Top
Image Alt

الأصناف التي تجب فيها الزكاة

  /  الأصناف التي تجب فيها الزكاة

الأصناف التي تجب فيها الزكاة

. باب: صدقة المواشي  

الحديث الأول:

حديث أنس رضي الله عنه: أن أبا بكر كتب لهم إن هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين…

وهذا الحديث أخرجه أيضًا البخاري، بسنده عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، أن أنسًا حَّدثه أن أبا بكر رضي الله عنه كتب له هذا الكتاب، لمَّا وجَّهَهُ إلى البحرين: ((إن هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، التي أمر الله بها ورسوله، فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سُئل فوق ذلك فلا يعطه؛ فيما دون خمسٍ وعشرين من الإبل والغنم، في كل خمس ذودٍ شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين ففيها ابنة مخاضٍ إلى خمسٍ وثلاثين، فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستًّا وثلاثين؛ ففيها ابنة لبون إلى خمسٍ وأربعين، فإذا بلغت ستًّا وأربعين؛ ففيها حِقَّة طروقة الفحل إلى ستين، فإذا بلغت واحدةً وستين ففيها جذعة إلى خمسٍ وسبعين، فإذا بلغت ستًّا وسبعين، ففيها بنتا لبونٍ إلى تسعين، فإذا بلغت واحدةً وتسعين ففيها حِقَّتانِ طروقتا الفحل إلى عشرين ومائة، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين: بنت لبون، وفي كل خمسين: حقة.

فإذا تباين أسنان الإبل في فرائض الصدقات، فمن بلغت عنده صدقة الجذعة، وليس عنده جذعة وعنده حقة، فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهمًا. ومن بلغت عنده صدقة الحِقَّة وليست عنده إلا جذعة، فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهمًا، أو شاتين. ومن بلغت عنده صدقة الحِقَّة، وليست عنده وعنده ابنة لبون، فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين، إن استيسرتا له أو عشرين درهمًا. ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون وليست عنده إلا حقة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهمًا وشاتين. ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون، وليست عنده ابنة لبون وعنده ابنة مخاض، فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهمًا. ومن بلغت عنده صدقة ابنة مخاض، وليس عنده إلا ابن لبون ذكر؛ فإنه يقبل منه، وليس معه شيء. ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل؛ فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها. وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين، ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، فإذا زادت ففي كل مائةٍ شاة، ولا يؤخذ في الصدقة هَرِمَة، ولا ذات عوار ولا تيسٍ إلا أن يشاء المصدق، ولا يُجْمع بين مفترقٍ، ولا يفرق بين مجتمعٍ؛ خشية الصدقة، وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية. وإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاةٍ شاةً واحدة؛ فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها. وفي الرقة ربع العشر، فإن لم يكن المال إلا تسعين ومائة، فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها)).

رواه أحمد والنسائي وأبو داود والبخاري وقطعه في عشرة مواضع، ورواه الدارقطني كذلك، وله فيه في رواية في صدقة الإبل: ((فإذا بلغت إحدى وعشرين ومائة؛ ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حِقَّة)) قال الدارقطني: هذا إسناد صحيح ورواته كلهم ثقات.

وقد روى أبو داود في سننه -بسنده- عن حماد بن سلمة رضي الله عنه قال: أخذت من ثمامة بن عبد الله بن أنس كتابًا زَعَمَ أن أبا بكر كتبه لأنس، وعليه خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه مصدقًا، وكتبه له فإذا فيه: ((هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، ومن سُئِلَ فوقها فلا يعطه، فيما دون خمس وعشرين من الإبل، الغنم في كل خمس ذود شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين ففيها بنت مخاض…)) إلى آخر الحديث.

وقوله: أن أبا بكر، وكما قلنا في رواية للبخاري: كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين.

بيان مفردات الحديث، وشرح غريبه:

وفي رواية للبخاري: “بسم الله الرحمن الرحيم: هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين والتي أمر الله بها رسوله. فقوله: “بسم الله الرحمن الرحيم” ذكر التسمية في أول كتابه لقوله صلى الله عليه وسلم: ((كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ فَهُوَ أَقْطَعُ)) قال الواحدي وغيره: إن المُتَعَلَّق بالباء في قوله: “بسم الله الرحمن الرحيم” محذوف.

قوله: “هذه فريضة الصدقة” -أي: نسخة فريضة الصدقة- فحذف المضاف للعلم به، وفيه أن اسم الصدقة يقع على الزكاة خلافًا لمن منع ذلك من الحنفية، قوله: التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين ظاهر في رفع الخبر إلى النبيصلى الله عليه وسلم، وأنه ليس موقوفًا على أبي بكر، وقد صرح برفعه في رواية عند البخاري، وفيها: أن أبا بكر رضي الله عنه كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم، وأصْلُ الفرض قطع الشيء الصلب، ثم استعمل في التقدير؛ لكونه مقتطعًا من الشيء الذي يقدر منه، ويرد بمعنى البيان كقوله تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللّهُ لَكُمْ تَحِلّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2] وبمعنى الإنزال كقوله تعالى: {إِنّ الّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَآدّكَ إِلَىَ مَعَادٍ} [القصص: 85]. وبمعنى الحل: كقوله تعالى: {مّا كَانَ عَلَى النّبِيّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللّهُ لَهُ} [الأحزاب: 38] وكل ذلك لا يخرج عن معنى التقدير.

ووقع استعمال الفرض بمعنى اللزوم، حتى كاد يغلب عليه: وهو لا يخرج أيضًا عن معنى التقدير، وقد قال الراغب: كل شيء ورد في القرآن فرض على فلان: فهو بمعنى الإلزام، وكل شيء فرض له فهو بمعنى: لم يحرمه عليه، وذكر أن معنى قوله تعالى: {إِنّ الّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ} أي: أوجب عليك العمل به.

وهذا يؤيد قول الجمهور: إن الفرض مرادف للواجب، وتفريق الحنفية بين الفرض والواجب باعتبار ما يثبتان به، لا مشاحة فيه، وإنما النزاع في حمل ما ورد من الأحاديث الصحيحة على ذلك؛ لأن اللفظ السابق لا يحمل على الاصطلاح الحادث.

وقوله: “على المسلمين” استدل به على أن الكافر ليس مخاطبًا بذلك، وتعقب بأن المراد بذلك كونها لا تصح منه، لا أنه لا يعاقب عليها وهو محل النزاع، ومعنى فرض هنا أوجب أو شرع بأمر الله تعالى، وذلك أن الله تعالى قد أوجبها وأحكم فرضها في كتابه العزيز، ثم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالتبليغ، فأضيف الفرض إليه بمعنى الدعوة إليه، وحمل الناس عليه.

قوله: “فمن سُئلها من المسلمين” بضم السين في سئلها أي: فمن سئل الصدقة من المسلمين: وهي الزكاة وفي هذا دليل على أن الكافر لا يخاطب بذلك.

قوله: “على وجهها” أي: على حسب ما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم من فرض مقاديرها، وقوله: “فليعطها” أي: على هذه الكيفية المبينة في الحديث، وفيه دلالة على دفع الأموال الظاهرة إلى الإمام و”من سئل فوقها فلا يعطَ” وفي رواية أبي داود “فلا يعطه” بإثبات الضمير أي: من سئل زائدًا على الفريضة المعينة، إما في السن أو في العدد فله الامتناع وعدم إعطاء الزائد عن الواجب عليه.

ونقل الرافعي الاتفاق على ترجيحه، وقيل: لا يعطي شيئًا من الزكاة لهذا المصدق؛ لأنه خان بطلبه فوق الواجب، فإذا ظهرت خيانته سقطت طاعته، فحينئذ يتولى: هو إخراج زكاته بنفسه أو إلى ساع آخر، فإن الساعي الذي يطلب الزيادة يكون متعديًّا، والشرط أن يكون أمينًا، لكن محل هذا إذا طلب الزيادة بغير تأويل، وفي هذا دليل على أن الإمام والحاكم إذا ظهر فسقهما بطل حكمهما، وفيه دليل على جواز إخراج المرء صدقة أمواله الظاهرة بنفسه دون طلب من الإمام.

قال الخطابي: وفيه إباحة دفع الرجل عن ماله، إذا طولب بما لا يلزمه من الزيادة على المفروض، وإباحة أن يقاتله عليها إذا لم يكن رده عن ماله إلا بذلك.

