Top
Image Alt

الأصل الرابع وهو المنزلة بين المنزلتين

  /  الأصل الرابع وهو المنزلة بين المنزلتين

الأصل الرابع وهو المنزلة بين المنزلتين

أ. المراد بالمنزلة بين المنزلتين عند المعتزلة:

يقول القاضي عبد الجبار وهو يبين معنى المنزلة بين المنزلتين: “والأصل في ذلك أن هذه العبارة إنما تستعمل في شيء بين شيئين، ينجذب إلى كل واحد منهما بشبه. هذا في أصل اللغة، وأما في اصطلاح المتكلمين: فهو العلم بأن لصاحب الكبيرة اسمًا بين الاسمين وحكمًا بين الحكمين”.

ويشرح القاضي عبد الجبار هذا التعريف فيقول: “إن صاحب الكبيرة له اسم بين الاسمين، فلا يكون اسمه اسم الكافر ولا اسم المؤمن، وإنما يسمى فاسقًا، وكذلك صاحب الكبيرة له حكم بين الحكمين، فلا يكون حكمه حكم الكافر ولا حكم المؤمن، بل يفرد له حكم ثالث، وهذا الحكم الذي ذكرناه هو سبب تلقيب المسألة بالمنزلة بين المنزلتين، فإن صاحب الكبيرة له منزلة تتجاذبها هاتان المنزلتان، فليست منزلته منزلة الكافر ولا منزلة المؤمن، بل له منزلة بينهما”.

ويقول ابن المرتضى وهو يسوق ما أجمعت عليه المعتزلة: “وأما ما أجمعت عليه المعتزلة؛ فقد أجمعت على المنزلة بين المنزلتين، وهو أن الفاسق لا يسمى مؤمنًا ولا كافرًا”.

ويقول الإسفراييني -رحمه الله: “ومما اتفقت عليه المعتزلة من فضائحهم قولهم: إن حال الفاسق الملي يكون في منزلة بين المنزلتين، لا هو مؤمن ولا كافر، وإن هو خرج من الدنيا قبل أن يتوب يكون مخلدًا في النار، ولا يجوز لله تعالى أن يغفر له أو يرحمه، أي: أن مرتكب الكبيرة بكونه يشبه المؤمن في عَقدِه ولا يشبهه في عمله، ويشبه الكافر في عمله ولا يشبهه في عقده، أصبح وسطًا بين الاثنين، وتبعًا لهذا يكون عذابه أقل من عذاب الكافر”.

ومن هذه الأقوال يظهر لنا مقصود المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين، وهو أن مرتكب الكبيرة ليس مؤمنًا ولا كافرًا، لا في الاسم ولا في الحكم، بل هو في منزلة بين المنزلتين، فلا يسمى مؤمنًا ولا كافرًا، هكذا زعموا، وإنما يسمى فاسقًا، وحكمه كذلك بين الحكمين، فلا يكون حكمه حكم الكافر ولا حكم المؤمن، وإنما له حكم بينهما، هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فإنه يخلد في النار، لكنه يكون عذابه أخف من عذاب الكافر.

ب. ذكر بعض شبهاتهم والرد عليهم:

فمن الشبه التي ذكرها واصل بن عطاء في ذلك قال: “وَجدت أحكام الكفار المجمع عليها، المنصوصة في القرآن الكريم كلها زائلة عن صاحب الكبيرة، فوجب زوال اسم الكفر عنه بزوال حكمه؛ لأن الحكم يتبع الاسم، كما أن الاسم يتبع الفعل.

 وأحكام الكفر المجمع عليها على ضربين:

الأول: حكم أهل الكتاب؛ قال تعالى: {قَاتِلُواْ الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَلاَ يُحَرّمُونَ مَا حَرّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقّ مِنَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتّىَ يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] فهذا حكم الله في أهل الكتاب، وهو زائل عن صاحب الكبيرة.

الثاني: حكم الله في مشركي العرب؛ قال تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرّقَابِ حَتّىَ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدّواْ الْوَثَاقَ فَإِمّا مَنّا بَعْدُ وَإِمّا فِدَآءً حَتّىَ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد: 4] فهذا حكم الله في مشركي العرب، وفي كل كافر سوى أهل الكتاب، وهو زائل عن صاحب الكبيرة.

