Top
Image Alt

الأصل الشرعي لاعتبار العدالة

  /  الأصل الشرعي لاعتبار العدالة

الأصل الشرعي لاعتبار العدالة

الأصل في اعتبار العدالة في راوي الحديث النبوي الشريف هو ما ورد من التحذير من الكذب والحث على الصدق.

قال البخاري في صحيحه: باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه  وسلم ثم روى بسنده عن علي رضي الله  عنه قال: قال النبي صلى الله عليه  وسلم: ((لا تكذبوا عليّ فإنه من كذب عليّ فليلج النار)) قال ابن حجر: ((لا تكذبوا عليّ)) هو عامٌّ في كل كاذب مطلق في كل نوع من الكذب، ومعناه: لا تنسبوا الكذب إليّ. وقال الكِرماني: “كذب عليه: نسب الكلام كاذبًا إليه، سواء كان عليه أو له”.

قال ابن حجر: “وقد اغتر قوم من الجهلة فوضعوا أحاديث في الترغيب والترهيب وقالوا: نحن لم نكذب عليه، بل فعلنا ذلك لتأييد شريعته، وما دروا أن تقويله صلى الله عليه  وسلم ما لم يقل يقتضي الكذب على الله -تعالى- لأنه إثبات حكم من الأحكام الشرعية، سواء كان في الإيجاب أو الندب أو مقابلهما من الحرام والمكروه، ولا يعتد بمن خالف ذلك من الكرّامية؛ حيث جوزوا وضع الكذب في الترغيب والترهيب، وفي تثبيت ما ورد في القرآن والسنة، واحتجوا بأنه كذب له لا عليه”.

قال الأصمعي: إن أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخُل في جملة قول النبي صلى الله عليه  وسلم: ((من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)).

قال الأُبي: وأما التصحيف فسبيل السلامة منه الأخذ من أفواه أهل العلم والضبط، وكل من نسب إلى الرسول صلى الله عليه  وسلم ما لم يقله رواية، أو نسب إليه حكمًا ليس من أحكامه، أو حمل قوله على خلاف ما يدل عليه؛ لغرض أو لهوى، يدخل في هذا الوعيد.

قال ابن حجر: وقد تمسك بظاهر قوله: ((من يقل عليّ ما لم أقل)) من منع الرواية بالمعنى، وأجاب المجيزون للرواية بالمعنى بأن المراد النهي عن الإتيان بلفظ يوجب تغيير الحكم وقلب المعنى المراد، أما الإتيان بلفظ يؤدي المعنى المقصود فهو أداء للرواية على وجهها الصحيح؛ إذ لا يتعبد بألفاظ الحديث، وإن كان اللفظ النبوي هو اللفظ الدال على المعنى المراد على الوجه الأولى والأكمل، فإذا علم اللفظ لم يجز له تغييره إلى لفظ آخر وإن أدى المعنى، وإن غاب عنه اللفظ النبوي وحضره المعنى كان مؤديًا للمعنى، ولو ذكر ما يدل على أنه يؤدي المعنى لكان ذلك أولى وأكمل.

ومما يدل على أن المراد بتبليغ الحديث يكفي فيه نقل المعنى: أن الرسول صلى الله عليه  وسلم كرر الحديث الواحد في مناسبات مختلفة بألفاظ مختلفة مع اتحاد المعنى المقصود، وأن الصحابة يشتركون في رواية حديث واحد مع اختلاف في بعض الألفاظ واتحاد في الدلالة على المقصود من الحديث. من أجل هذا الوعيد كان الصحابة ينفرون من الكذب وأهله، ولا يسمحون بوجوده في مجالات الحياة العلمية والعملية بينهم، قالت عائشة رضي الله  عنها: “ما كان من خلق أشد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه  وسلم من الكذب” رواه أحمد ورجاله ثقات. وروى أبو يعلى والضياء في (المختارة) عن سعد بن أبي وقاص قال: “كل الخلال يطوى عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب” والله أعلم.

من ألوان الكذب في الرواية وأسبابه: الكفر:

وقد ورد في الصحيح ما يدل على حراسة الله -سبحانه- لوحيه ودينه من التقول عليه، روى البخاري بسنده عن أنس قال: ((كان رجلٌ نصرانيًّا فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران، فكان يكتب للنبي صلى الله عليه  وسلم فعاد نصرانيًّا فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله، فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه، فحفروا له فأعمقوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه نبشوا عن صاحبنا لما هرب منهم فألقوه، فحفروا له وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه)).