ثم قال الخطابي: وقد روينا فيما يشبه هذا المعنى حديثًا حسنًا ذكره ابن خزيمة في مسنده بسنده عن قيس بن سعد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه ساعيًا، فقال أبوه: لا تخرج حتى تحدث برسول الله صلى الله عليه وسلم عهدًا فلما أراد الخروج أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا قيس، لا تأتِ يوم القيامة على بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة لها يُعَار، ولا تكن كأبي رِِغِال، فقال سعد: يا رسول الله، وما أبو رغال؟ قال: مصدق بعثه صالح؛ فوجد بالطائف رجلًا في غنمه قريبة من المائة شصاص؛ إلا شاة واحدة وابن صغير لا أم له، فلبن تلك الشاة عيشه، قال صاحب الغنم: من أنت؟ فقال: أنا رسول رسول الله، فرحب به، وقال: هذه غنمي، فخذ أيها أحببت، فنظر إلى الشاة اللبون، فقال: هذه، فقال الرجل: هذا الغلام كما ترى ليس له طعام، ولا شراب غيرها. قال: إن كنت تحب اللبن فأنا أحبه؛ قال: خذ شاتين مكانها، فأبى، فلم يزل يزيده ويبذل حتى بذل له خمس شياه شصاص مكانها؛ فأبى عليه، فلما رأى ذلك؛ عمد إلى قوسه فرماه؛ فقتله، فقال: ما ينبغي لأحد أن يأتي رسول الله بهذا الخبر أحد قبلي، فأتى صاحب الغنم صالحًا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال صالح: اللهم العن أبا رغال، اللهم العن أبا رغال. فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله، أَعْفُ قيسًا من السعاية)).

قال الطيبي: قوله: “في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم من كل خمس شاة” شروع في بيان كيفية الفريضة، وبيان كيفية أخذها.

قال الطِّيبِي: قوله: “في أربع وعشرين” استئناف بيان لقوله هذه فريضة الصدقة، كأنه أشار بقوله هذه إلى ما في الذهن، ثم أتى به بيانًا له.

وقوله: “في أربع” خبر مقدم لمبتدأ مقدر تقديره: في أربع وعشرين زكاة، وكلمة من في قوله: “من الإبل” بيانية، وقوله: فما دونها أي: فما دون أربع وعشرين، وقوله: “من الغنم” متعلق بالمبتدأ المقدر، ومن ظرف مستقر؛ لأنه بيان لقوله: شاة توكيدًا، كما في قوله: “في كل خمس ذود من الإبل”: وهو هكذا للأكثر بإثبات لفظ من في قوله: من الغنم.

وفي رواية أبي داود وابن السكن بإسقاطها، وصوبها البعض، قال عياض: من أثبتها فمعناه زكاتها أي: الإبل من الغنم، ومِن للبيان لا للتبعيض، ومن حذفها؛ فالغنم مبتدأ والخبر مضمر في قوله: “في أربع وعشرين” وما بعده ثمَّ بين ذلك في قوله: “في كل خمس شاة” ويروى أيضًا في كل خمس بكلمة في عوض “من”، وإنما قدم الخبر؛ لأن الغرض بيان المقادير التي تجب فيها الزكاة، والزكاة إنما تجب بعد وجوب النصاب؛ فحسن التقديم، وفي الحديث الذي معنا في هذه الرواية فيما دون خمس وعشرين من الإبل والغنم، في كل خمس ذود شاة.

والذود: بفتح الذال المعجمة، وسكون الواو بعدها دال مهملة، قال: الأكثر: هو من الثلاثة إلى العشرة، لا واحد له من لفظه.

وقال أبو عبيدة: من الاثنين إلى العشرة، قال: وهو مختص بالإناث، وقال سيبويه: تقول: ثلاث ذود؛ لأن الذود مؤنث.

وقال القرطبي: أصله ذاد يذود، إذا دافع شيئًا فهو مصدر، وكأنه من كان عنده دفع عن نفسه معرة الفقر، وشدة الفاقة والحاجة، وقال ابن قتيبة: إنه يقع على الواحد فقط، وأنكر أن يراد بالذود الجمع، قال: ولا يصح أن يقال خمس ذود، كما لا يصح أن يقال خمس ثوب، وغلطه بعض العلماء في ذلك.

وقال أبو حاتم السجستاني: تركوا القياس في الجمع، فقالوا: خمس ذود، خمس من الإبل، كما قالوا: ثلاثمائة على غير قياس، قال القرطبي: وهذا صريح في أن الذود واحد في لفظه.

قال الحافظ: والأشهر ما قاله المتقدمون أنه لا يطلق على الواحد. قال الكِرْمَاني: قال الفقهاء: فيه تفسير من وجه، وإجمال من وجه؛ فالتفسير أنه لا يجب في أربع وعشرين إلا الغنم، والإجمال أنه لا يدري قدر الواجب، ثم قال بعد ذلك مفسرًا لهذا الإجمال: في كل خمس شاة؛ فكان هذا بيانًا لابتداء النصاب وقدر الواجب فيه، فأول نصاب الإبل خمس، وقال: إنما بدأ بنصاب الإبل؛ لأنها غالب أموالهم وتعم الحاجة إليها؛ ولأن أعداد نصبها وأسنان الواجب فيها يصعب ضبطها.

قوله: “من كل خمس” خبر لقوله: شاة، وكلمة “من” للتعليل أي: لأجل كل خمس من الإبل وهي ابتدائية متصلة بالفعل المحذوف أي: ليعطي في أربع وعشرين شاةً كائنة من الغنم لأجل كل خمس من الإبل، قال الحافظ ابن حجر: استدلوا بقوله: “في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم من كل خمس شاة” على تعين إخراج الغنم في مثل ذلك، وهو قول مالك وأحمد، فلو أخرج بعيرًا عن الأربع والعشرين لم يجزه، وخالفهما الجمهور.

وقال الشافعي: يجزئه؛ لأنه يجزأ عن خمس وعشرين فما دونها أولى بالإجزاء؛ ولأن الأصل أن يجب من جنس المال، وإنما عدل عنه رفقًا بالمالك، فإذا رجع باختياره إلى الأصل أجزأه، فإن كانت قيمة البعير مثلًا دون قيمة أربع شياه ففيه خلاف عند الشافعية وغيرهم، والأقيس أنه لا يجزئ، وفيه أن الأربع الزائدة على العشرين وَقَسٌ مَعْفُوٌ عنها ولا زكاة فيها، وهو قول الجمهور خلافًا لغيرهم، واستدل به أيضًا: على أن ما دون خمس من الإبل لا زكاة فيه، وهذا بالإجماع.

قوله: “فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين، ففيها بنت مخاض أنثى” زاد أبو داود في روايته: “فإن لم يكن فيها بنت مخاض فابن لبون ذكر” وفيه أن في هذا القدر بنت مخاض وهو قول الجمهور، إلا ما جاء عن علي رضي الله عنه: “أن في خمس وعشرين خمس شياه، فإذا صارت ستًّا وعشرين كان فيها بنت مخاض” أخرجه ابن أبي شيبة وغيره عنه موقوفًا ومرفوعًا. قال ابن حجر: وإسناد المرفوع ضعيف.

واستدل به على أنه لا يجب فيما بين العددين شيء غير بنت مخاض خلافًا لمن قال كالحنفية تستأنف الفريضة، فيجب في كل خمس من الإبل شاة، مضافة إلى بنت المخاض، وما بين العددين، أو الفرضين يسمى “وقَسًا” والوقس بفتح الواو والقاف ويجوز إسكانها، وبالسين المهملة بدل الصاد، واستعمله الشافعي فيما دون النصاب الأول أيضًا.

وقوله: “بنت مخاض” بفتح الميم والمعجمة الخفيفة وآخره معجمة: هي التي أتى عليها حول ودخلت في السنة الثانية وحملت أمها؛ فصارت من المخاض: وهي الحوامل، والمخاض اسم جماعة للنوق الحوامل، والماخض الحامل أي: دخل وقت حملها وإن لم تحمل، فبنت المخاض: هي الأنثى التي أكملت سنة من الإبل، ودخلت في السنة الثانية وأصبحت أمها حاملًا.

وقوله: “أنثى” وكذا قوله: “ذكر” للتأكيد أو لتنبيه رب المال ليطيب نفسًا بالزيادة، وقيل: احترز بذلك من الخنثى، وفيه بعد، وقال الطيبي: وصف بنت المخاض بالأنثى تأكيدًا كما في قوله تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} [الحاقة: 13] وقوله: “ابن لبون ذكر”: وهو الذي أتى عليه حولان، ودخل في السنة الثالثة فصارت أمه لبونًا بوضع الحمل الثاني الذي بعده: فهي ذات لبن.

قوله: “فإذا بلغت ستًّا وثلاثين إلى خمس وأربعين، ففيها بنت لبون أنثى” قال الحافظ ابن حجر: إلى للغاية وهو يقتضي أن ما قبل الغاية يشتمل عليه الحكم المقصود بيانه، بخلاف ما بعدها؛ فلا يدخل إلا بدليل، وقد دخلت هنا بدليل قوله بعد ذلك: “فإذا بلغت ستًّا وأربعين”؛ وعلم أن حكمها حكم ما قبلها، والكلام ينطبق أيضًا على ما ورد قبل هذا في قوله: “إلى خمس وثلاثين” وما ورد بعده في قوله: “إلى ستين” و”إلى خمس وسبعين” و”إلى تسعين” و”إلى عشرين ومائة”. وكذا ينطبق أيضًا على ما ورد بعد ذلك في صدقة الغنم من قوله: “إلى عشرين ومائة، وإلى مائتين، وإلى ثلاثمائة”.

