Top
Image Alt

الأشياء التي ينعت بها

  /  الأشياء التي ينعت بها

الأشياء التي ينعت بها

لكي أوضح الأشياء التي ينعت بها، لا بد من أن أقسِّم النعت باعتبار لفظه: إن النعت باعتبار لفظه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: مفردًا، وجملة، وشبه جملة.

الأشياء التي يُنعت بها المفرد هي كما يلي:

أولًا: المشتق: والمراد به ما دلَّ على حدثٍ وصاحبه، كضارب اسم فاعل، ومضروب اسم مفعول، وحسنٍ صفة مشبهة، وأفضل أفعل تفضيل؛ فالمشتق: هو ما دلَّ على حدثٍ وصاحبه ممَّا اتَّصف به الفعل، أو قام به، أو وقع منه، أو عليه، أو ما هو بمعنى أحدهما؛ فالذي اتصف بالفعل، أو قام به هو اسم الفاعل من اللازم، والذي وقع منه الفعل هو اسم الفاعل من المتعدِّي، والذي وقع عليه الفعل هو اسم المفعول، وما كان بمعنى اسم الفاعل أمثلة مبالغة، والصفة المشبهة، وأفعل التفضيل، وما كان بمعنى اسم المفعول هو صيغة فعيل بمعنى مفعول، وأفعل التفضيل إذا كان فعله مبنيًّا للمجهول، وقلنا بجواز اشتقاقه منه فالمشتق بهذا يشمل اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، وأفعل التفضيل، وأمثلة المبالغة، وفعيلًا بمعنى مفعول، وعلى هذا لا يشمل المشتق هنا ما أخذ من المصدر للدلالة على زمان الفعل، أو مكانه، أو آلته، وذلك اسم الزمان واسم المكان واسم الآلة، فإن هذه الثلاثة لا ينعت بشيء منها.

ثانيًا: الجامد المشبه للمشتق في المعنى: وتُسمى الأشياء المشتقَّة تأويلًا، وذكر ابن هشام في كتابه (أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك) ثلاثة أمثلة لهذا الجامد المشبه للمشتق، وقد ذكر اسم الإشارة، وذكر “ذو” بمعنى صاحب، وذكر الاسم المنسوب، أو أسماء النسب، ومثَّل لاسم الإشارة بقوله: مررت بزيد هذا، ومثَّل لـ”ذي” بمعنى صاحب بقوله: مررت برجل ذي مال، ومثَّل للمنسوب بقوله: مررت برجل دمشقي، قال: لأن قولك: مررت بزيد. هذا، معناه الحاضر، ومعنى قولك: مررت برجل ذي مال: صاحب مال، ومعنى مررت برجل دمشقي: منسوب إلى دمشق.

وقد زاد العلماء أمثلة أخرى على هذه الثلاثة، من ذلك “ذو” الموصولة عند قبيلة طيّئ التي بمعنى الذي، وفروعها كذات وذوات، نحو قولك: جاءني الرجل ذو تحدثت إليه. أي: الرجل الذي تحدثت إليه، ومن ذلك أيضًا الأسماء الموصولة المبدوءة بهمزة الوصل، كـ”الذي، والتي، واللائي…” إلى آخره. أما غير المبدوءة بالهمزة أصلًا كـ “مَن وما”، أو المبدوءة بهمزة القطع كـ”أي”؛ فلا تقع نعتًا.

ومن أمثلة الجامد المشبه للمشتق في المعنى أيضًا: أسماء الأعداد نحو قولك: اشتريت الأثواب الثلاثة، ونحو: خطبت في الرجال الخمسين خطبة بليغة؛ فإنها في معنى المعدودة بهذه العدَّة، ونحو: قرأت كتبًا سبعة، ونحو: كتبت صحفًا خمسة؛ فيكون العدد هنا صفة إذا أُريد تحقيق غرض من أغراض النعت، ومن الجامد المشبه للمشتق في المعنى لفظ “أي”، بشرط أن يُضاف إلى نكرة تُماثل المنعوت معنًى، نحو قولك: اتخذت صاحب أيَّ صاحب، أو اتخذت صاحبًا أيَّ صديق.