ثم قد جاء في السنة المجمع عليها أن أهل الكفر لا يوارثون، ولا يدفنون في مقابر أهل القبلة، وليس يُفعل ذلك بصاحب الكبيرة، وحكم الله في المنافق أنه إن ستر نفاقه، وكان ظاهره الإسلام فهو مسلم، له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وإن ظهر كفره استتيب، فإن تاب وإلا قتل، وهذا الحكم زائل عن صاحب الكبيرة.

وحكم الله في المؤمن الولاية والمحبة والوعد بالجنة؛ قال تعالى: {اللّهُ وَلِيّ الّذِينَ آمَنُواْ} [البقرة: 257] وقال سبحانه: {وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنّ لَهُمْ مّنَ اللّهِ فَضْلاً كِبِيراً} [الأحزاب: 47] وقال تعالى: {وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ} [التوبة: 72]. وحكم الله في صاحب الكبيرة أن لعنه، وأعد له عذابًا أليمًا؛ قال تعالى: {أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظّالِمِينَ} [هود: 18] وقال تعالى: {وَإِنّ الْفُجّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: 14]، وما أشبه ذلك من القرآن الكريم.

وقال تعالى أيضًا في بعض آيات القرآن الكريم بأن هؤلاء الفجار في جحيم مقيم”.

وبدءوا يأتون ببعض الآيات التي يفسرونها تفسيرًا لا يتفق مع المنهج الصحيح، وبعد أن ذكروا هذه الآيات قالوا: فوجب بناء عليها أن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن؛ لزوال أحكام المؤمن عنه في كتاب الله، ووجب أنه ليس بكافر لزوال أحكام الكفار عنه، ووجب أنه ليس بمنافق لزوال أحكام المنافقين عنه، ووجب أنه فاسق فاجر لتسمية الله له بذلك، لذا فهو فاسق مخلد في النار لتوعد الله له بذلك، ولكنه في عذاب أخف من عذاب الكافر.

هذا كلام واصل بن عطاء وقد سقتُه بلون من ألوان التصرف.

وقال أيضًَا في موضع آخر: “إن الإيمان عبارة عن خصال خير، إذا اجتمعت سمي المرء مؤمنًا، وهو اسم مدح، والفاسق لم يستكمل خصال الخير، ولا استحق اسم المدح، فلا يسمى مؤمنًا، وليس هو بكافر أيضًا؛ لأن الشهادة وسائر أعمال الخير موجودة فيه، لا وجه لإنكارها، لكنه إذا خرج من الدنيا على كبيرة من غير توبة؛ فهو من أهل النار خالدًا فيها؛ إذ ليس في الآخرة إلا فريقان: فريق في الجنة، وفريق في السعير، ولكنه تُخفف عنه النار”.

هذا كلام واصل بن عطاء، ومعلوم أنه له رأسًا كبير ًا في الاعتزال.

وبعد أن ذكرت هذه الشبهات التي ذكرها، أرد على هذه الطائفة فأقول:

 أما قولكم: إنه ليس بكافر، فهذا نوافقكم عليه، وأما قولكم: إنه ليس بمنافق، فكذلك هو ليس بمنافق؛ لأن كبيرته لا توجب استتابته، فإن تاب وإلا قتل، كما يُعمل مع المنافق إذا ظهر نفاقه، أما إذا لم يظهر لم يعلم هل هو منافق أم لا؟ لذا يعامل معاملة المسلمين.

وأما ما ذهبوا إليه من قولهم: إنه ليس بمؤمن، فهذا على إطلاقه لا نوافقهم عليه، بل نقول: إنه مؤمن ناقص الإيمان، قد نقص إيمانه بقدر ما ارتكب من معصية، فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يكون له الاسم مطلقًا، ولا يسلب عنه مطلق الإيمان، وهذا كلام سديد صحيح، انبنى على معتقد أهل السنة والجماعة.