وقوله: “بنت لبون أنثى”: هي التي أتى عليها حولان، ودخلت في السنة الثالثة؛ فصارت أمها لبونًا بوضع الحمل الذي بعدها.

قوله: “فإذا بلغت ستًّا وأربعين إلى ستين ففيها حِقَّةٌ طروقة الجمل”، وفي روايتنا أو في حديثنا: “طروقة الفحل” وهما بمعنى واحد، والحقة بكسر المهملة وتشديد القاف، والجمع حقاق بالكسر والتخفيف: وهي التي أتى عليها ثلاث سنين ودخلت في السنة الرابعة؛ فاستحقت الحمل والضراب -أي: الجماع- وقوله: “طروقة الفحل أو طروقة الجمل” صفة لقوله: حِقَّة، والطروقة: هي التي طرقها الفحل -أي: ضربها- بمعنى جامعها، والمراد أنها بلغت سنًّا أن يطرقها الفحل: وهي التي أتى عليها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، أي: يعلو الفحل مثلها في سنها، وطروق بفتح أوله أي: مطروقة فعولة بمعنى مفعولة أي: مركوبة الفحل كحلوبة بمعنى محلوبة.

وفي رواية أبي داود: “ففيها حِقَّةٌ طروقة الفحل، والفحل: هو الذكر من كل حيوان، يقال: فحل فحلًا وافتحل إبله فحلًا كريما أي: اختاره لها، والجمع فحول، وأفحُل وفِحَال، وفِحَالَة وفحولة، وعلى ذلك فطروقة الفحل في الإبل أي: التي طرقها الجمل فتستقيم الروايات.

قوله: “فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، وجَذعَة: بفتح الجيم والذال المعجمة: وهي التي لها أربع سنين، ودخلت في الخامسة.

قال ابن الأثير: وأصل الجذع من أسنان الدواب ما كان منها شابًّا فتيًّا: فهو من الإبل ما دخل في السنة الخامسة، ومن البقر والمعز ما دخل في السنة الثانية، وقيل: من البقر في الثالثة، ومن الضأن ما تمت له سنة، وقيل: أقل منها، ومنهم من يخالف غيره في هذا التقدير، ومن هذه العبارة أيضًا ما ورد في حديث المَبْعَث أن ورقة بن نوفل قال للنبي صلى الله عليه وسلم حينما أخبره بأنه سيكون رسول هذه الأمة: “يا ليتني فيها جذعا” أي: يا ليتني كنت شابًّا فتيًّا عند ظهور النبوة؛ حتى أبالغ في نصرتها وحمايتها -يعني: الدعوة- قوله: “فإذا بلغت يعني ستًّا وسبعين إلى تسعين ففيها بنت لبون”.

قال ابن حجر: كذا في الأصل بزيادة لفظ “يعني” وكأن العدد حذف من الأصل؛ اكتفاءً بدلالة الكلام عليه، فذكره بعض رواته، وأتى بلفظ يعني لينبه على أنه مزيد، أو شكَّ أحد رواته فيه.

وقال الكرماني: لعل المكتوب لم يكن فيه لفظ ستًا وسبعين، أو ترك الراوي ذكره؛ لظهور المراد ففسره الراوي عنه توضيحًا، وقال يعني وهذا في رواية البخاري.

وقال العيني: فإن قلت: لِمَ غير الأسلوب؟ حيث لم يقل بقيته، مثل ذلك قلت إشعارًا بانتهاء أسنان الإبل فيه: وهي بنت مخاض، وبنت لبون وحقة طروقة الجمل، وجذعة، وتعدد الواجب عنده؛ فغير اللفظ عند مغايرة الحكم، وقد وردت هذه العبارة بغير لفظ “يعني” كما في هذه الرواية التي معنا، وكما في رواية أبي داود، وكذا وردت بدونها في متابعة الإسماعيلي للبخاري في الرواية عن شيخ البخاري لهذا الحديث، واحتمل الحافظ ابن حجر أن يكون الشكُّ فيه للبخاري.

قوله: “فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الفحل أو الجمل” فعند أبي داود “طروقتا الفحل”.

2. حكم الضأن والماعز:

قوله: وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، وسائمتها: راعيتها، والسائمة من الماشية الراعية أكثر السنة في كلإ مباحٍ، يقال: سامت تسوم سومًا وأَسَمْتُهَا أنا، وأَسَامُهَا صاحبها: أي أخرجها إلى المرعي، قال تعالى: {فِيهِ تُسِيمُونَ} [النحل: 10] والضأن والماعز في الحكم سواء.

وورد في رواية الكشميهني إذا بلغت أربعين فما دون الأربعين من الغنم السائمة، إذا كان تسعًا وثلاثين فأقل منها لا زكاة فيها بالإجماع، قال الخَّطابِي: فيه دليل على أنه لا زكاة في الغنم المعلوفة؛ لأن الشيء إذا كان وصفان لازمين فعلق الحكم بأحد وصفيه، كان ما عداه بخلافه، وكذلك هذا في عوامل البقر والإبل، وهو قول عامة أهل العلم إلا مالكًا: فإنه أوجب الصدقة في عوامل البقر ونواضح الإبل.

وقال الْكِرْمَانِي: وهو دليل على أنه لا زكاة في الغنم المعلوفة، إما في جهة اعتبار مفهوم الصفة، وإما من جهة أن لفظ “في سائمتها” بدل عنه بإعادة الجار، والمبدل في حكم الطرح؛ فلا يجب في مطلق الغنم.

قال العيني: فإن قلت: لا يجوز أن يكون الشاة مبتدأ، وفي صدقة الغنم خبره؛ لأن لفظ الصدقة يأباه فما وجه إعرابه؟ قلت: لا نسلم؛ ولأنْ سلمنا فلفظ في صدقة يتعلق بفرض أو كتب مُقَدَّرًا, أي: فرض في صدقتها شاة، أو كتب في شأن صدقة الغنم، هذا وهو إذا كانت أربعين إلى آخره، وحينئذٍ يكون الشاة خبر مبتدأ محذوف: أي فزكاتها شاة أو بالعكس أي ففيها شاة.

وقال التيمي: “شاة” رفع بالإبتداء، و”في صدقة الغنم” في موضع الخبر وكذلك “شاتان”، والتقدير فيها شاتان، والخبر محذوف.

قوله: “فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتان شاتان”. قال الحافظ ابن حجر: في كتاب عمر، فإذا كانت إحدى وعشرين حتى تبلغ مائتين ففيها شاتان، وقد تقدم الكلام في ذلك بذكر قول من خالف الجمهور، وادعى الزيادة، ولو ببعض واحدة، وتقدم أيضًا التعقيب عليه عند تفسير قوله: فإذا زادت على عشرين ومائة؛ ففي كل أربعين بنت لَبُوْن.

قوله: “فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائةٍ شاة”، بالتنوين في مائة وفي رواية أبي داود ففي كل مائةِ شاة، شاة بالإضافة.

قال الحافظ ابن حجر: ومقتضاه أنه لا تجب الشاة الرابعة حتى توفي أربعمائة، وهو قول الجمهور، وفائدة ذكر الثلاثمائة لبيان النصاب الذي بعده لكون ما قبله مختلفًا.

وقال الخَّطابِي: معناه أن يزيد مائة أخرى فيصير أربعمائة؛ وذلك لأن المَئِيْنَ لما توالت أعدادها حتى بلغت ثلاثمائة، وعُلِّقَت الصدقة الواجبة فيها بمائة المائة، ثم قيل فإن زادت عقل أن هذه الزيادة اللحِقَّة بها إنما هى مائة كاملة لا من دونها، وهو قول عامة الفقهاء: الثوري وأصحاب الرأي، وقول الحجازيين مالك والشافعي وغيرهم، وعن بعض الكوفيين كالحسن بن صالح، ورواية لأحمد “إذا زادت علي ثلاثمائة واحدة، ففيها أربعة شياه وهو قول متروك”.

قوله: “ولا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا ما شاء المصدق” وفي رواية أبي داود: “ولا يأخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار من الغنم، ولا تيس الغنم إلا أن يشاء المصدق” والمعنى: لا تُأْخذ في الصدقة أي في الزكاة “هرمة” بفتح الهاء وكسر الراء أي: كبيرة سقطت أسنانها. وقيل: الهرم الذي قد بلغ أقصي السن.

وقال أبو حاتم: امرأة هرمة، ورجال هرمون وهرائم، ونساء هرمات، ولا يأخذ في الصدقة أيضًا ذات عوار، بفتح العين، وقد تضم أي: ذات عيب، وقيل بالفتح عوار العين، وبالضم العور، واختلف في ضبطها فالأكثر على أنه ما يثبت به الرد في البيع، وقيل: ما يمنع الإجزاء في الأضحية ويدخل في المعيب المريض، والذكورة بالنسبة إلى الأنوثة، والصغير سنًّا بالنسبة إلى سن أكبر منه، ولا يأخذ في الصدقة أيضًا تيس الغنم وهو الفحل إلَّا برضى المالك؛ لكونه يحتاج إليه.