وفي هذا إنذار لمن يجترئ على الكذب أو التكذيب فيما يتصل بالسنة، والآيات القرآنية في ذم الكذب كثيرة، لكنها تتجه في مجملها إلى الكذب على الله سبحانه وتعالى والكذب على الرسول صلى الله عليه  وسلم وتتجه إلى التحذير من التكذيب بالحق اتجاهها إلى تحريم الكذب على وجه العموم، قال تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلـئِكَ هُمُ الْكَاذِبُون} [النحل: 105] وقال: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُون} [التوبة: 77]. وعن تكذيب الحق يقول الله سبحانه: {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُون} [الأنعام: 33] ويقول: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ} [العنكبوت: 68] ويقول: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءهُ } [الزمر: 32].

قال البخاري في صحيحه: باب قول الله -تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِين} [التوبة: 119] ثم روى بسنده عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا)). وذكر الرسول صلى الله عليه  وسلم من علامات المنافق ثلاثًا، فقال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان)).

هذا عن حال الكذاب في الدنيا، أما بعد الموت فقد روى البخاري بسنده عن سمرة بن جندب من حديث طويل، قال فيه رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((رأيت رجلين أتياني -أي: في المنام- قال: الذي رأيته يشق شدقه كذاب يكذب بالكذبة تحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به إلى يوم القيامة)). وكان قد رأى في منامه هذا رجلًا جالسًا ورجلًا قائمًا بيده كلوب من حديد يدخله في شدقه حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك ويلتئم شدقه هذا فيعود فيصنع مثله، وهو بيان بعقوبة الكذاب في القبر قبل يوم القيامة. وفي حديث توبة كعب بن مالك عن تخلفه عن الخروج إلى غزوة تبوك بغير عذر مع النبي صلى الله عليه  وسلم قال كعب: “ما أنعم الله علي من نعمة بعد؛ إذ هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي، ألا أكون كذبت فأهلك كما هلك الذين كذبوا”.

وأخرجوا البيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح عن أبي بكر رضي الله  عنه قال: “الكذب يجانب الإيمان، ولو لم يكن الكذب شينًا وتركه دينًا لاقتضته أمور الدنيا ومصالحها؛ لأن ما يقوم على الكذب سرعان ما ينهار إذا كشف الصدق عن زيفه”. وقد حذر الرسول صلى الله عليه  وسلم مما يكون في آخر الزمان من التلبيس فيما يتصل برواية الحديث، فذكر ما ذكر. روى مسلم في مقدمة صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال: ((في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم)).

وإنما أطلنا في هذا المجال؛ لأن بعض الناس استمرأ الكذب في الدين، وتقوّل على الله ورسوله بما لم يصح، وحمل النص الثابت على غير ما ينبغي أن يحمل عليه، وأخذ من الحديث بعضه الذي يريد أن يؤيد به بدعته أو كفره، وترك من الحديث ما يبطل زعمه، وذلك كله تلاعب بالدين وتضليل للمسلمين، ويطول بنا المقام لو فصّلنا شيئًا من ذلك.

لماذا ردت رواية الفاسق؟

أما عن تأصيل الشرع لعدم وجود الفسق في الراوي لكي تقبل روايته، فيظهر في قول الله -سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين} [الحجرات: 6].

قال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: واعلم -وفقك الله -تعالى- أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها وثقات الناقلين لها من المتهمين -ألا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه والستارة في ناقليه، وأن يتقي ما كان منها عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع، فمن المتهمين أهل الفسق، ودل قوله تعالى: {فَتَبَيَّنُوا} على وجوب التبين -أي: التأكد- من صدق خبر الفاسق، بأن نتوقف فيه حتى يثبت عن أهل الصلاح ممن تعتمد أخبارهم، وهم المرضيون في الرواية والشهادة، قال تعالى:{ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء } [البقرة: 282]. والمرضي في الشهادة هو العدل، قال تعالى:{ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ } [الطلاق: 2].

قال الإمام مسلم: فدل بما ذكرنا من هذه الآي أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول، وأن شهادة غير العدل مردودة؛ إذ كان خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم، كما أن شهادته مردودة عند جميعهم.

ومع أن الفاسق قد يحتاط في رواية الحديث لكن المنع من قبول روايته زجر عن الفسق، وحماية لجناب الحديث أن يؤخذ عن غير من تأهل لنقله من ناحية التدين والسلوك، ومن نستطيع الاطمئنان إلى صدقه في الخبر والظن بثبوت ما يرويه على ما رواه.

أسباب رد رواية المبتدع:

وأما الأساس الشرعي لرد رواية المبتدع فهو ما عليه المبتدع من الضلال وما يتبع ضلاله من محاولته الإضلال، قال تعالى: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ} [القصص: 50] وقال: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 119] فأساس البدعة اتباع الهوى، والضلال في مجال التدين أي: الجور عن القصد وفقد الاهتداء، وفي حديث القرآن عن الضلالة يركز على غير المسلمين من الكفار المعاندين والمنافقين المستهترين.

