Top
Image Alt

الأصناف التي يجري فيها الربا، ومذاهب الأئمة الأربعة فيه

  /  الأصناف التي يجري فيها الربا، ومذاهب الأئمة الأربعة فيه

الأصناف التي يجري فيها الربا، ومذاهب الأئمة الأربعة فيه

اتفق الفقهاء على أن الربا يجري في الأنواع الستة التي حددها رسول الله صلى الله عليه  وسلم في سنته، وهي: الذهب، والفضة، والبُر، والشعير، والتمر، والملح.

وقد جُمعت في حديث أبي سعيد الخدري، وحديث عبادة بن الصامت رضي الله  عنه عن النبي صلى الله عليه  وسلم أنه قال: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثلٍ، سواءً بسواء، فإذا اختلفت هذه الأصنافُ فبيعوا كيف شئتم إذَا كان يدًا بيدٍ))، وهذا حديث صحيح، رواه مسلم في: (صحيحه)، في كتاب البيوع، باب الربا.

وهذا الحديث يدل بوضوح على أن الأصناف الربوية ستة، وقد صار على ذلك جماعةٌ من فقهاء المسلمين، أي: صاروا على أن هذه الأصناف هي وحدَها المحرمة إلا في البُر والشعير، فإن الإمامَ مالكًا -رحمه الله- قد جعلهما صنفًا واحدًا، بر القمح والشعير، فلا يجوز منهما اثنان بواحد، يعني: لا يجوز كيلتان بكيلة، أو إردبان بإردب، أو قنطاران بقنطار؛ وهو قول الليث، والأوزاعي، ومعظم علماء المدينة والشام.

ولكن هذا القول منقود بالسنة الصحيحة، فقد قال صلى الله عليه  وسلم: ((البُر بالبر، والشعير بالشعير))، وهو دليل على اختلاف جنسهما كمخالفة البر للتمر، وذلك بالعطف بالواو؛ لأن العطف يقتضي المغايرةَ؛ ولأن صفاتهما مختلفة، صفات القمح غير صفات الشعير؛ ولأن أسماءهما كذلك مختلفة، واختلاف الأسماء يدل على اختلاف الحقائق، وهذا مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، والثوري، وأصحاب الحديث. إذًا هذه الأصناف الستة هي المنصوص عليها.

لكن هل يجري الربا في هذه الأصناف الستة فقط، أم يُقاس عليها غيرها؟

اختلف العلماء في الإجابة عن هذا التساؤل على قولين:

القول الأول: أن الربا مقصور على هذه الأصناف الستة المنصوص عليها، لا يتعداها ولا يجري في سواها، بل هو باقٍ على أصل الإباحة، يعني: غير هذه الستة يجري على أصل الإباحة، ولا يدخله الربا عند التبادل، وهذا قول طاوس، وقتادة، وعثمان البتيّ، وقال به الظاهرية؛ داود بن علي الظاهري، وابن حزم وغيرهم، من نفاة القياس الذين لا يستخدمون القياسَ، ويقفون عند ظاهر النصوص، ذهبوا إلى هذا القول، واستدلوا على ذلك: بعموم قول الله تعالى: {وَأَحَلّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرّمَ الرّبَا} [البقرة: 275]، فالشيء ما لم يكن من هذه الأصناف الستة؛ فلا يكون حرامًا، وإنما هو مباح على الأصل في أن الله أحل لنا غير الربا، فلا تحريم إلا فيما نُص عليه.

واستدلوا بقوله تعالى: {إِلاّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ} [النساء: 29]، يعني: كل التجارة والمبادلات المالية المبنية على الرضا، في غير ما حرم الله من الأصناف الربوية الستة، فهذا حلال لا ريبَ فيه ولا شك.

واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: {وَقَدْ فَصّلَ لَكُمْ مّا حَرّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119]، معنى فصَّل يعني: ذكر ذلك في نصوص الشريعة، فما لا نص فيه يبقى على أصله من الإباحة؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة.