ففي أخذه بغير اختياره إضرار به، وعلى هذا فالاستثناء مختص بالثالث، وقيل أيضًا: إنما لا يأخذ التيس؛ لأنه مرغوب عنه؛ لنتنه وفساد لحمه، أو لأنه ربما يقصد به المالك الفحولة فيتضرر بإخراجه. وقوله: “إلَّا ما شاء “الْمُصَدِّقُ” بتخفيف الصاد وهو الساعي، وكأنه يشير بذلك إلى التفويض إليه في اجتهاده؛ لكونه يجري مجرى الوكيل فيتقيد بما تقتضيه القواعد فإن حق الفقراء، إنما هو النمط الأوسط من المال، لا يأخذ المصدق خياره فيجحف بأرباب المال، ولا شراره فيزري بحقوق الفقراء، وإنما لا تأخذ ذوات العوار، مادام في المال شيء سليم لا عيب فيه، فإن كان المال كله معيبًا؛ فإنه يأخذ واحدًا من أوسطه وهو قول الشافعي.

قوله: “ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع؛ خشية الصدقة” قال مالك في (الموطأ): معنى هذا الحديث أن يكون النفر الثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاة وجبت فيها الزكاة، فيجمعونها حتى لا تجب عليهم كلهم فيها إلا شاة واحدة، أو يكون للخليطين مائة شاة وشاتان؛ فيكون عليهما فيها ثلاثة شياه، فيفرقونها حتى لا يكون على كل واحد إلا شاة واحدة، فنهوا عن ذلك.

وقال الشافعي: هو خطاب لرب المال من جهة، وللساعي من جهة؛ فأمر كل واحد منهم ألا يحدث شيئًا من الجمع والتفريق؛ خشية الصدقة، فرب المال يخشى أن تكثر الصدقة فيجمع أو يفرق لتقل، والساعي يخشى أن تقل الصدقة فيجمع أو يفرق؛ لتكثر. فمعنى قوله: خشية الصدقة أي: خشية أن تكثر الصدقة أو أن تقل، فلما كان محتملًا للأمرين لم يكن الحمل على أحدهما بأولى من الآخر، فحمل عليهما معًا لكن الذي يظهر أن حمله على المالك أظهر، والله أعلم.

والحاصل: أن الخلط عند الجمهور مؤثر في زيادة الصدقة ونقصانها، لكن لا ينبغي لهم أن يفعلوا فرارًا عن زيادة الصدقة، ويمكن توجيه النهي المصدق، أي: ليس له الجمع والتفريق خشية نقصان الصدقة، أي: ليس له إذا رأى نقصان في الصدقة على تقدير الاجتماع أن يفرق، أو رأى نقصانًا على تقدير التفرق أن يجمع.

وقوله: “خشية” متعلق بالفعلين على التنازع، أو بفعل يعم الفعلين، أي: لا يفعل شيئًا من ذلك خشية الصدقة. وأما عند أبي حنيفة فلا أثر للخلطة، فمعنى الحديث عنده على ظاهره النفي، على أن النفي متوجه إلى القيء ، وحاصله نفي الخلط لنفي الأثر، أي: لا أثر للخلط والتفريق في تقليل الزكاة وتكثيرها، أي: لا يفعل شيئًا منهما؛ خشية الصدقة إذا لا أثر له في الصدقة.

وفي معنى: “لا يجمع بين متفرق” قال أبو حنيفة: هو أن يكون بين رجلين أربعون شاة، فإن جمعاها فشاة، وإن فرقاه فلا شيء، ومعنى: “لا يفرق بين مجتمع” هو أن يكون لرجل مائة شاة، وعشرين شاة، فإن فرقها المصدق أربعين أربعين؛ فثلاثة شياه.

قال أبو يوسف: معنى الأول أن يكون لرجل ثمانون شاة، فإذا جاء المصدق، قال: هي بيني وبين أخواتي لكل واحد عشرون؛ فلا زكاة أو أن يكون له أربعون ولأخوته أربعون؛ فيقول كلها لي فشاة وتأويل هذا أنه إذا كان له ثمانون شاة تجب فيها واحدة؛ فلا يفرقها ويجعلها لرجلين فيأخذ شاتين؛ فعلي هذا يكون خطابًا للساعي، وإن كانت لرجلين فعلي كل واحد شاة فلا تجمع ليأخذ منها شاة واحدة، ويكون الخطاب على هذا لمن تجب عليه الزكاة.

فالخطاب في الحديث إذًا يحتمل أن يكون للساعي بأن يكون لرب المال مائة شاة، وللآخر مائة شاة وشاة؛ فعلي كلٍّ منهما شاة فليجمع الساعي بينها، ويقول هذه كلها لك، فيأخذ منه ثلاثة شياه، ولا يفرق بين مجتمع بأن يكون لرجل مائة وعشرون شاة، فيقول الساعي هي لثلاثة فيأخذ ثلاثة شياه، ولو كانت لواحدٍ فلا يجب إلا شاة، ويحتمل أن يكون الخطاب لرب المال، ويقويه قوله: “خشية الصدقة” أي: فيخاف في وجوب الصدقة؛ فيحتال في إسقاطها، بأن يجمع نصاب أخيه إلى نصابه فتصير ثمانين فيجب فيها شاة واحدة.

ولا يفرق بين مجتمع بأن يكون له أربعون، فيقول: نصفها لي ونصفها لأخي فتسقط زكاتها، والذي يراد من الجمع والتفريق، هو في الملك لا في المكان؛ للإجماع على أن النصاب إذا كان في ملك شخص واحد يُجْمَع، وإن كان في أمكنة متفرقة فدل أن المتفرق في الملك بأن كان لشخص عشرون، ولآخر عشرون لا يجمع في حق الصدقة، لكن لو فرض أن المالكين أرادا الجمع أو التفريق؛ بغية تكثير الصدقة، أو وجوب ما لا يجب عليهما التماسًا لكثرة الأجر، أو لإرادة وقوع ما أراد التصدق به تطوعًا ليصير واجبًا وثواب الواجب أكثر من ثواب التطوع، فالظاهر جواز ذلك مراعاة لمصلحة المساكين والله تعالى أعلم.

ومما يستفاد من الحديث النهي عن استعمال الحيل؛ لسقوط ما كان واجبًا عليه، ويجري ذلك في أبواب كثيرة من أبواب الفقه، وللعلماء في ذلك خلاف في التحريم أو الكراهة أو الإباحة، والحقُّ أنه إن كان ذلك لغرض صحيح، فيه رفق للمعذور وليس فيه إبطال لحق الغير فلا بأس به.

ومن ذلك ما ورد من قوله تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بّهِ وَلاَ تَحْنَثْ} [ص: 44] وإن كان لغرض فاسدٍ كإسقاط حق الفقراء من الزكاة بتمليك ماله لولده قبل الحول أو نحو ذلك؛ فهو حرام أو مكروه على الخلاف المشهور في ذلك، فما احتال به المسلم لكي يتخلص به من الحرام، أو يتوصل به إلى الحلال فلا بأس به، وما احتال به حتى يبطل حقًّا أو يحقَّ باطلًا، أو يدخل به شبهة في حقٍّ ففيه خلاف بين الحرمة أو الكراهة.

3. فرائض الصدقة في حديث أنس:

قوله في الحديث: “فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة؛ فليس فيها صدقة إلَّا أن يشاء ربها، بأن يعطي شيئًا تطوعًا لله تعالى”.

وقوله: “واحدة” إما منصوب بنزع الخافض، أي: بواحدة، وإما حال من ضمير الناقصة، وفي رواية “بالشاة الواحدة” بالجر، وحاصله أنه إذا كانت سائمة الرجل تسعًأ وثلاثين أو أقل من ذلك؛ فلا زكاة فيها إلَّا أن يخرج منها على سبيل الصدقة تطوعًا لله تعالى وقربة إليه.

قوله: “وفي الْرِّقةِ ربع العشر” بكسر الراء وتخفيف القاف وفتحها، وهي الفضة الخالصة سواء كانت مضروبة دراهم أو غير دراهم، وأصل اللفظ الورق وهي الدراهم المضروبة، خاصة فحذفت الواو وعوض عنها بالهاء وتجمع الرقة على رقَّات، ورِقِّين، وفي الورق ثلاث لغات الوَرِق والوِرْق والورق بإسكان الراء مع فتح الواو، أو كسرها، وبكسر الراء مع فتح الواو، وفي التنزيل من سورة الكهف: {فَابْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـَذِهِ إِلَىَ الْمَدِينَةِ} [الكهف: 19].

قال الحافظ ابن حجر: تطلق الرقة على الذهب والفضة بخلاف الورق، فعلى هذا قيل: إن الأصل في زكاة النقدين نصاب الفضة، فإذا بلغ الذهب ما قيمته مائتا درهم فضة خالصة، وجبت فيه الزكاة وهو ربع العشر، وهذا قول الزهري، وقد خالفه الجمهور.