وأضاف الرسول صلى الله عليه  وسلم إلى ذلك المبتدعة، فقال: ((وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)). وأطلق المسلمون على المبتدعة أهل الأهواء؛ لاتباعهم الهوى فيما يخالف الحق وإن لم يخرجوا عن الإسلام، فإن خرجوا عنه بهوى دخلوا في الكفر، والربط بين الضلال والفسق ظاهر، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِين} [البقرة: 26] وهذا فسوق الكفر، فإن كان شيء من ذلك مع وجود أصل الإيمان فهو الابتداع.

والبدعة أقرب إلى الكفر من المعاصي الكبار التي يكون بها الفسوق؛ لأن مجرد اعتقاد أن البدعة من الدين اعتقادًا أو عملًا خلل في فهم الدين ومعرفة حقيقته، وإبطال أصل من أصول الدين على أساسها خروج على ما يقتضيه الدين، فإن صاحب ذلك جحود لما هو أصل من أصول الدين حكم بالكفر.

وتعتمد البدعة غير المكفرة على متشابهات يعارض بها المحكم من النصوص، فعن عائشة رضي الله  عنها قالت: ((تلا رسول الله صلى الله عليه  وسلم هذه الآية: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَاب} [آل عمران: 7] فقال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: يا عائشة إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عناهم الله سبحانه)) وفي رواية: ((فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم)).

وخطر البدعة عن المعصية يمثله قول الشاطبي عن الفرق بين فاعل المكروه وفاعل البدعة التي هي مكروهة: فمرتكب المكروه يفعله متكلًا على العفو فيه ورفع الحرج الثابت في الشريعة له، أي: إذا فعل الحسنات وترك السيئات؛ لقوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ} [هود: 114] وغير ذلك من الآيات. كما أن اعتقاد فاعل المكروه غير متزحزح فهو يعتقد المكروه مكروهًا والحرام حرامًا، ويرى ترك المكروه أولى في حقه من فعله، ويود أنه لم يفعل، فطمعه في الإقلاع عن هذا المكروه والتخلص من الوقوع فيه لا ينقطع.

أما مرتكب أدنى البدع فإنه يَعُدّ ما دخل فيه حسنًا، بل يراه أولى ويزعم أن طريقه أهدى سبيلًا، فهو يفعل ما يخالف، ولا يستشعر سوء ما يفعل، ولا يتحرك قلبه نحو التوبة مما هو واقع فيه، بل إنه يدعو إلى تقليده فيما ابتدع فيه. ولا تكون البدعة إلا في أمر مشتبه يتعسف صاحبه في الاستدلال عليه، ويصر على التمسك به وإن قامت أدلة قوية على خطئه في هذا التمسك فإنه لا يعتبر هذه الأدلة ويحاول التملص منها ما أمكنه.

ومن مظاهر شؤم البدع مما ليس بمشهور بين الناس ما ذكره الغزالي في (الإحياء) عن النية الباعثة على العزل -أي: ترك الحمل- كذكر الخوف من الأولاد الإناث لما يعتقد في تزويجهن من المعرة، كما كانت عادة العرب في قتلهم الإناث، قال: فهذه نية فاسدة، لو ترك بسببها أصل النكاح أو أصل الوقاع أثم بها لا بترك النكاح والوطء، فكذا في العزل، والفساد في اعتقاد المعرة في سنة رسول الله صلى الله عليه  وسلم -أي: في فعلها- أشد.

وأثر البدعة في تفريق المسلمين ونشر الفتن بينهم ظاهر ومعروف؛ ولذلك يجرّح أهل كل بدعة من لا يقول بقولهم أو يلتزم بما يلتزمون به مما افترقوا عن جمهور المسلمين بسببه، ويطعنون في الأحاديث الثابتة لتمسكهم بأحاديث معارضة لا تثبت على قواعد الحديث.

أما الكفر فإنه شامل لما سبق من الكذب والفسوق والابتداع، وإن اعتقد أهله أن ذلك مما يتطلبه دينهم للقضاء على غيره من الأديان، وعدم قبول روايتهم؛ لأن هذا هو نظر الإسلام إليهم، قد حكم القرآن الكريم بذلك وحكى أقوال الكفار؛ تعريفًا بما يقوم عليه فكرهم الديني، وما يستعملونه من أساليب في مواجهة من يدعو إلى خلاف ما هم عليه، وسلكت السنة النبوية نفس المسار، لكن في حكاية ما دار من محاورات بين الرسول صلى الله عليه  وسلم ومن توجه إليهم بالدعوة إلى الإسلام.

