Top
Image Alt

الأسس السيكولوجية لبناء المناهج

  /  الأسس السيكولوجية لبناء المناهج

الأسس السيكولوجية لبناء المناهج

إن العمل التربوي الناجح الذي يقوم به كل متعلم محكومٌ بسلسلة من الخطوات, التي تبدأ ببحثه عن هدف معين تمليه ظروفه الخاصة، وتساعده على تحقيقه مقدراته العقلية، ومدى نضجه وخبرته التي حصلها، وتنتهي بالوصول إلى تحقيق هذا الهدف.

وفيما بين التفكير في الهدف، والنجاح في تحقيقه يجتاز المتعلم عقبات، ويتغلب على المشاكل التي تصادفه، ويتمرس بكثير من الأعمال والمهارات، ويسترشد بالتوجيهات والمعارف التي يحصل عليها من المصادر العديدة؛ كالمدرس، والكتاب، والزميل الكبير داخل المدرسة وخارجها، وغير ذلك.

ويظل المتعلم أهم العناصر الفعّالة في هذه العملية؛ فيتقدم نحو الهدف بمقدار ما يزداد بصيرة بالموقف التعليمي، ويحلل أخطاءه، ويسترجع تصرفاته واستجاباته في ضوء هذا الهدف؛ ليتخلى عما يضل به الطريق نحوه، ويبقي على ما عداه مما يساعده في اجتيازه، وحينئذٍ يتعرف على الاستجابات الصحيحة؛ فيحرص عليها ليستخدمها في مواقف الحياة الأخرى. وهو لا يستطيع أن يفعل ذلك إلا إذا قامت المناهج الدراسية التي توضع له على هدف جعل الفرص التربوية، وأوجه النشاط التعليمي المتضمنة فيها ذات قيمة، ومعنى حيوي له.

وصفة المتعلم تتحقق في الفرد إذا استطاع أن يستجيب لموقفٍ ما بما لم يكن يستطيعه قبل ذلك، فهو حين يقرأ قراءة سليمة مثلًا، يحسن فيها النطق بالألفاظ، ورعاية القواعد النحوية، واختيار الوقفات، وغير ذلك مما كان مجهولًا لديه؛ فقد تعلم شيئًا، والتعلم الذي يكسب الفرد هذه الصفة يقوم على تكامل الخبرات، وارتباط بعضها ببعض، بمعنى: أن يكون ما تعلمه الفرد قاعدة للبناء لما لم يتعلمه، وألا تجزأ له الموضوعات في عملية التعلم؛ بل تساق إليه في كل متكامل، مسايرة لطبيعته الإنسانية في اكتساب الخبرات؛ فإن هذه الطبيعة الإنسانية تقتضي التعرف على المواقف بجملتها وبكل ما يتعلق بتا, سواء من الناحية الاجتماعية، أو الرياضية، أو التاريخية، أو الجغرافية، أو اللغوية، أو غيرها.

وإذا كان التعلم يلتصق بالمتعلم على هذا النحو، فكل فرصة تربوية ينبغي أن تجعل منه مركز النشاط فيها، وإلا كان مآلها الفشل؛ فلا ينتفع بها الفرد نفسه، ولا تقوى على تحريك المجتمع حركة نهضة أو نمو حقيقي في الاتجاه المرغوب فيه، وإنما تدعه يتعثر ويتخبط في طريق الوصول إلى ما يهدف إليه.

مفهوم أسس المناهج:

إن المقصود بالأسس هي تلك المؤثرات والعوامل, التي تتأثر بها عمليات المنهج في مراحل التخطيط والتنفيذ، وتعتبر هذه المؤثرات والعوامل بمثابة المصادر الرئيسة لكافة الأفكار التربوية, التي تصلح أساسًا لبناء وتخطيط المنهج الصالح، والمقصود بالتخطيط: هو عملية بناء المنهج وتصميمه، أما التنفيذ فهو عملية تطبيق المنهج وتجريبه.

إن المنهج لا بد أن يستند إلى فكر تربوي، أو نظرية تربوية تأخذ بعين الاعتبار جميع العوامل التي تؤثر في عملية وضعه وتنفيذه، وحتى تكون هذه النظرية متكاملة, يفترض فيها أن تكون ذات أبعاد تشمل فلسفة المجتمع الذي نعيش فيه، وطبيعة المتعلم الذي نقوم بإعداده وتربيته، ونوع المعرفة التي نرغب في تزويده بها.