وقوله: “ربع” يقال فيه: رُبْعٌ ورُبُعٌ وهو جزء واحد من أربعة هي الكل، والعشر بضم بسكون هو جزء واحد من عشرة، هي الكل، وجمعه أعشراء وعشور ومعشار الشيء عشره قال تعالى: {وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ آتَيْنَاهُمْ} [سبأ: 45].

قوله: “فإن لم تكن -أي: الفضة- إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء إلَّا أن يشاء ربها”.

قال الخَّطاِبي: يوهم أنها إذا زادت على ذلك شيء قبل أن تتم مائتي كانت في الصدقة، وليس الأمر كذلك، وإنما ذكر التسعين؛ لأنه أخر فصل من فصول المائة، والحساب إذا جاوز الآحاد كان تركيبه بالعقود كالعشرات والمائين والألوف؛ فذكر التسعين ليدل بذلك على أنه لا صدقة على ما نقص عن كمال المائتين.

ويدل على صحة هذا قوله صلى الله عليه وسلم: “ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة” وأواق جمع أُوقيَّة بضم الهمزة وتشديد الياء التحتانية، ومقدار الأوقية في هذا الحديث أربعون درهمًا بالاتفاق.

والمراد بالدرهم الخالص من الفضة سواء إن كان مضروبًا أو غير مضروب، ومقدار درهم الفضة الواحد بالوزن الحديث بالجرام هو 2.975جرام × 200 درهم = 595 جرامًا فضيًّا، هو نصاب الفضة في وقتنا الحاضر أما الدنانير الذهبية: فلم يجئ في نصابها أحاديث في قوة أحاديث الفضة وشهرتها؛ ولذا لم يظفر نصاب الذهب بالإجماع كالفضة غير أن الجمهور الأكبر من الفقهاء ذهبوا إلي أن نصاب الذهب عشرون دينارًا، ومقدار الدينار الواحد من الذهب بالوزن الحديث 4.25 جرام × 20 دينار = 85 جرامًا هي نصاب الذهب في عصرنا هذا.

وفي الحديث أن الزكاة في الفضة ربع عشرها؛ فإذا كانت مائة درهم فزكاتها خمس دراهم، وإذا كانت أربعمائة؛ فزكاتها عشرة دراهم، وإذا كانت ألفًا فزكاتها خمسة وعشرون درهمًا وهلم جرا.

ولذلك الذي عنده مال بلغت قيمته 85 جرام من الذهب، أو 595 جرام من الفضة، وحال عليه الحول؛ فقد وجبت فيه الزكاة، وأن يخرج العشر من هذا المال، أو كما قالوا: 2.5 رحمهم الله.

الحديث الثاني:

عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كتب الصدقة ولم يخرجها إلى عماله حتى توفي، قال: فأخرجها أبو بكر من بعده فعمل بها حتى توفيَ، ثم أخرجها عمر من بعده فعمل بها، قال: فلقد هلك عمر يوم هلك، وإن ذلك لمقرون بوصيته، قال: فكان فيها في الإبل في خمسٍ شاةٌ حتى تنتهي إلى أربع وعشرين، فإذا بلغت إلى خمس وعشرين ففيها بنت مخاض إلى خمس وثلاثين؛ فإن لم تكن بنت مخاض فابن لَبُوْن فإذا زادت على خمس وثلاثين ففيها بنت لَبُوْن إلى خمس وأربعين، فإذا زادت واحدة ففيها حِقَّة إلى ستين، فإذا زادت ففيها جذعة إلى خمسة وسبعين، فإذا زادت ففيها ابنتا لَبُوْن إلى تسعين، فإذا زادت ففيها حِقَّتان إلى عشرين ومائة، فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حِقَّة وفي كل أربعين ابنة لَبُوْن.

وفي الغنم من أربعين شاة: شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت شاة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، فإذا زادت بعد فليس فيها شيء حتى تبلغ أربعمائة، فإذا كثرت الغنم ففي كل مائةٍ شاة، وكذلك لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق مخافة الصدقة، وما كان من خليطين فهما يتراجعان بالسوية، لا تؤخذ هرمة ولا ذات عيب من الغنم، رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وقال حديث حسن.

وفي هذا الخبر من رواية الزهر عن سالم مرسلًا فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة: ففيها بنتا لَبُوْن حتى تبلغ تسعًا وعشرين ومائة، فإذا كانت ثلاثين ومائة ففيها بنتا لَبُوْن وحِقَّة حتى تبلغ تسعة وثلاثين ومائة؛ فإذا كانت أربعين ومائة ففيها حقتان وينت لَبُوْن حتى تبلغ تسعة وأربعين ومائة، فإذا بلغت خمسين ومائة؛ ففيها ثلاث حِقَاقٍ حتى تبلغ تسعة وخمسين ومائة، فإذا كانت ستين ومائة ففيها أربع بنات لَبُوْن حتى تبلغ تسعة وستين ومائة، فإذا كانت سبعين ومائة ففيها ثلاث بنات لَبُوْن وحِقَّة حتى تبلغ تسعة وسبعون ومائة.

فإذا بلغت ثمانين ومائة ففيها حقتان وابنتا لَبُوْن حتى تبلغ تسعة وثمانين ومائة، فإذا كانت تسعين ومائة ففيها ثلاث حقاق وابنة لَبُوْن حتى تبلغ تسعة وتسعين ومائة، فإذا كانت مائتين ففيها أربعة حقاق أو خمسة بناتٍ لَبُوْن، أيُّ السنين وُجِدَتْ أخُذَتْ رواه أبو دواد. الحديث أخرج المرفوع منه أيضًا الدارقطني والحاكم والبيهقي.

ويقال: تفرد بوصله سفيان بن حسين، وهو ضعيف في الزهري خاصة، والحفاظ من أصحاب الزهر لا يصلونه، رواه أبو داود والدارقطني والحاكم عن أبي قريب، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، قال: هذه نسخة كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب في الصدقة، وهي عند آل عمر، قال ابن شهاب: أقرأنيها سالم بن عبد الله بن عمر فوعيتها على وجهها، وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز من عبد الله وسالم ابني عبد الله بن عمر، فذكر الحديث، وقال البيهقي: تابع سفيان بن حسين على وصله سليمان بن كثير، وأخرجه أيضًا ابن عدي من طريقه، ولكنه كما قال الحافظ لين في الزهري.

وقد اتفق الشيخان على إخراج حديث سليمان بن كثير والاحتجاج به، وأخرج مسلم حديث سفيان بن حسين، واستشهد به البخاري، قال الترمذي في كتاب (العلل): سألت البخاري عن هذا الحديث، فقال: أرجو أن يكون محفوظًا، وسفيان بن حسين: صدوق انتهي كلامه.

وضعف ابن معين هذا الحديث، وقال: تفرد به سفيان بن حسين، ولم يتابع سفيان أحد عليه، وسفيان ثقة دخل مع يزيد بن المهلب خرصان وأخذوا عنه.

وفي رواية للدارقطني في هذا الحديث أن في خمس وعشرين خمس شياه؛ وضعفها لأنها من طريق سليمان بن أرقم، عن الزهري وهو ضعيف.

قال الإمام الشوكاني: واعلم أن المرفوع من هذا الحديث، هو من بعض حديث أنس السابق الذي شرحناه قريبًا، قوله: ففيها بنتا لَبُوْن وحِقَّة، الحِقّةَ عن خمسين، وبنتا اللَبُوْن عن ثمانين.

وكذلك إذا بلغت مائة وأربعين ففيها حقتان عن مائة، وبنت لَبُوْن عن أربعين.

وإذا بلغت مائة وخمسين ففيها ثلاثة حقاق عن كل خمسين حِقَّة، وإذا بلغت مائة وستين ففيها أربعة بنات لَبُوْن عن كل أربعين واحدة.

وإذا بلغت مائة وسبعين ففيها ثلاثة بنات لَبُوْن؛ عن مائة وعشرين وحِقَّة عن خمسين. وإذا بلغت مائة وثمانين، ففيها حقتان عن مائة وبنتا لَبُوْن عن ثمانين. وإذا بلغت مائة وتسعين ففيها ثلاث حقاق عن مائة وخمسين، وبنت لَبُوْن عن أربعين.

وإذا بلغت مائتين ففيها أربعة حقاق عن كل خمسين حِقَّة، أو خمس بنات لَبُوْن، عن كل أربعين واحدة، وهذا لا يخالف ما تقدم في حديث أنس؛ لأن قوله فيه: “ففي كل أربعين بنت لَبُوْن، وفي كل خمسين حِقَّة” معناه مثل هذا لا فرق بينه وبينه، إلَّا أنه مجمل في حديث أنس، وهذا مفصل.

وزاد أبو داود في هذا الحديث بعد قوله: “ولا ذات عيب”، فقال: وقال الزهري: إذا جاء المصدق قسمت الشياه أثلاثًا ثلثًا شرارًا وثلثًا خيارًا وثلثًا وسطًا، فيأخذ من الوسط، وقد تقدم في حديث أنس شرح معظم هذا الحديث وما جاء فيه زيادة شرحناها في هذا الحديث.