القول الثاني: ويرى أن حرمة الربا في الأصناف الستة المذكورة في الحديث، تتعداها إلى غيرها مما يساويها في العلة، وإفراد الأصناف الستة بالذكر إنما ورد على سبيل المثال لا على سبيل الحصر، يعني: النبي صلى الله عليه  وسلم ذكر لنا البُر والشعير والتمر والملح والذهب والفضة على سبيل التمثيل، ولم يرد أن يستقصي؛ لأنه يخاطب عقلاء، والعاقل يرى أنه ما دام الشيء يشبه الشيء فينبغي أن يأخذ حكمه؛ لأن الشريعة الإسلامية تجمع بين المتماثلات وتفرق بين غير المتماثلات، فكيف يكون الشيئان متماثلين، ثم يأخذ أحدهما حكمًا ويأخذ الآخر حكمًا آخر؟ فليس هذا من المعقول.

وهناك أشياء لم يذكرها النبي صلى الله عليه  وسلم في الأصناف الستة، وفيها نفس العلة الموجودة في الذهب أو الفضة أو بقية الأصناف الأخرى.

وهؤلاء الذين يأخذون بالقياس ويستخدمونه في أمور استنباطية للأحكام الشرعية، وسند هؤلاء من الكتاب، والسنة، والمعقول أيضًا:

أما من الكتاب: فإن الله تعالى يقول: {وَأَحَلّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرّمَ الرّبَا}، فالآية تقتضي تحريم كل زيادة، إذ الربا في اللغة الزيادة، إلا ما ورد تخصيصه بدليل.

وأما دليل السنة: فما روي عن معمر بن عبد الله، قال: ((كنت أسمع رسولَ الله صلى الله عليه  وسلم يقول: الطعام بالطعام، مِثلًا بمثل))، ووجه الدلالة من الحديث أن الطعام المذكور عام يتناول جميع ما يسمى طعامًا، بصرف النظر عن كونه قمحًا أو عن كونه شعيرًا أو عن كونه ملحًا أو عن كونه تمرًا، فيشمل كل الطعام كالأرز والعدس، وما إلى ذلك من أنواع الطعام حتى الماء، فإن الله سماه طعامًا، لا فرقَ في ذلك بين ما نص عليه وما لم ينص عليه.

واستدلوا كذلك بالمعقول، فقالوا: إن النبي صلى الله عليه  وسلم نص على البُر وهو أعلى المطعومات، ونص على الملح وهو أدنى المطعومات، يعني: أقلها، فكان ذلك تنبيهًا إلى أن ما بينهما لاحق بهما، فذكر أعلى شيء في الطعام وأدني شيء في الطعام، وما بينهما داخل في الحرمة بلا شك، وقالوا: إن الربا إنما يثبت في تلك الأصناف لعلة، فوجب تعدية هذا الحكم في كل موضع وُجِدت فيه تلك العلة، وهذا كلام معقول جدًّا.

والراجح، إذا نحن وازنَّا بين القولين الأول، الذي حصر الربا في هذه الأصناف الستة، وما توسع فيها، وقاس عليها غيرها ما وجدت فيه علتها، إذا نحن تأملنا نجد أنه لا شك أن ما ذهب إليه الجمهور، من جريان الربا في غير ما نص عليه هو الراجح المعمول به، ولا عبرةَ بقول الظاهرية ولا اعتداد به؛ لابتنائه على أصل فاسد، وهو نفي القياس؛ لأن الربا لو ثبت عن غير تلك الأصناف إنما يثبت بالقياس، فهم لَمَّا رفضوا القياس رفضوا أن يكون هناك ربا في غير هذه الأصناف؛ فالظاهرية لأنهم لا يقومون بالقياس انتهوا إلى أنه لا ربا إلا في هذه الأصناف الستة التي نص عليها الشارع الكريم.

علة تحريم الربا في هذه الأصناف الستة:

ذكرنا أن أنواع الربا ليست مقصورةً على الأعيان الستة التي نص عليها رسول الله صلى الله عليه  وسلم وأنه يتعداها إلى ما سواها في العلة، والربوية، إذا ثبتت في غير ما نص عليه من أعيان فإنما تثبت بالقياس، وهذا يستلزم البحث في العلة التي من أجلها حرم الله الربا، يعني: ما هي هذه العلة؟

اتفق المعللون الذين يأخذون بالقياس على أن علة الذهب والفضة واحدة، وأن علة الأعيان الأربعة الأخرى واحدة، ثم اختلفوا بعد ذلك في علة كل واحد منها على مذاهب، وَصَل بها الإمام النووي في مجموعه قرابةَ عشرة مذاهب.