ومما يدل على أن الفاسق لم تخرجه كبيرته من الإيمان، ما جاء في قول الله -تبارك وتعالى- من آيات نادى الله عز وجل فيها أصحاب المعاصي والذنوب والموبقات بلفظ الإيمان؛ كقول الله تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرّ بِالْحُرّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالاُنثَىَ بِالاُنْثَىَ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178].

ونحن نلاحظ في هذه الآية أن الله -تبارك وتعالى- سمى القاتل أخًا للمقتول، ولا شك أن المراد بالأخوة هنا الأخوة الإيمانية، وهذا يدل على أن كبيرة القتل لم تخرجه من الإيمان، وقبل ذلك فقد خاطبهم جميعًا بلفظ الإيمان، مع أن فيهم قتلة، مما يدل على أن الكبيرة لا تخرج من الإيمان، كما أننا نلاحظ في هذه الآية أن الله -تبارك وتعالى- رغَّب في العفو، وهذا يدل على أن القاتل ليس كافرًا؛ لقوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ} [البقرة: 178].

وأيضًا نستدل على معتقدنا هذا الصحيح، ونحن نرد على شبهات المعتزلة بقول الله -تبارك وتعالى: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىَ الاُخْرَىَ فَقَاتِلُواْ الّتِي تَبْغِي حَتّىَ تَفِيَءَ إِلَىَ أَمْرِ اللّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوَاْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9].

ففي هذه الآية أطلق الله -تبارك وتعالى- اسم الإيمان على الطائفتين المتقاتلتين من المؤمنين، مما يدل على أن كبيرة القتل لم تخرجهما من الإيمان، وكذلك كبيرة البغي، وقد قال الله عز وجل في هذا السياق: {إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 10]. فهو سبحانه وتعالى أيضًا أخبر بإيمان كلا الطائفتين، ودعا إلى الصلح بينهما.

والآيات الناطقة بذلك كثيرة، أكتفي بما ذكرت، لأستدل بعد ذلك ببعض الأحاديث النبوية الشريفة، الدالة على أن الفاسق معه إيمان، ومن ذلك ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه مسلم وغيره، من رواية أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ فقال صلى الله عليه وسلم: وإن زَنى وإن سرق، على رَغْم أنف أبي ذر)).

ففي هذا الحديث دلالة على أن من قال: لا إله إلا الله، وإن ارتكب شيئًا من الكبائر فإنه يدخل الجنة، مما يدل على أن كبيرته لم تخرجه من الإيمان.

أيضًا من الأدلة التي نستدل بها، ونرد بها على هؤلاء في معتقدهم الفاسد: إجماع الأمة من عصر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا على: الصلاة على من مات من أهل القبلة من غير توبة، وعلى الدعاء لهم والاستغفار لهم، مع العلم بارتكابهم للكبائر، بعد الاتفاق على أن ذلك لا يجوز لغير المؤمن، مما يدل على أنهم لم يخرجوا من الإيمان.

وأما قول المعتزلة: إن الفاسق قد أخرجه فسقه من الإيمان، فهذا ينبني على أن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله؛ لأنهم يقولون: إن من عمل كبيرة لم يبق معه من الإيمان شيء، وهذا باطل.

وقد بيَّن بطلانه الإمام ابن تيمية -رحمه الله- في معرض الرد على من قال بهذا القول، ونص قوله هو: “وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله. فهذا ممنوع، وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان؛ فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله ولم يبق منه شيء، ثم قالت الخوارج والمعتزلة: هو مجموع ما أمر الله به ورسوله، وهو الإيمان المطلق. قالوا: فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء، فيخلد في النار.

وقالت المرجئة على اختلاف فرقهم: لا تُذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئًا من الإيمان؛ إذ لو ذهب شيء منه لم يبقَ منه شيء، فيكون شيئًا واحدًا يستوي فيه البر والفاجر”.

ونصوص الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه تدل على ذهاب بعضه وبقاء بعضه؛ كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي سبق أن ذكرته آنفًا: ((أخرجوا مَن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)). فهذا الحديث دليل على أن الإنسان يكون معه موبقات وكبائر ومعاصي، يدخل بها الجنة، ويكون أيضًا معه إيمان أو شيء من الإيمان.