الحديث الثالث:

عن سفيان بن عبد الله الثقافي، أن عمر بن الخطاب قال: تعد عليهم بالسخلة، يحملها الراعي ولا تأخذها ولا تأخذ الأكول، ولا الرُّبَّا ولا الماخضَ، ولا فحل الغنم، وتأخذ الجذعة والثنية، وذلك عدل بين غذاء المال وخياره هذا الحديث، رواه مالك في (الموطأ).

والحديث أيضًا أخرجه الشافعي وابن حزم، وأغرب بن أبي شيبة فرواه مرفوعًا، قال: حدثنا أبو أسامة، عن النهاس بن فهد عن الحسن بن مسلم، قال: “بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سفيان بن عبد الله على الصدقة” الحديث، ورواه أيضًا أبو عبيدة في الأموال من طريق الأوزاعي عن سالم بن عبد الله أن عمر بعث مصدقًا فذكر نحوه.

قوله: “تعد عليهم بالسخلة” استدلوا بذلك على وجوب الزكاة في الصغار، وقوله: أن الأكول بفتح الهمزة، وضم الكاف العاقر من الشياه والشاة تعزل للأكل هكذا في القاموس، وأما الأكول بضم الهمزة والكاف فهي قبيحة المأكول، وليست مرادةً هنا؛ لأن السياق في تعداد الخيار، والمَاخِضُ هي التي أخذها المخاض لتضع، والمخاض الطلق عند الولادة، يقال: مخضت الشاة مخضًا ومخاضًا إذا دني نتاجها. قوله: ولا الرُّبَّا بضم الراء وتشديد الباء الموحدة هي الشاة التي يربي في البيت للبنها.

قوله: “ولا فحل الغنم إنما منعه من أخذه مع كونه لا يعد من الخيار؛ لأن المالك يحتاج إليه لينزو على الغنم، قوله: وتأخذ الجذعة والثنية المراد الجذعة من الضأن، والثنية من المعز، ويدل على ذلك ما في بعض روايات حديث سويد بن غفلة أن المصدق قال: إنما حقنا في الجذعة من الضأن والثنية من المعز.

قوله: بين غذاء المال الغذاء بالغين المعجمة المكسورة بعدها ذال معجمة جمع غذي كـ”غني” والسخال هي ولد الغنم من الضأن والمعز ساعة وضعه ذكر كان أو أنثي، مفرده: سخل، وقد استدلوا بهذا الأثر على أن الماشية التي تؤخذ في الصدقة، هي المتوسطة بين الخيار والشرار.

وقد تقدم قبل ذلك في حديث معاذ حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيًا ومعلمًا قال له صلى الله عليه وسلم: ((وإياك وكرامة أموالهم، واتقِ دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) فإن المصدق وهو عامل الزكاة يأخذ من رب المال المتوسط، لا يأخذ كرائم الأموال، ولا يأخذ المعيبةَ التي بها عيب.

4. باب زكاة الذهب والفضة:

الحديث الأول: عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ليس فيما دون خمسة أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس زود من الإبل صدقة وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة)) رواه أحمد ومسلم وهو لأحمد والبخاري من حديث أبي سعيد، وهذا الحديث، المشار إليه من حديث أبي سعيد هو متفق عليه، ولفظه في البخاري(( ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمس أواقٍ من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس زود من الإبل صدقة)) وقوله: خمس أواق بالتنوين، وبإثبات التحتية مشددًا ومخففًا جمع أوقية بضم الهمزة، وتشديد التحتانية، وحكي اللحياني “وَقِيَه بحذف الألف وفتح الواو.

قال ابن حجر: في (الفتح) ومقدار الأوقية في هذا الحديث أربعين درهمًا بالاتفاق والمراد بالدرهم الخالص من الفضة، سواء أكان مضروبًا أو لا.

قال عياض: قال أبو عبيد: إن الدرهم لم يكن معلوم القدر حتى جاء عبد الملك بن مروان؛ فجمع العلماء فجعلوا عشرة دراهم سبعة مثاقيل، قيل: قال: وهذا يلزم منه أن يكون صلى الله عليه وسلم أحال نصاب الزكاة على أمر مجهول، وهو مُشْكَلٌ، والصواب أن معني ما نقل من ذلك، أنه لم يكن شيء منها من ضرب الإسلام، وكانت مختلفة في الوزن: فعشرة مثلًا وزن عشرة، وعشرة وزن ثمانية فاتفق الرأي على أن تنقش بالكتابة العربية، ويصير وزنها وزنًا واحدًا..

وقال غيره: لم يتغير المثقال في جاهلية ولا إسلام، وأما الدرهم فأجمعوا على أن كل سبعة مثاقيل عشرة دراهم، انتهى.

وقوله: من الورق يعني الفضة. قوله: “خمسة أوسق جمع وسق بفتح الواو ويجوز كسرها كما حكاه صاحب (المحكم) وجمعه حينئذ أوسق كحمل وأحمال، وهو ستون صاعًا بالاتفاق، وقد وقع في رواية ابن ماجه عن أبي سعيد نحو هذا الحديث وفيه الوسق ستون صاعًا، وأخرجها أبو دواد أيضًا لكن قال: ستون مختومًا، وللدارقطني من طريق عائشة الوسق ستون صاعًا، وفي دليل على أن الزكاة لا تجب فيما دون خمسة أوسق والله أعلم.

الحديث الثاني:

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كانت لك مائة درهم، وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء)) يعنى في الذهب ((حتى يكون لك عشرون دينارًا، فإذا كانت عشرون دينارًا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار)) هذا الحديث رواه أبو داود.

قوله: “وحال عليها الحول” فيه دليلٌ على اعتبار الحول في زكاة الذهب، ومثله الفضة وإلى ذلك ذهب الأكثر، وذهب ابن عباس، وابن مسعود، والصادق والباقر والناصر، وداود إلى أنه يجب على المالك إذا استفاد نصابًا أن يزجيه في الحال تمسكًا بقوله صلى الله عليه وسلم: ((في الرقة ربع العشر)) وهو مطلق مقيد بهذا الحديث، فاعتبار الحول لا بد منه.

والضعف الذي في حديث الباب منجبر بما عند ابن ماجه، والدارقطني والبيهقي، والعقيلي من حديث عائشة من اعتبار الحول، وفي اسناده حارثة بن أبي الرجال، وهو ضعيف، وبما عند الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عمر مثله، وفيه إسماعيل بن عياش، وحديثه عن غير أهل الشام ضعيف، وبما عند الدارقطني من حديث أنس وفيه حسان وهو ضعيف.

قوله: “ففيها نصف دينار” فيه دليل على أن زكاة الذهب ربع العشر، قال الشوكاني: ولا أعلم في ذلك خلافًا.

5. زكاة الزروع والثمار:

الحديث الأول:

في هذا الباب: عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((فيما سقت الأنهار والغيم العشور، وفيما سقي بالسانية نصف العشور)) رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود، وقال الأنهار والعيون.

قوله: “والغيم” بفتح الغين المعجمة، وهو المطر، وجاء في رواية “الغيل” باللام. قال أبو عبيد: هو ما جرى من المياه في الأنهار، وهو السيل دون السيل الكبير. وقال غيره: هو الماء الجاري على الأرض.

قوله: “العشور” قال النووي: ضبطناه بضم العين جمع عُشْر، وقال القاضي عياض: ضبطناه عن عامة شيوخنا بفتح العين، وقال: هو اسم للمخرج من ذلك، وقال صاحب (المطالع) أكثر الشيوخ يقولونه بالضم وصوابه الفتح، قال النووي: وهذا الذي ادعاه من الصواب ليس بصحيح وقد اعترف بأن أكثر الرواة رووه بالضم وهو الصواب، جمع عشر. وقد اتفقوا على قولهم: “عشور” أهل الذمة بالضم، ولا فرق بين اللفظين.

قوله: بالسانية هي البعير الذي يستقى به الماء من البئر، ويقال له الناضح، يقال: منه سنى يسنو إذا استقى به، وهذا الحديث يستفاد منه أن زكاة الزروع هناك فرق بين ما يسقى بالأمطار أو ما يسقى بالغيم أو ما يسقى بدون آلة هذا زكاته العشر أما ما يسقى بآلة وغيرها فزكاته نصف العشر.

