العذاب في السجدة؛ لأنه لما تقدم ذكر النار مضمرًا ومظهرًا؛ عدل إلى وصف العذاب، ليكون تلوينًا للخطاب، فيكون أنشط للسامع بمنزلة العدول من الغيبة إلى الخطاب.

ومن ذلك أيضًا قول الله -تبارك وتعالى-: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتّىَ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرّطُونَ} [الأنعام: 61]، وقال: {الّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السّلَمَ مَا كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوَءٍ بَلَىَ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 28]، وقال تعالى أيضًا: {قُلْ يَتَوَفّاكُم مّلَكُ الْمَوْتِ الّذِي وُكّلَ بِكُمْ ثُمّ إِلَىَ رَبّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة: 11] وقال الله عز وجل: {اللّهُ يَتَوَفّى الأنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا وَالّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا فَيُمْسِكُ الّتِي قَضَىَ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الاُخْرَىَ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى} [الزمر: 42]، وقال: {وَهُوَ الّذِي يَتَوَفّاكُم بِاللّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنّهَارِ ثُمّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىَ أَجَلٌ مّسَمّى} [الأنعام: 60]، وقد يبدو للإنسان في الظاهر تعارضٌ بين هذه الآيات؛ لأنه قال أولًا: {تَوَفّتْهُ رُسُلُنَا}، وقال: {تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ}، وقال: {قُلْ يَتَوَفّاكُم مّلَكُ الْمَوْتِ} ثم نسب الله عز وجل التوفِّي إلى نفسه فقال: {اللّهُ يَتَوَفّى الأنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا}، وقال: {وَهُوَ الّذِي يَتَوَفّاكُم بِاللّيْلِ}.

وقد جمع البغوي -رحمه الله تبارك وتعالى- بين كل ذلك فقال: إن تَوَفِّيَ الملائكة بالقبض والنزع، وتَوَفِّيَ ملك الموت بالدعاء والأمر، يدعو الأرواح فتُجيبه، ثم يأمر أعوانه بقبضها، وتَوَفِّي الله سبحانه وتعالى هو خلق الموت فيه، ومنه قول الله تعالى في البقرة: {فَإِن لّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتّقُواْ النّارَ الّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24]، وفي سورة التحريم قال: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاّ يَعْصُونَ اللّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] بالتنكير؛ لأنها نزلت بمكة قبل آية البقرة، فلم تكن “النار التي وقودها الناس والحجار” معروفة، فنَكَّرَهَا، ثم نزلت آية البقرة بالمدينة مشارًا بها إلى ما عرفوه أولًا.

وقال الله عز وجل في سورة البقرة: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ} [البقرة: 126]، وفي سورة إبراهيم: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَـَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيّ أَن نّعْبُدَ الأصْنَامَ} [إبراهيم: 35]؛ لأنه في الدعوة الأولى كان مكانًا، فطلب منه أن يجعله بلدًا آمنًا، وفي الدعوة الثانية كان بلدًا غير آمنٍ فعرَّفه، وطلب له الأمن، أو كان بلدًا آمنا، وطلب ثبات الأمن ودوامه.

وبهذا يمكننا أن نجيب عما أن يكون فيه اختلاف بعد أن ذكرت الأسباب الموهمة للاختلاف، وبالتالي نخلص إلى أنه لا تناقض ولا اضطراب في كلام رب العالمين، ولا بين القرآن الكريم، وبين ما بين القرآن الكريم من سنة النبي الآمين.

error: النص محمي !!