المذهب الأول مذهب الشافعية: ذهبوا إلى أن العلة في الذهب والفضة جنسية الأثمان غالبًا، يعني: النبي صلى الله عليه  وسلم ذكر الذهب والفضة وهو يريد جنسَ الأثمان، فأيُّ شيء يتخذه الناس ثمنًا، ينطبق عليه هذا الوصف فيكون علة، ويراد بذلك كونهما جنس الأثمان أو جوهرها -أي: أعلاها- وربما عبر الشافعية عن العلة، بكونها قيم المتلفات، يعني: النبي صلى الله عليه  وسلم ذكر الذهب والفضة؛ لأنها قيم المتلفات أو قيم الأشياء، يعني: المعيار الذي نزن به الأشياء، ندخر فيه الأثمان، يعني: ما نجد فيه من تعويضات، وغرامات، ومهور، وأروش الجنايات… إلخ، فكل ذلك يكون بالذهب والفضة.

والعبارة الأولى، هي الصحيحة عند الأصحاب، وهي التي نقلها الماوردي وغيره، عن نص الإمام الشافعي.

وهذه العلة عندهم مقصورة على الذهب والفضة لا تتعداهما.

أما غير الذهب والفضة؛ فالعلة فيها أنها طعام.

إذًا الشافعية يرون بناء على هذا، أنه لا ربا فيما سوى الذهب والفضة من الموزونات، كالحديد والنحاس والرصاص، والقطن والكتان والصوف، وهو خلافًا للحنفية -كما سيأتي بيانه- فيجوز بيع بعضها لبعض متفاضلًا ومؤجلًا، ولا خلافَ في شيءٍ من ذلك عند الشافعية إلا وجهًا حكاه المتولي والرافعي عن بعض الأصحاب: أنه يجوز بيع مال بجنسه متفاضلًا، سواء كان مطعومًا أو نقدًا وغيرهما، وهو وجه شاذ وضعيف.

استدل الشافعية على ما ذهبوا إليه من أن علة الذهب والفضة جنسية الأثمان، وأنها علة محددة لا تتعداهما إلى غيرهما، بأنه لا يجوز أن يكون الربا لمعنى يتعداهما إلى غيرهما من الأموال؛ لأن كل شيئين جمعتهما علة واحدة في الربا، لا يجوز إسلام أحدهما للآخر -يعني: في السلم- لأنهما من جنس واحد، كالذهب والفضة والحنطة والشعير، ولَمَّا جاز إسلام الذهب والفضة في الموزونات والمكيلات وغيرهما من الأموال، دل على أن العلة فيهما بمعنى لا يتعداهما، وهو أنه من جنس الأثمان.

والعلة في الأصناف الأربعة الأخرى من غير النقدين -يعني: كالبر والشعير والتمر والملح- ذكر الشافعية أن العلة فيها هي الطعم من الطعام، وهذا قول الشافعي في الجديد أيضًا.

فعليه فإن الربا يحرم في كل مطعوم سواء كان مما يُكال أو مما يوزن، أو مما لا يكال ولا يوزن، أو أيّ شيء يستخدم كطعام فلا يجوز بيعه بجنسه إلًّا بالتساوي مِثْلًا بمثلٍ، أي: بلا تأجيل.

لكن لا يحرم في غير المطعوم، ولو كان مكيلًا أو موزونًا، فيجري الربا عند الشافعية في البرتقال مثلًا، خلافًا للحنفية في ذلك، كما سيأتي بيانه.

والمراد بالمطعوم ما قُصِدَ لطعام الآدمي خاصةً، يعني: ما يأكله الإنسان، أما طعام الحيوانات والطيور وما إلى ذلك فهذا خارجٌ عن الربوية.

والطعام أيضًا يقصد به طعام الآدمي سواء كان اقتياتًا، يعني: يقتات به ويعيش عليه، أو تفكهًا، أو تداويًا، أي: يُستخدم في الدواء والعلاج، كل هذا يسمى مطعومًا عند الشافعية.

واستدلوا على هذا بحديث عبادة بن الصامت السابق الذكر، وفيه: أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثلٍ، سواءً بسواء، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدًا بيد))، وجه الدلالة من الحديث أن النبي صلى الله عليه  وسلم نص فيه على البر والشعير، والمقصود منهما التقوت، فأَلحق بهما ما في معناهما كالأرز والذرة، ونص فيه على التمر والمقصود منه التفكه والتأدم، وألحق به ما في معناه كالتين والزبيب والمشمش، وما إلى ذلك، ونص على الملح والمقصود به الإصلاح، فألحق به ما في معناه كالزنجبيل والأدوية، وما إلى ذلك؛ لأن الملح دواء للطعام، فكذلك كل ما كان دواءً يدخله الربا أيضًا، فلا يجوز بيع الجنس منه بجنسه إلا مثلًا بمثل، سواءً بسواء ما دام مطعومًا.