ولهذا كان أهل السنة والحديث على أنه يتفاضل -يعني: الإيمان- وينقص، ويقولون أيضًا: الإيمان يزيد وينقص، وقد ثبت لفظ الزيادة والنقصان منه عن الصحابة رضي الله عنهم ولم يُعرف فيهم مخالف.

ومن ذلك ما روي من وجوه كثيرة عن حماد بن سلمة، عن أبي جعفر، عن جده عمير بن حبيب الخُطَمِي، وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الإيمان يزيد وينقص. قيل له: وما زيادته وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا فذلك نقصانه”.

 وروى إسماعيل بن عياش، عن جرير بن عثمان، عن الحارث بن محمد، عن أبي الدرداء قال: “الإيمان يزيد وينقص”. وروى إسماعيل بن عياش، عن أبي هريرة رضي الله عنه نحو ذلك، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول لأصحابه: “هلموا نزدد إيمانًا، فيذكرون الله عز وجل”.

وأيضًا فإن الزيادة قد نطق بها القرآن الكريم في عدة آيات؛ كقوله تعالى: {إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ الّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَىَ رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ} [الأنفال: 2].

يقول ابن تيمية -رحمه الله: “وهذه الزيادة وقت تلاوة الآية، فهذا يدل على أن الإيمان -إذًا- يزيد، وليس هو تصديقهم بها عند النزول، وكقوله سبحانه: {الّذِينَ قَالَ لَهُمُ النّاسُ إِنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] فهذه الزيادة عند تخويفهم العدو، ولم تكن عند آية نزلت، فازدادوا يقينًا وتوكلًا على الله، وثباتًا على الجهاد”.

ومثل هذه الآيات كثير، فإذا ثبت أن الإيمان يذهب بعضه ويبقى بعضه، وأنه يزيد وينقص، بطل قولهم: إن الفسق يُخرج من الإيمان، وعلى ذلك؛ فالفاسق مؤمن ناقص الإيمان، وليس في منزلة بين منزلتي: الكفر والإيمان، كما ادعى ذلك المعتزلة.

ونقول لهم أيضًا: ما دام مرتكب الكبيرة معه من الإيمان شيء -ولو إيمانًا ناقصًا- فإنه لا يخلد في النار، بل يعذب على قدر ذنبه، ثم يَخرج من النار ويدخل الجنة؛ لقول الله -تبارك وتعالى: {إِنّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 48]، ولقوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ خَيْراً يَرَهُ} [الزلزلة: 7] ولقوله صلى الله عليه وسلم وقد سبق أن ذكرت هذا الحديث: ((يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)).

وقد سبق عرض شيء من شبهات المعتزلة في قولهم بتخليد صاحب الكبيرة في النار، مع مناقشتها عند الكلام على أصل الوعد والوعيد، وعلى هذا فقولهم بتخليد صاحب الكبيرة في النار، باطل، وقد ظهر هذا واتضح، وعليه فتبطل شبهتهم هذه التي ذكروها.

أيضًا من شبهاتهم التي ذكرها الخياط قال فيها: “إن واصل بن عطاء لم يُحدث قولًا لم تكن الأمة تقول به، إذ إنه وجد الأمة مجمعة على تسمية أهل الكبائر بالفسق والفجور، مختلفة فيما سوى ذلك من أسمائهم، فأخذ بما أجمعوا عليه. وتفسير ذلك أن الخوارج وأصحاب الحسن كلهم -وهو يعني: الحسن البصري- مجمعون والمرجئة على أن صاحب الكبيرة فاسق فاجر، ثم تفردت الخوارج فقالت: هو مع فسقه وفجوره كافر. وقالت المرجئة: هو مع فسقه وفجوره مؤمن. وقال الحسن ومن تابعه: هو مع فسقه وفجوره منافق. فقال لهم واصل بن عطاء: قد أجمعتم على أن سميتم صاحب الكبيرة بالفسق والفجور، فهو اسم له صحيح بإجماعكم، وقد نطق القرآن به في آية القاذف وغيرها من القرآن، فوجب تسميته بذلك. وما تفرد به كل فريق منكم من الأسماء فدعوى لا تقبل منه إلا ببينة من كتاب الله، أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

وأرد على هذه الشبهة فأقول:

أولًا: إن مرتكب الكبيرة مؤمن ناقص الإيمان، فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، كما بينت ذلك عند الرد على الشبهة الأولى، ثم إن إيمانه متفق عليه بين السلف، فإذًا قولهم: بأن إيمانه مختلف فيه، باطل.