ومن الأسماء الجامدة المشبهة للمشتق في المعنى، والتي يصحُّ أن ينعت بها بعض الألفاظ المؤولة بالمشتق، بلغ معناها غاية عظيمة في الكمال، أو النقص كلفظة “كل”، أو “جد”، أو لفظة “حق”، بشرط أن يُضاف كل واحد منها إلى اسم جنس يكمِّل معنى المنعوت، نحو قولك: هذا الرجل كل الرجل، أو تقول مثلًا: عرفت العالم كل العالم، وتقول: هذا صديق جدٌّّ وفيٌّ، وتقول: أنت الصديق حقّ الصديق.

ومما يتضمَّن وصفًا في المعنى، ويصح أن يُنعت به: المصغر، فيأخذ حكم النسب، فيلحق بالمشتق تقول: هذا طفل رُجيل، حين تمدح وتقول: هذا رجل طفيل في الذَّمِّ.

ثالثًا: المصدر: تقول: هذا رجل عدل، وهذا رجل رضًا، وهذا رجل زور، وهذا رجل فطر، فـ”هذا” مؤول عند علماء الكوفة بالمشتقِّ، فعدلٌ مؤولة بعادل، ورضا مؤولة بمرضي، وزور مؤولة بزائر، وفطر مؤولة بمفطر.

أما عند علماء البصرة فالأمثلة على تقدير مضاف، كقولك: هذا رجل عدل، أي: رجل ذو عدل، وهكذا بقية الأمثلة، ولهذا التزم إفراده وتذكيره، كما يُلتزمان لو صرَّح بـ”ذو”.

وقد اشترط بعض العلماء للمصدر لأن يُنعت به أن يكون منكرًا صريحًا، أي: غير مؤول، غير ميمي، وغير دالٍّ على الطلب، وأن يكون فعله ثلاثيًّا، وأن يلتزم صيغته الأصلية من ناحية الإفراد والتذكير، وفروعهما؛ إن تحقق الشرط يجوز لك أن تصف بالمصدر، فتقول: رأيت في المحكمة قاضيًا عدلًا، وشهودًا صدقًا، ونظامًا رضًا، وجموعًا زورًا بين المتقاضين، تريد: قاضيًا عادلًا، وشهودًا صادقين، ونظامًا مرضيًّا، وجموعًا زائرةً بين المتقاضين.

وقد اختلف رأي النحاة في وقوع المصدر نعتًا: أقياسيٌّ هو أم مقصور على السماع؟ فأكثرهم يميل إلى قصره على السماع، مع اعترافهم بكثرته في الكلام العربي الفصيح، وفي مقدمته القرآن الكريم؛ حيث جاء قوله تعالى: {وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا} [الفتح: 12] أي: هلاك بمعنى هالكين، وهو في أصله مصدر يُوصف به المفرد، والمثنى، والجمع، والمؤنث، والمذكر، مع تأويله في كل ذلك بالمشتقِّ.

وقيل: إنه جمع بائر فيكون على هذا مشتقًّا لا مصدرًا مؤولًا بالمشتق، وجاء النعت بالمصدر في قوله: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} [الجن: 1] أي: عجيبًا، فعجب المصدر. وفي قوله: {مَّاء غَدَقًا} [الجن: 16] أي: كثيرًا، ويلخص ابن مالك النعت بالمشتق، والمؤول به حين يقول:

وانعت بمشتق كصعب وذَرِب

*وشبهه كذا وذي والمنتسب

 

ويقول:

ونعت بمصدر كثيرًا

*فالتزموا الإفراد والتذكير

رابعًا: الجملة: والجملة التي تصلح نعتًا، لا بد أن تجمع عددًا من الشروط ألخصها لك فيما يلي:

الشرط الأول: يكون في منعوتها: وهو أن يكون نكرة إما لفظًا ومعنى، كقوله تعالى: {وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ} [البقرة: 281]، أو معنًى لا لفظًا حين يكون المنعوت معرفًا بـ”أل” الجنسيَّة، فيكون معرفة في اللفظ، ونكرة في المعنى؛ ولذا تُسمَّى النكرة حينئذٍ نكرةً غير محضة؛ كقول الشاعر:

ولقد أمرُّ على اللئيم يسبني

*فمضيت ثُمَّت قلت لا يعنيني

وقد سبق شرح هذا البيت، وما أؤكده لك هنا فيه أن جملة “يُسبُّني” وقعت نعتًا لمعرفة، وهو “اللئيم”، و”اللئيم” هنا معرف بـ”أل” الجنسية، وإنما ساغ ذلك لأنه، وإن كان معرفة في اللفظ، نكرة في المعنى؛ لأن “أل” المقترنة به جنسية. وإن أعربت الجملة حالًا -كما سبق أن ذكرت لك- فإن الشاهد يخرج من باب النعت.