وقد أكد أحد التربويين هذا الاتجاه، فقال: إن أي نظرية في مجال المناهج, يجب أن تكون ثلاثية الأبعاد (متعلم، معرفة، مجتمع).

ولكي تكون هذه النظرية عملية وشاملة, فلا بد أن تؤخذ بعين الاعتبار الخبرات السابقة في بناء المناهج، والإمكانيات المادية والبشرية المتاحة في البيئة، والتجارب والخبرات العالمية في وضع المنهج، والتي تقوم على الدراسة والتجريب العلمي.

أسس المناهج:

يتحدد ميدان المناهج بثلاثة اتجاهات رئيسة، تمثل الأسس التي يقوم عليها بناء المنهج، وهذه الاتجاهات هي:

الأول: يرى أن التلميذ أو المتعلم هو محور بناء المنهج، وهذا الاتجاه يجعل من المتعلم وقدراته وميوله وخبراته السابقة أساسًا لاختيار محتوى المنهج وتنظيمه، وهذا الاتجاه يمثل الأساس النفسي للمنهج.

الثاني: يرى أن المعرفة هي محور بناء المنهج، وبهذا الاتجاه يجعل من المعرفة الغاية التي لا يماثلها شيء في الأهمية؛ حيث توجه كافة الجهود والإمكانات لصب المعلومات في عقول التلاميذ بصورة تقليدية، وهذا يعني عدم إعطاء أي اعتبار لإمكانيات التلميذ وميوله، أو خبراته السابقة؛ مما يجعل مهمة المعلم تقتصر على نقل المعرفة من الكتاب إلى عقول التلاميذ، وهذا الاتجاه يمثل الأساس المعرفي للمنهج.

الثالث: يرى أن المجتمع هو محور بناء المنهج، وهذا الاتجاه يركز على ما يريده المنهج بكل حاجاته وفلسفته وثقافته، وهو يمثل الأساس الفلسفي والاجتماعي للمنهج.

الأسس النفسية للمنهج:

مفهوم الأسس النفسية:

هي المبادئ النفسية التي توصلت إليها دراسات وبحوث علم النفس حول طبيعة المتعلم، وخصائص نموه، وحاجاته، وميوله، وقدراته، واستعداداته، وحول طبيعة عملية التعلم التي يجب مراعاتها عند وضع المنهج وتنفيذه.

ومن المعروف أن محور العملية التربوية هو الطالب, الذي تهدف إلى تنميته وتربيته عن طريق تغيير وتعديل سلوكه، ووظيفة المنهج هي إحداث هذا التغيير في السلوك؛ يقول علماء النفس التربوي: إن السلوك هو محصّلة عاملين, هما: الوراثة والبيئة، ومن تفاعل الوراثة وما ينتج عنها من نمو مع البيئة، ومع ما ينتج عنها من تعلم يحدث السلوك, الذي نرغب فيه في الطالب المتعلم.

علاقة المنهج بطبيعة المتعلم:

1- طبيعة الطالب المتعلم.

2- طبيعة عملية التعلم.

أولًا: علاقة المنهج بطبيعة المتعلم:

يعود الاهتمام بدراسة طبيعة الإنسان المتعلم؛ لكونه محور العملية التعليمية، وإن تقديم أي خبرات تعليمية له دون معرفة مسبقة بخصائصه، وحاجاته، وميوله، ومشكلاته تؤدي إلى الفشل في بلوغ الأهداف التي يرمي إليها المنهج؛ ومن هنا فإن معرفة طبيعة المنهج المتعلم أمر أساسي في وضع المنهج وتنفيذه.

