Top
Image Alt

الأسلوب السّابع من أساليب قريش فِي الصّدّ عن دين الله تعالى: سبّ القرآن الكريم، والطّعن فِي مصدره، والأسلوب الثامن: الاستعانة باليهود فِي وضع أسئلة تعجيزيّة للرسول صلى الله عليه وسلم

  /  الأسلوب السّابع من أساليب قريش فِي الصّدّ عن دين الله تعالى: سبّ القرآن الكريم، والطّعن فِي مصدره، والأسلوب الثامن: الاستعانة باليهود فِي وضع أسئلة تعجيزيّة للرسول صلى الله عليه وسلم

الأسلوب السّابع من أساليب قريش فِي الصّدّ عن دين الله تعالى: سبّ القرآن الكريم، والطّعن فِي مصدره، والأسلوب الثامن: الاستعانة باليهود فِي وضع أسئلة تعجيزيّة للرسول صلى الله عليه وسلم

الأسلوب السَّابع من أساليب قريش فِي الصَّدِّ عن دين الله تعالى: سبُّ القرآن الكريم، والطَّعن فِي مصدره:

عرف المشركون ما للقرآن فِي عقول العقلاء وأفصح الفصحاء، فلجئوا إلى أساليب شتَّى لإبعاد الناس عنه، مخافة أنْ يتأثَّروا به. ومن تلك الأساليب:

1. سبُّ القرآن الكريم:

روى البخاري ومسلم فِي قوله تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} [الإسراء: 110]: أنَّ ابن عباس قال: “أُنزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختفٍ بمكة، وكان إذا صلَّى بأصحابه رفَع صوته بالقرآن، فإذا سمع المشركون سبُّوا القرآن ومَن أنزله ومَن جاء به، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ}، أي: بقراءتك، فيسمع المشركون، فيسبُّوا القرآن. {وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} عن أصحابك، فلا تُسمعهم، {وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً} [الإسراء: 110].

2. وصْفُ القرآن الكريم بأنَّه أساطير الأولين:

كان النَّضر بن الحارث مِن شياطين قريش، وينصب العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يعارض ما يذْكره صلى الله عليه وسلم مِن قصص الأنبياء، وربما كان معه مِن الأساطير التي تعلَّمها فِي الحِيرة وبلاد فارس، ويقول: يا معشر قريش، أنا أحسن حديثًا من محمد، وما حديثه إلا أساطير الأولين! فردَّ الله تعالى عليه قوله، فقال: {وَقَالُوَاْ أَسَاطِيرُ الأوّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىَ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (5) قُلْ أَنزَلَهُ الّذِي يَعْلَمُ السّرّ فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِنّهُ كَانَ غَفُوراً رّحِيماً} [الفرقان: 5، 6].

3. قولهم بأنَّ القرآن مصْدره: البشَر.

قال ابن إسحاق: فأنزل الله عليهم فِي قولهم: إنَّا قد بلَغَنا أنك إنَّما يُعلِّمك رجل باليمامة، يُقال له: الرحمن، ولن نؤمن به أبدًا، فأنزل الله تعالى: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِيَ أُمّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ لّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الّذِيَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرّحْمَـَنِ قُلْ هُوَ رَبّي لآ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} [الرعد: 30].

كان صلى الله عليه وسلم يجلس أحيانًا عند المروة إلى غلامٍ نصرانيّ، يُقال له: جبر، وغلام آخر يُسمَّى: يسارًا، يصنع السيوف؛ فكانوا يزعمون أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يتعلَّم القرآنَ ويتلقَّاه مِن هذيْن الغلاميْن، أو أحدهما، وقد ردَّ الله سبحانه عليهم بقوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنّهُمْ يَقُولُونَ إِنّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ لّسَانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيّ وَهَـَذَا لِسَانٌ عَرَبِيّ مّبِينٌ} [النحل: 103].

وعلى الرغم مِن هذه المواقف إلَّا أنَّ كِبارَهُم كانوا يستمعون إلى القرآن الكريم سِرًّا، فذكر ابن إسحاق عن الزهري، أنه حدَّث: أنَّ أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليستمعوا مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يُصلِّي مِن الليل فِي بيْته، فأخذ كلُّ رجلٍ منهم مَجلسًا يستمع فيه، وكلٌّ لا يعلَم بمكان صاحبه، فيأتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجْر تفرَّقوا، فجمعَهم الطَّريق، فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا! فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم فِي نفسه شيئًا، ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كلُّ رجل إلى مجلسه، فيأتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرَّقوا فجمعَهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثلما قالوا أوَّل مرة، ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كلُّ رجل منهم مجلسه، فيأتوا يستمعون له. حتى إذا طلع الفجر، تفرقوا فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود إلى ذلك، فتفرَّقوا.