ثانيًا: قول المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين، ترك للمتفق عليه بين السلف، ومنهم الحسن؛ لأن النفاق كفر إن أظهره صاحبه، وإن لم يظهره فيعامل معاملة المسلمين، إضافة إلى ذلك أنه نُقل عنه الرجوع عن هذا القول إلى المذهب الحق والمتفق عليه، وهو الإمام الحسن -رحمه الله.

والمذهب الحق هو أن المكلف إما مؤمن أو كافر، ولا واسطة بينهما، وقد أخذ بهذا القول أهل السنة والجماعة، واعتبروا أن فساق الملة لم يخرجوا من الإيمان إلى الكفر، والنفاق له كلام آخر وهو أمر معلوم.

ولمعرفة مذهب أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبيرة، لا بد أن أسوق شيئًا من أقوال أئمة السلف في ذلك، وأبدأ هنا بقول الإمام ابن تيمية -رحمه الله- الذي يقول فيه: “مذهب أهل السنة والجماعة أن فساق أهل الملة ليسوا مخلدين في النار، كما قالت الخوارج والمعتزلة، وليسوا كاملين في الدين والإيمان والطاعة، بل لهم حسنات وسيئات، ويستحقون بهذا العقاب وبهذا الثواب”.

ويقول شارح (الطحاوية): “إن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرًا يَنقل عن الملة بالكلية، كما قالت الخوارج؛ إذ لو كفر كفرًا ينقل عن الملة لكان مرتدًّا، يقتل على كل حال، ولا يقبل عفو ولي القصاص، ولا تجري الحدود في الزنا والسرقة وشرب الخمر، وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من دين الإسلام، ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام، ولا يدخل في الكفر ولا يستحق الخلود مع الكافرين، كما قالت المعتزلة، فإن قولهم باطل أيضًا؛ إذ قد جعل الله مرتكب الكبيرة من المؤمنين؛ قال تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178] إلى أن قال سبحانه: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 178] فلم يخرج القاتل من الذين آمنوا، وجعله أخًا لولي القصاص، والمراد أخوة الدين بلا ريب.

ونصوص الكتاب والسنة والإجماع تدل على أن الزاني والسارق والقاذف لا يقتل، بل يقام عليه الحد، فدل على أنه ليس بمرتد، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من كانت عنده لأخيه اليوم مظلمة مِن عرض أو شيء، فليتحلله منه اليوم، قبل ألا يكون درهم ولا دينار، إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحب، فطرحت عليه، ثم ألقي في النار))”.

فثبت أن الظالم يكون له حسنات يستوفي المظلوم منها حقه، مما يدل على أن الكبيرة لا تُخرِج من الإيمان.

وفي ذلك يقول الإمام النووي -رحمه الله- وهو يروي مذهب أهل السنة في الموحدين: “واعلم أن مذهب أهل السنة وما عليه أهل الحق من السلف والخلف: أن من مات موحدًا دخل الجنة قطعًا على كل حال”.

ومن هذه الأقوال يتبين لنا أن مرتكب الكبيرة عند أهل السنة ليس بكافر، كما تقول الخوارج، وليس بكامل الإيمان، كما تقول المرجئة، وليس في منزلة بين المنزلتين، كما تزعمه المعتزلة، بل إنه مؤمن ناقص الإيمان، قد نقص إيمانه بقدر ما ارتكب من معصية، وفي قدر ذنبه لا شك قد يدخل النار، ولكنه لا يبقى فيها أبد الآباد، بل هو تحت مشيئة رب العباد.

error: النص محمي !!