ولقد اختلفت النظرة إلى طبيعة الإنسان باختلاف العصور؛ مما أثر على تشكيل المنهج وعناصره. ومن أهم هذه النظريات التي تتحدث عن الطبيعة الإنسانية ما يلي:

– النظرية الثنائية للطبيعة الإنسانية:

وتعود هذه النظرية إلى المفكرين اليونانيين, الذين قالوا: إن طبيعة الإنسان تنقسم إلى جسم وروح، وترى أن المعرفة النظرية التي يحصل عليها العقل عن طريق التأمل والتذكر, أسمى من المعرفة التي تتم عن طريق تفاعل الإنسان مع البيئة التي يعيش فيها، وقد ترتب على هذه النظرية اهتمام بالنواحي النظرية العقلية, دون اهتمام بالنواحي الجسمية، وما تتطلبه من نشاط وعمل؛ غير أن التربية الحديثة أثبتت خطأ هذه النظرية، واعتبرت أن الإنسان وحدة متكاملة، مما يعني عدم جواز الفصل بين نموه العقلي والاجتماعي والعاطفي.

– نظرية الاختزان العقلي:

وهي ترى أن الإنسان يولد وعقله صفحة بيضاء كمخزن أو وعاء، وأن واجب المدرسة يتمثل في ملئه بالتراث والخبرات الإنسانية المتنوعة، وهذه النظرية ترى أن المتعلم ليس إلا مجرد مستقبل للمادة الدراسية, التي يقدمها المعلم باعتباره مسئولًا عن ملء عقل المتعلم بالتراث الثقافي، سواء كان مفيدًا للتلميذ أو غير مفيد.

ولكن علم النفس أثبت خطأ هذه النظرية، وأكد أن الإنسان يولد ولديه استعدادات تنمو عن طريق تفاعله مع البيئة، وأنه لا يتعلم إلا إذا كان عاملًا فعّالًا، وليس مجرد مستقبل لما يقدم له من معرفه، كما أنه لا يتعلم إلا ما لم يعتقده أنه مفيد لحياته.

– نظرية التدريب العقلي:

سيطرت هذه النظرية على الفكر التربوي عدة قرون، وترى أن عقل الإنسان يتألف من مجموعة من المَلَكات، تستقل كل منها عن الأخرى، مثل: ملكة التفكير، والذاكرة، وغيرهما، وأن هذه الملكات تدرب بالمواد الدراسية التي تناسبها؛ ولذلك نظمت المناهج الدراسية على أساس اشتمالها على المواد اللازمة لتدريب هذه الملكات، فالتاريخ يدرب ملكة الذاكرة، والعلوم تدرب ملكة التحليل، غير أن علم النفس أثبت خطأ هذه النظرية؛ نظرًا لصعوبة الفصل بين الجسم والعقل, حيث إن كلًّا منهما يتأثر بالآخر ويؤثر فيه.

– نظرية الغرائز:

تقول هذه النظرية: إن طبيعة الإنسان تسيطر عليها غريزة واحدة، أو مجموعة غرائز، ولكن الأبحاث النفسية أثبتت أن طبيعة الإنسان متغيرة متطورة، وتسعى دائمًا إلى تكييف نفسها حسب الظروف، وأنها قادرة على التحسين والتقويم.

المنهج, ونموّ المتعلمين:

تستهدف التربية مساعدة كل فرد على أن ينمو وفق قدراته واستعداداته نموًّا موجهًا نحو ما يرجوه المجتمع، وما يهدف إليه، ويهتم المربون -بشكل عام- ومخططو المنهج -بشكل خاص- بما توصلت إليه الأبحاث حول سيكولوجية نمو الفرد؛ من أجل مراعاة خصائص النمو في المراحل التعليمية المختلفة.

ويعرف النمو على أنه: مجموع التغيرات التي تحدث في جوانب شخصية الإنسان الجسمية والعقلية والاجتماعية والانفعالية، والتي تظهر من خلال إمكانيات الإنسان، واستعداداته الكامنة على شكل قدرات أو مهارات أو خصائص.

مبادئ وأسس النمو:

أظهرت الدراسات النفسية أن هناك مبادئ وأسسًا عامة للنمو, ينبغي أن تراعى في وضع المنهج، وهي تتمثل فيما يلي:

– النمو يتأثر بالبيئة:

إن عملية النمو لا تحدث من تلقاء نفسها، وإنما تتوقف على ظروف البيئة التي يعيش فيها الإنسان، سواء كانت بيئة طبيعية أو اجتماعية، فالبيئة الصالحة تساعد على النمو السليم؛ في حين أن البيئة الفاسدة تعيقه.