قال الشيرازي: وزكاته العشر فيما سقي بغير مؤنة ثقيلة، كماء السماء والأنهار، وما شرب بالعروق ونصف العشر فيما سقي بمؤنة ثقيلة كالنواضح والدواليب، وما يشبه ذلك لما روى بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: ((فرض فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلًا)) وَرُوِيَ عَثَرِيًّا العشر، وفيما سقى بالنطح نصف العشر، والبعل الشجر الذي يشرب بعروقه، والعَثَرِيّ الذي يشرب من الماء الذي يجتمع في موضع فيجري كالساقية؛ ولأن المؤنة في إحداهما تخف، وفي الأخرى تثقل ففرق بينهما في الزكاة، ولو كان يسقي نصفه بالنواضح، ونصفه بالسيل ففيه ثلاثة أرباع العشر؛ اعتبارًا بالسقيتين، وإن سقي بأحدهما أكثر ففيه قولان: أحدهما يعتبر فيه الغالب، فإن كان الغالب السقي بماء السماء أو السيح؛ وجب العشر وإن كان الغالب السقي بالناضح؛ وجب نصف العشر؛ لأنه اجتمع الأمران ولأحدهما قوة بالغلبة، فكان الحكم له كالماء إذا خالطه مائع.

والقول الثاني: يقسط على عدد السقيات؛ لأن ما وجب فيه الزكاة بالقسط عن التماثل؛ وجب فيه بالقسط عند التفاضل، كـزكاة الفطر في العبد المشترى، فإن جهل بالقدر الذي سقى بكل واحد منهما جعل نصفين؛ ولأنهما ليس أحدهما بأولى من الآخر فوجبت التسوية بينهما: كالدار في يد اثنين.

قال النووي في شرحه: حديث ابن عمر رضي الله عنهما صحيح رواه أبو داود باسناد صحيح على شرط مسلم، ورواه البخاري بمعناه، قال: عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًّا العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر)) ورواه مسلم في (صحيحه) بمعناه من رواية جابر، ورواه البيهقي أيضًا من رواية معاذ بن جبل وأبي هريرة، قال البيهقي: وهو قول عامة الفقهاء لم يختلفوا فيه، وكذا أشار الشافعي رحمه الله في (المختصر) إلا أنه مجمع عليه.

وهذا الذي ذكره الشيرازي في تفسير البعل، كذا قاله أهل اللغة وغيرهم أما العثري فبعين مهملة، وثاء مثلثة مفتوحتين، ثم ياء مشددة ويقال: بإسكان الثاء والصحيح المشهور الفتح، وأنكر بعضهم على بعض الشيرازي، تفسيره: العّثَرِيّ، وقال: إنما هو ما سقت السماء لا خلاف بين أهل اللغة فيه، وهذا الذي قالوه ليس كما قالوا، وليس ينقل عن جميع أهل اللغة صحيحًا، وإنما هو قول قليل منهم هكذا قال النووي.

وذكر ابن فارس في المجمل فيه قولين، قال: العَثَرِيّ ما سقي من النخل سيحًا، والسيح الماء الجاري، قال: ويقال هو العَزِيّ الزرع الذي لا يسقيه ماء المطر، ولم يذكر الجوهري في (صحاحه) إلا هذا القول الثاني، والأصح ما قاله الأزهري وغيره من أهل اللغة أن العثري مخصوص بما سقي بماء السيل؛ فيجعل عاثورًا، وسمي عاثورًا؛ لأنه يتعثر به المار الذي لا يشعر به، وهذا مراد الشيرازي.

وأما النواضح: فجمع ناضح، أو هو ما يُسْقَى عليه نضحًا من بعير، وبقرة وغيرهما، قال أهل اللغة: النضح السقي من ماء بئر أو نهر بساقية والناضح اسم للبعير والبقرة الذي يسقى عليه من البئر، أو النهر، والأنثى ناضحة، والدواليب جمع دولاب، بفتح الدال.

قال الجوهري وغيره: هو فارسي معرب، قال الشافعي رحمه الله: يجب فيما سقي بماء السماء من الثمار والزروع العشر وكذا البعت، وهو ما يشرب بعروقه، وكذا ما يشرب من ماء ينصب إليه من جبل أو نهر أو عين كبيرة ففي هذا كله العشر أما ما سقي بالنضح أو الدواليب، وهي التي تديرها البقرة أو بالناعورة، وهى التي يديرها الماء بنفسه، ففي جميعه نصف العشر، وهذا كله لا خلاف فيه بين المسلمين.

وقد نقل البيهقي الإجماع فيه، وأما القنوات والسواقي المحفورة من نهر عظيم التي تكثر مؤنها: ففيها العشر كاملٌ هذا هو الصحيح المشهور المقطوع به كتب العراقيين والخرصانيين، ونقل إمام الحرمين إتفاق الإئمة عليه.

قال الشافعي: وعلل الأصحاب بأن مؤنة القنوات، إنما تشق لإصلاح الضيعة، وكذا الأنهار إنما تشق لإحياء الأرض، وإذا تهيأت وصل الماء إلى الزرع بنفسه مرة بعد أخرى، بخلاف النواضح وغيرها، فإن المؤنة لنفس الزرع، ونقل الرافعي عن الشيخ أبي عاصم أنه نقل أن الشيخ أبا سهل الصعلوكي من أصحابنا أفتى أن ما سقي بماء القناة؛ وجب فيه نصف العشر.

وقال صاحب (التهذيب) إن كان القناة أو العين كثيرة المؤنة، لا تزال تنهار وتحتاج إلى إحداث حفر؛ وجب نصف العشر، وإن لم يكن مؤنة أكثر من مؤنة الحفر الأول وكسحها في بعض الأوقات وجب العشر.

الحديث الثاني:

عن سهل بن أبي حثمة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث؛ فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع)) رواه الخمس إلا ابن ماجه والخرص قال ابن الأثير خرص النخلة والكرمة يخرصها خرصًا إذا حرز ما عليها من الرطب تمرًا، ومن العنب زبيبًا فهو من الخرص يعني الظن؛ لأن الحرز إنما هو تقدير بظن والاسم الخرص بالكسر، يقال: كم خرص أرضك؟ وفاعل ذلك يسمى الخارص.

وحديث سهل بن أبي حثمة أخرجه أيضًا ابن حبان، والحاكم وصححاه، وفي إسناده عبد الرحمن بن مسعود بن نيار الراوي، عن ابن أبي حثمة، وقد قال البزار : أنه انفرد به.

وقال: ابن القطان لا يعرف حاله، قال الحاكم: وله شاهد بإسناد متفق علي صحته أن عمر بن الخطاب أمر به، ومن شواهده: ما رواه ابن عبد البر عن جابر مرفوعًا “خففوا في الخرص” وفي إسناده لهيعة، والأحاديث المذكورة تدل على مشروعية الخرص في العنب والنخل، وقد قال الشافعي في أحد قوليه بوجوبه مستدلًا بما في حديث عتاب من أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك، وذهب مالك والشافعي إلي أنه جائز فقط، وذهبت الهادوية وروي عن الشافعية أيضًا إلي أنه مندوب.

وقال: أبي حنيفة لا يجوز؛ لأنه رجم بالغيب والأحاديث مذكورة ترد عليه، وقد قصر جواز الخرص علي مورد النص بعض أهل الظاهر فقالوا: لا يجوز -يعني الخرص إلاَّ في النخل والعنب، ووافقه على ذلك شريح وأبو جعفر وابن أبي الفوارس، وقيل: يقاس عليه غيره مما يمكن ضبطه بالخرص، قوله: ودعوا الثلث.

قال ابن حبان: له معنيان أحدهما أن يترك الثلث أو الربع من العشر والثاني: أن يترك ذلك من نفس الثمرة قبل أن تعشر، وقال الشافعي: أن يدع ثلث الزكاة أو الربع؛ ليفرقها هو بنفسه، وقيل: يدع له ولأهله قدر ما يؤكلون ولا يخرص.

6. باب: ما جاء في زكاة العسل:

الحديث الأول:

عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه أخذ من العسل العشر)) رواه ابن ماجة.

وفي رواية له -أي لابن ماجة- جاء هلال، أحد بني متعان، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشور نحلٍ له، وكان سأله أن يحمي واديًا يقال له: سلبة، فحمى له ذلك الوادي، فلما ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب سفيان بن وهب إلى عمر يسأله عن ذلك، فكتب عمر: “إن أدّى إليك ما كان يؤدّي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من عشور نحله فاحمِ له سلبه، وإلا فإنّما هو ذباب غيث يأكله من يشاء” رواه أبو داود والنسائي.

ولأبي داود في رواية نحوه وقال: “من كل عشر قرب قربة”.

هذا الحديث -حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده- فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ العشر في زكاة العسل -أي عسل النحل.

قال البخاري: “وليس في زكاة العسل شيء يصح”. وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال الدارقطني: “يروى عن عبد الرحمن بن الحارث وابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب مسندًا، ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرو بن سعيد، عن عمر مرسلًا”. قال ابن حجر: فهذه علته، وعبد الرحمن وابن لهيعة ليسا من أهل الإتقان، لكن تابعهما عمرو بن الحارث أحد الثقات، وتابعهما أيضًا أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عند ابن ماجة.

وفي الباب عن ابن عمر عند الترمذي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في العسل: “في كل عشرة أزقاق زق” وفي إسناده صدقة السمين، وهو ضعيف الحفظ وقد خولف.