الأصل الشرعي لاشتراط الضبط:

وفي مجال الشهادة يقول الله سبحانه:{ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى } [البقرة: 282]. فاحتاط القرآن في شهادة المرأة من احتمال الخطأ أو الوهم أو الغفلة أو سوء الحفظ أو مخالفة الثقات، وجعل المرأة الثانية مزيلة لأي احتمال من احتمالات اختلال الضبط؛ لئلا يتوقف الحاكم في قبول شهادتها إذا كانت من العدول، ما دامت قد ساندتها شهادة امرأة أخرى.

وكما لا يكفي شاهد واحد من الرجال إلا بانضمام رجل آخر إليه كذلك لا تكفي شهادة المرأة إلا بانضمام امرأة أخرى معها، والحاصل أن شهادة المرأة مع المرأة محققة للضبط المطلوب في الشاهد، وقد لا يتحقق الضبط لشاهد من الرجال إلا بانضمام شاهد أو أكثر إليه، وهو ما يبين احتياط الإسلام للمرأة في المجالات التي تشترك فيها مع الرجال، وإكرامه لها بما لا يعرضها للرد أو للاتهام، أو يرد شهادتها لعدم الضبط كما ترد شهادة الرجل أو عدد من الرجال، والخطأ في الإسلام معفو عنه، لكن البناء عليه عند التذكر أو التصحيح لا يجوز.

قال الجصّاص في أحكامه: النسيان الذي هو ضد الذكر حكمه مرفوع فيما بين العبد وبين الله -تعالى- في استحقاق العقاب، والتكليف في مثله ساقط عنه، والمؤاخذة به في الآخرة غير واقعة، لا أنه لا حكم له فيما يكلفه المرء من العبادات، فإن النبي صلى الله عليه  وسلم قد نص على لزوم حكم كثير منها مع النسيان، واتفقت الأمة أيضًا على حكمها، من ذلك قوله صلى الله عليه  وسلم: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)). وتلا قول الله -تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي} [طـه: 14] فدل على أن مراد الله -تعالى- بقوله: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي} فعل المنسية منها عند الذكر، وقال تعالى: {وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [الكهف: 24] وذلك عمومًا في لزوم قضاء كل منسي عند ذكره، ولا خلاف بين الفقهاء في أن ناسي الصوم والزكاة وسائر الفروض بمنزلة ناسي الصلاة في لزوم قضائها عند ذكرها، قال: لأن الأصل أن العامد والناسي في حكم الفروض سواء، وأنه لا تأثير للنسيان في إسقاط شيء منها إلا ما ورد به التوقيف، قال: فكان تأثير النسيان في سقوط المأثم فحسب، فأما في لزوم فرض فلا، وقول النبي صلى الله عليه  وسلم: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)) مقصور على المأثم أيضًا دون رفع الحكم، ألا ترى أن الله -تعالى- قد نص على لزوم حكم قتل الخطأ في إيجاب الدية والكفارة؛ فلذلك ذكر النبي صلى الله عليه  وسلم النسيان مع الخطأ وهو على هذا المعنى.

والنسيان أو الخطأ أو غيرهما مما يخل بالضبط يقع للواحد، ولكنه لا يقع من كل واحد، ووسائل إدراكه تتحصل بمقارنة الروايات ونقد المتن ومتابعة الأسانيد، ومن هنا كان عدم التسامح في الخطأ ولو نسيانًا، وكان ما صححه أئمة الحديث سالمًا من كل ما يخل بالعدالة والضبط، وما يظهر من علل يكتشفها العلماء يزيد السنة تأكيدًا فوق تأكيد حتى يصل المحدثون فيما صححوه إلى الجزم، أو ما يقرب من الجزم بأن الحديث المروي هو ما صدر عن الرسول صلى الله عليه  وسلم على الوجه الذي صدر عليه. قال الشافعي: مالك عن نافع عن ابن عمر إنما هو الستر ترفعه فكأنك تسمع النبي صلى الله عليه  وسلم أو تراه.

ويطول بنا المقام لو استعرضنا تثبّت الصحابة فمن بعدهم مما يروى من الحديث، والمناهج التي استعملوها في نقد السند والمتن مما شهد به المنصفون من المسلمين وغير المسلمين.

والنتيجة مما تقدم ذكره أن الإسلام لا يقبل رواية فاقد للعدالة أو للضبط، ولا يعذر من يقبلها مهما اختلق من المعاذير؛ ليخلص النص الديني من كل شائبة، ويتم التبليغ على وجهه المقبول، وتقوم الحجة بهذا التبليغ. أما ما ظهر في عصرنا هذا من دخول غير أهل العلم في مجال نقد الحديث، وعيبهم على مناهج المحدثين، فإن النظرة الثاقبة إليه تدل على أن دخولهم في ذلك دخول غير متأهل؛ لأنهم ينقضون الصحيح بغير الصحيح، والحق بالباطل، ويفترون على الحديث وعلى المحدثين، ولذلك مجال آخر في التمثيل وفي التحقيق.

error: النص محمي !!