ولما كانت البيئة تمثل الجانب الذي يمكن التحكم به، فإن على المدرسة بكل ما فيها أن تهيئ أفضل الظروف لنمو التلاميذ، وعلى المنهج أن يتيح للتلاميذ أفضل فرص للنمو السليم، كما أن على المدرسة والمنزل والمجتمع كبيئات يتفاعل بعضها مع بعض، وتؤثر في نمو الفرد أن تتعاون في تحقيق أهداف المنهج.

– النمو يشمل جميع نواحي شخصية الإنسان:

وتشمل عملية النمو جميع نواحي النمو الخاص بشخصية الإنسان الجسمية والعقلية والاجتماعية والانفعالية، وتؤثر كل ناحية من هذه النواحي في غيرها وتتأثر بها؛ لهذا يجب أن يهتم المنهج بجمع نواحي النمو في شخصية التلميذ باعتبارها جزءًا من أجزاء متكاملة, بدلًا من العناية بجانب واحد على حساب الجوانب الأخرى.

– النمو عملية مستمرة:

ينمو الإنسان نموًّا تدريجيًّا متصلًا، فالتغيرات التي تحدث للفرد في حاضره لها جذورها في ماضيه، وهي تؤثر بدورها فيما يحدث له من تغيرات في مستقبله، ورغم أن النمو عملية مستمرة إلا أن حياة الإنسان يمكن تقسيمها إلى مراحل، لكل مرحلة منها خصائصها وأنماط سلوكها.

ومن واجب المنهج في ضوء ذلك أن يقدم خبرات مترابطة ومتدرجة، بحيث تستند على خبرات التلاميذ السابقة، وتؤدي إلى اكتساب خبرات أخرى في المستقبل، فعلى سبيل المثال: لا يجوز أن ينتقل المنهج بالطفل من المدرسة الابتدائية إلى المرحلة المتوسطة, انتقالًا مفاجئًا غير متدرج.

– النمو عملية فردية:

أي: إن كل فرد يختلف في سرعة نموه، وفي معدل هذا النمو عن الأفراد الآخرين؛ لذا ينبغي ألا نتوقع أن يتعلم جميع التلاميذ في سن معينة القراءة والكتابة، أو العمليات الحسابية، فالفرد الواحد تختلف معدلات نموه في الجوانب العقلية، أو الجسمية، أو الاجتماعية، أو الانفعالية؛ فقد يكون نموه سريعًا في الناحية الجسمية، ومتوسطًا أو بطيئًا في الناحية العقلية، ونحو ذلك.

ومن هنا نلمس وجود الفروق الفردية بين التلاميذ في مظاهر النمو المختلفة؛ ولهذا فإن من واجب المنهج أن يراعي هذه الفروق الفردية بين التلاميذ, على نحو ما يلي:

أن ينوع المنهج من أنشطته؛ حتى يجد كل تلميذ النشاط الملائم له.

أن يوفر خبرات مرنة, تتيح لكل تلميذٍ أن ينمو وفقًا لظروفه الخاصة.

أن ينوع من طرق التدريس وأساليبه, بحيث تناسب استعدادات الأمي وقدراته.

أن تتيح أمام التلاميذ فرصًا أكبر للنجاح؛ لأنه لا شيء أدعى للنجاح من النجاح نفسه.

أن يوفر توجيهًا دراسيًّا ومهنيًّا ونفسيًّا لكل تلميذ في ضوء استعداداته، وميوله، وظروفه الخاصة.

إن الاهتمام بمراعاة الفروق الفردية بين التلاميذ, ليس معناه عدم وجود خصائص مشتركة بينهم في كل مرحلة من مراحل النمو، فالواقع أن هناك قدرًا كبيرًا من النواحي المشتركة بين الأطفال في كل مرحلة.

– يتأثر النمو بالمواقف الاجتماعية التي يعيشها الفرد:

تتكون البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها الفرد من عوامل لا حصر لها، ومن بينها المطالب التي يفرضها على الفرد والداه وزملاؤه ومدرسوه، والجماعات تضع معايير للتعلم والتكيف والنمو ينبغي أن يصل إليها التلميذ؛ حتى يستمتع بوجوده في الجماعة الاجتماعية التي يعد جزءًا منها، وهي ما تسمى بمطالب النمو.

error: النص محمي !!