ورأى بعض العلماء أن المعنى يأبى أن تعرب الجملة حالًا، فإن الشاعر لم يقصد أنه يمرُّ به في حال كونه يسبُّه، وإنما أراد أنه يمرُّ على اللئيم الذي من دَيْدَنِهِ، وشيمته، وسجيته أنه يقع فيه.

الشرط الثاني: يشترط أن يكون المنعوت النكرة مذكورًا، فلا يجوز حذف هذا المنعوت إلا في حالة، وزعم قوم أنه لا يشترط فيه هذا الشرط، فيجوز أن تكون النكرة محذوفةً أي: النكرة الواقعة منعوتًا، واستشهدوا بقول الشاعر:

أنا ابن جَلَا وطلَّاع الثنايا

*متى أضع العمامة تعرفوني

 

فإن بعض العلماء جعلوا “جلا” جملة صفة لموصوف محذوف، والتقدير: أنا ابن رجل جلا، والقائلون بالاشتراط -يعني: الذين يتمسكون بالشرط، ولا يجوز حذف المنعوت النكرة- يقولون: إن “جلا” إما أن يكون مصدرًا، وأصله ممدود، فقصره الشاعر، وكأنه قال: أنا ابن جلاء ووضوح، وإما أن يكون فعلًا ماضيًا فيه ضمير مستتر، وقد سُمِّي به كما سمَّوا تأبَّطَ شرًّا، وعلى ذلك إن صحَّ ما قالوه؛ فيكون البيت شاذًّا.

الشرط الثالث: أن تكون الجملة مشتملة على ضمير يربطها بالموصوف، ويطابقه، ويجعل الكلام والمعنى متماسكين متصلين؛ ولذا سُمِّي هذا الرابط رابطًا، وهذا الرابط إما أن يكون ملفوظًا به كقول الله تعالى المتقدِّم: {وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ}، وإما أن يكون مقدرًّا يُعرف بقرينة من السياق، أو غيره، ولا لبس في حذفه؛ كقوله تعالى: {وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} [البقرة: 48] أي: لا تجزي فيه.

الشرط الرابع: أن تكون هذه الجملة خبرية محتملة للصدق والكذب.

وأمثلة ذلك كثيرة، منها ما سبق، ومنها مثلًا قول الشاعر:

ولا خير في قوم تُذَل كرامهم

*ويعظم فيهم نذلهم ويسود

 

فلا تصلح الجملة الإنشائية بنوعيها الطلبي وغير الطلبي، فلا يصح أن تقول: مررت برجل اضربه، ولا تقول: رأيت مسكينًا عاونه، أو شاهدت محتاجًا هل تساعده؟ أو شاهدت محتاجًا لا تُهنه. ولا يصحَّ: هذا كتاب بعتكه، تريد إنشاء البيع الآن وقت النطق، والموافقة عليه، لا أنك تُخبر بأن البيع حصل قبل النطق. وسبب ذلك: أن الطلب لا يدل على معنًى محصل؛ فلا يفيد النعت به، فإن جاء ما ظاهره ذلك يؤوَّل على إضمار القول، كقول العجاج بن رؤبة أو غيره:

حتى إذا جنَّ الظلام واختلط

*جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط

 

أي: جاءوا بلبن مخلوطٍ بالماء مقول عند رؤيته هذا الكلام، والشاهد في هذا البيت قوله: “بمذق هل رأيت الذئب”، فإن ظاهره يفيد وقوع الجملة الاستفهامية، وهي قوله: “هل رأيت الذئب” نعتًا للنكرة التي هي قوله “مذق”. وهذا الظاهر غير مراد، بل جملة الاستفهام مفعول به قد حذف عامله، وهذا العامل المحذوف هو الذي يقع نعتًا، وأصل الكلام: جاءوا بمذق مقول عند رؤيته: هل رأيت الذئب.

و”المذق”: هو اللبن المخلوط بالماء، ومتى كثر خلط اللبن بالماء صار لونه إلى الزرقة، قال ابن مالك ملخصًا هذه المسألة:

ونعتوا بجملة منكرا

*فأعطيت ما أعطيته خبرا

وامنع هنا إيقاع ذات الطلب

*وإن أتت فالقول أضمر تصِبِ


error: النص محمي !!