نعوذ بالله مِن المكابرة عن قبول الحقِّ، ونسأله الهداية.

الأسلوب الثامن: الاستعانة باليهود فِي وضع أسئلة تعجيزيَّة للرسولِ صلى الله عليه وسلم:

اليهود أهل كتاب، والمُفترَض فيهم أنْ يكونوا المبادِرين إلى اتِّباع الرسولِ صلى الله عليه وسلم؛ لأنّهم يعرفونه كما يعرفون أبناءَهم؛ لأنَّ الكُتبَ السماوية السابقة تحدثتْ عنه بإسهاب، وبأوصافه التي لا تدَع مجالًا للشكِّ فيه؛ ومع ذلك فقد ظاهروا عليه عبَدَة الأوثان، وألَّبوهم على قتاله، وردِّ دعْوته، وهذا أمْر ليس بمستغرَب على قتَلَة الأنبياء، ومُحرِّفي الكتب السماوية (التوراة والإنجيل).

أوفدت قريشٌ وفدًا منها إلى المدينة، وعلى رأسهم: النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، ليأتوا مِن اليهود بأسئلة تعجيزية يطرحونها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت لهم يهود: سلوه عن أهل الكهف، وعن ذي القرنيْن، وعن الرُّوح، فأقبل النضر وعقبة حتى قدما مكة على قريش، فقالا: قد جئناكم بفصْل ما بيْنكم وبيْن محمد… فجاءوا محمدًا صلى الله عليه وسلم فسألوه، فقال لهم: ((أُخبركم غدًا))، ولم يستثْنِ.

قال ابن إسحاق: فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمْس عشرة ليلة، وفي بعض الروايات: أنَّ الوحي تأخَّر عليه ثلاثة أيام، لمْ يُحدث الله تعالى فِي ذلك وحيًا، ولا يأتيه جبريل، حتى أرجف أهل مكة، قالوا: وعَدَنا محمد غدًا، واليوم خمْس عشرة ليلة… حتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مُكثُ الوحي عنه، وشقَّ عليه ما يتكلَّم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل عليه السلام بسورة (الكهف)، وفيها معاتبته على حزنه عليهم: {فَلَعَلّكَ بَاخِعٌ نّفْسَكَ عَلَىَ آثَارِهِمْ إِن لّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً} [الكهف: 6]، ثم الإجابة عن الأسئلة، وإجابة سؤال الرُّوح جاء فِي الآية الخامسة والثمانين من سورة الإسراء.

وفي (صحيح البخاري): أنَّ اليهود سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن الرُّوح، فِي المدينة، فأنزل الله تعالى عليه الآية: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرّوحِ قُلِ الرّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي وَمَآ أُوتِيتُم مّن الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً} [الإسراء: 85]. وبِناءً على هذا، فقد رجَّح بعضُ العلماء ما فِي الصحيح، وقالوا: بأنَّ الآية مدنيَّةٌ، وإن كانت السورة مكية.

وقد جمَع العلماء بيْن الأمريْن بتكرار النزول، ومنهم: ابن كثير. وقال الزركشي: لا مانع مِن نزول بعض القرآن أكثر مِن مرة، تعظيمًا له وتذكيرًا بفضله. 

ومن أسئلتهم: أنه كان صلى الله عليه وسلم جالسًا معهم فِي مجلس، وفيه النضر، فأفحمهم صلى الله عليه وسلم وتلا عليهم قول الله تعالى: {إِنّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) لَوْ كَانَ هَـَؤُلآءِ آلِهَةً مّا وَرَدُوهَا وَكُلّ فِيهَا خَالِدُونَ (99) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ}  [الأنبياء: 98- 100]، فقام صلى الله عليه وسلم وأقبل عبد الله بن الزبعرى، فحدَّثه الوليد بن المغيرة بما جرى، وعجزهم عن الرد عليه صلى الله عليه وسلم، فقال: أما والله لو وجدته لخصمْتُه، فسلوا محمدًا: أكُلُّ ما يُعبد مِن دون الله فِي النار؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبُد عُزيرًا، والنصارى تعبد المسيح عيسى بن مريم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ كلَّ مَنْ أحبَّ أن يُعبد مِن دون الله فهو مع مَنْ عَبَده فِي النار…)).

error: النص محمي !!