وقال النسائي: هذا حديث منكر، ورواه البيهقي وقال: تفرّد به صدقة وهو ضعيف، وقد تابعه طلحة بن زيد عن موسى بن يسار، ذكره المروزي، ونقل عن أحمد تضعيفَه، وذكر الترمذي أنه سأل البخاري عنه فقال: هو عن نافع عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل، وعن أبي هريرة عند البيهقي وعبد الرزاق، وفي إسناده عبد الله بن محرّر -بمهملات- وهو متروك، وعن سعد بن ذئاب عند البيهقي: أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمله على قومه، وأنه قال لهم: أدّوا العشر في العسل، وفي إسناده منير بن عبد الله ضعّفه البخاري والأسدي وغيرهما.

قال الشافعي: وسعد بن أبي ذئاب يحكي ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرْه فيه بشيء، وأنه شيء هو رآه فيتطوع له به قومه.

قال ابن المنذر: ليس في الباب شيء ثابت.

وقوله: “مُتْعان” بضم الميم وسكون المثناه بعدها مهملة ، وقوله: “سَلَبَة” بفتح المهملة واللام والباء الموحدة هو وادٍ لبني متعان، قاله البكري في (معجم البلدان).

وقد استدلوا بحديث الباب على وجوب العشر في العسل، ذهب إلى هذا أبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم، وحكاه في (البحر) عن عمر، وابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، والهادي، والمؤيد بالله، وأحد قولي الشافعي، وقد حكى البخاري وابن أبي شيبة وعبد الرزاق عن عمر بن عبد العزيز: أنه لا يجب في العسل شيء من الزكاة، وروى عنه عبد الرزاق أيضًا مثلما روى عنه صاحب (البحر) ولكنه بإسناد ضعيف كما قال الحافظ بن حجر في (فتح الباري)، وذهب الشافعي ومالك والثوري، وحكاه ابن عبد البر عن الجمهور: إلى عدم وجوب الزكاة في العسل، وحكاه في (البحر) عن علي رضي الله عنه وأشار العراقي في (شرح الترمذي) إلى أن الذي نقله ابن المنذر عن الجمهور أولى من نقل الترمذي.

قال الشوكاني: واعلم أنّ حديث هلال، وحديث أبي سيارة المتعي والذي قال فيه: قلت: يا رسول الله، إن لي نحلًا. قال: ((فأدِّ العشور)) قال: قلت: يا رسول الله، احمِ لي جبلها. قال: ((فحمى لي جبلها)) هذا الحديث رواه أحمد وابن ماجة.

قال الشوكاني: إن كان هلال غير أبي سيارة هذا، فهذان الحديثان لا يدلان على وجوب الزكاة في العسل؛ لأنهما تطوّعا بها، وحمى لهما بدل ما أخذ، وعقل عمر العلة فأمر بمثل ذلك، ولو كان سبيله سبيل الصدقات لم يخيِّر في ذلك.

قال الشوكاني: وبقية الأحاديث التي جاءت في زكاة العسل لا تنتهض للاحتجاج بها. قال: ويؤيّد عدم الوجوب ما جاء من الأحاديث القاضية بأن الصدقة إنّما تجب في أربعة أجناس، ويؤيّده أيضًا ما رواه الحُميدي بإسناده إلى معاذ بن جبل أنه أتى بوقص البقر والعسل فقال معاذ: كلاهما لم يأمرْني فيه صلى الله عليه وسلم بشيء.

وقوله في الحديث: “وإلا فإنما هو ذباب غيث” أي: وإن لم يؤدّوا عشور النحل فالعسل مأخوذ من ذباب النحل، وأضاف الذباب إلى الغيث؛ لأن النحل يقصد مواضع القطر لما فيها من العشب والأرض الخصبة.

قوله: “يأكله من يشاء” يعني: العسل؛ فالضمير راجع إلى المقدر المحذوف. وفيه دليل على أن العسل الذي يوجد في الجبال من سبق إليه أحق به وأحق بأخذه.

7. باب: ما جاء في الركاز والمعدِن:

الحديث الأول:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدِن جبار، وفي الركاز الخمس)) رواه الجماعة.

هذا الحديث الذي رواه الجماعة عن أبي هريرة رضي الله عنه وأورده الشوكاني في باب: “ما جاء في الركاز والمعدِن” من كتاب الزكاة، فيه: ((العجماء جرحها جبار)) والعجماء هي: البهيمة، وسميت عجماء؛ لأنها لا تتكلم، وكذلك يطلق على كل من لم يتحدث العربية أنه أعجمي، ولكن المراد في هذا الحديث من العجماء البهيمة فقط.

وقد أخرج البخاري تعليقًا قال: قال مالك وابن إدريس: الركاز دفن الجاهلية في قليله وكثيره الخمس، وليس المعدِن بركاز، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((المعدِن جبار، وفي الركاز الخمس)) وأخذ عمر بن عبد العزيز من المعدِن من كلّ مائتين خمسة، وقال الحسن: ما كان من ركاز في أرض الحرب ففيه الخمس، وما كان من أرض السَّلْم ففيه الزكاة، وإن وجدتَ اللقطة في أرض العدو فعرفها، وإن كانت من العدو ففيها الخمس.

وقال بعض الناس: المعدِن ركاز مثل دفن الجاهلية؛ لأنه يقال: أركز المعدِن: إذا خرج منه شيء. قيل له: قد يقال لمن وهب له شيء أو ربح ربحًا كثيرًا أو كثُر ثمره: أركزت، ثم ناقض وقال: لا بأس أن يكتمه فلا يؤدِّي الخمس.

ثم أخرج البخاري بعد ذلك حديث الباب الذي معنا فقال: حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((العجماء جبار، والبئر جُبار، والمعدِن جُبار، وفي الركاز الخمس)).

قال ابن حجر: الرِّكَاز -بكسر الراء وتخفيف الكاف وآخره زاي- المال المدفون، مأخوذ من الرَّكَز -بفتح الراء- يقال: رَكَزَهُ يَرْكُزُه رَكْزًا: إذا دفنه، فهو مركوز، وهذا متفق عليه. واختلف في المعدِن.

قوله -أي البخاري-: وقال مالك وابن إدريس: الركاز دفن الجاهلية … إلى آخره. قال ابن حجر: أما قول مالك فرواه أبو عبيد في كتاب (الأموال) حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير عن مالك قال: المعدِن بمنزلة الزرع، تؤخذ منه الزكاة كما تُؤخذ من الزرع حتى يحصد. قال: وهذا ليس بِرِكَاز، إنما الركاز دفن الجاهلية الذي يؤخذ من غير أن يطلب بمال ولا يتكلف له كثير عمل. انتهى.

قوله: ((العجماء جبار)) كما ذكرنا في بداية الحديث: العجماء هي البهيمة؛ سميت بذلك؛ لأنها لا تتكلم.

وفي الرواية التي معنا ((جرحها جبار)) أي: إذا جرحت البهيمة المنفلته شخصًا أو قتلته فلا تلزم الدِّيَة على صاحب البهيمة.

قوله: ((والبئر جبار)) كذلك إذا حَفَرَ شخص بئرًا في أرضه أو في أرض ليست ملكًا لأحد فوقع فيها إنسان فغرق أو جرح؛ فإنه لا يلزم صاحب البئر شيء.

قوله: ((والمعدِن جبار)) أي: هدر وليس المراد أنه لا زكاة فيه وإنما المعنى أن من استأجر رجلًا للعمل في معدن مثلًا فهلك؛ فهو هدر ولا شيء على من استأجره.

قوله: ((وفي الركاز الخمس)) ذهب الجمهور إلى أن الركاز هو المال المدفون، لكن حصره الشافعية فيما يوجد في الموات –أي: الأرض التي ليست ملكًا لأحد- بخلاف ما إذا وجده في طريق مسلوك أو مسجد فهو لقطة، وإذا وجده في أرض مملوكة: فإن كان المالك الذي وجده فهو له، وإن كان غيره فإن ادّعاه المالك فهو له، وإلا فهو لمن تلقاه عنه… إلى أن ينتهي الحال إلى من أحيا تلك الأرض.

قال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد: من قال من الفقهاء بأن في الركاز الخمس إما مطلقًا أو في أكثر الصور فهو أقرب إلى الحديث، وخصّه الشافعي أيضًا بالذهب والفضة.

وقال الجمهور: لا يختص، واختاره ابن المنذر. واختلفوا في مصرفه: فقال مالك وأبو حنيفة والجمهور مصرفه مصرف خمس الفيء، وهو خيار المزني.

وقال الشافعي في أصح قوليه: مصرفه مصرف الزكاة، وعن أحمد روايتان.

وينبني على ذلك ما إذا وجده ذمّي فعند الجمهور يخرج منه الخمس، وعند الشافعي لا يؤخذ منه شيء، واتفقوا على أنه لا يشترط فيه الحول، بل يجب إخراج الخمس في الحال، وأغرب ابن العربي في (شرح الترمذي) فحكى عن الشافعي الاشتراط، ولا يعرف ذلك في شيء من كتبه ولا من كتب أصحابه.

error: النص محمي !!