ولا فرقَ بين ما يصلح الغذاء أو ما يصلح البدن، فالملح يصلح الطعام، وكذلك الأدوية تصلح البدن، فلا فرقَ بينهما، فإن الأغذية تحفظ الصحة، والأدوية أيضًا ترد المرض.

استدلوا أيضًا بحديث مَعْمر بن عبد الله رضي الله  عنه قال: ((كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه  وسلم يقول: الطعام بالطعام، مثلًا بمثل))، فذكر النبي صلى الله عليه  وسلم الطعام هنا صراحةً، فقال: ((الطعام بالطعام، مثلًا بمثل))، ووجه الدلالة فيه واضح، أن النبي صلى الله عليه  وسلم نهَى عن بيع الطعام بالطعام، والطعام عام يتناول جميعَ ما يسمى طعامًا، فكل ما يؤكل بل ويشرب يسمى طعامًا، فالله سبحانه وتعالى سَمَّى الماءَ طعامًا، فقال تعالى: {وَطَعَامُ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلّ لّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلّ لّهُمْ} [المائدة: 5]، والمرد به الذبائح، وقال: {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ}، أي: من الماء ماء النهر، {فَلَيْسَ مِنّي وَمَن لّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنّهُ مِنّيَ} [البقرة: 249].

وعن عائشةَ رضي الله  عنها: ((مكثنا مع رسول الله صلى الله عليه  وسلم زمنًا ما لنا طعام إلا الأسودان، التمر والماء))، فسمت الماء طعامًا.

وبالآية والحديث استدل الشافعية على جريان الربا في الماء، كما صححه إمام الحرمين، والرافعي، والجمهور؛ لكونه من المطعومات.

ثم إن الشافعية، بنَوا استدلالهم بالحديث على قاعدة: “تعليق الحكم على ما اشتُقَّ منه”،

أو على مشتق مشعر بعلية ما منه الاشتقاق، وذلك على حد قوله تعالى: {الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُواْ} [النور: 2]، فالجلد علته الزنا؛ لأن الزانية مشتق اسم فاعل، والزاني مشتق، فالعلة ما منه الاشتقاق، وهو الزنا، حيث علق الله الحكم بالجلد على لفظ المشتق وهو الزانية والزاني، فدل ذلك على أن الزنا الذي منه الاشتقاق هو علة الحكم، فهكذا الحال هنا، فلقد ذكر الحكم عقب اسم مشتق من الطعم، طعام، فدل ذلك على كون الطعم علة الربا، وتأسيسًا على ذلك، فلا ربا فيما لا يُؤكل عادةً كالجلود، ولا فيما يختص بطعام الجن كالعظم، ولا فيما هو خاص بالبهائم كالحشيش والتبن، وأما ما قُصِدَ به طعم الآدمي والبهائم معًا، فَيُنظَر، إن غلب تناول الآدمي له، أو كان أكله له والبهائم سواء، فهو ربوي، وأما إذا غلب تناول البهائم له فهو غير ربوي، وطريق معرفة ذلك -أي: كون هذا الشيء قصد به طعام الآدمي أو البهائم- يعلم من نص الأصحاب وإلا فبالعرف، يعني: بعرف الناس واستعمالاتهم.

المذهب الثاني: مذهب الحنفية والحنابلة، فقد ذهب الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد في أشهر الروايات عنه، إلى أن علة الربا في الذهب والفضة الوزن مع الجنس، أي: اتحاد الجنس في الموزونات، وهم يقصدون بذلك الذهب والفضة وما يُقاس عليهما من كل موزون، وفي الأصناف الأربعة الكيل مع الجنس، يعني: الجنس المتحد إذا كان يُكال، فهي عندهم علة مركبة، وربما عبروا عنها بالقدر مع الجنس، وهو أشمل.

القدر هنا يعنون به الكيل في المكيلات، والوزن في الموزونات.

وعلى ذلك، فإن الربا عند الحنفية ومن وافقهم يتعدى الذهب والفضة إلى غيرهما من الموزونات كالنحاس والحديد، ويتعدى الأصناف الأربعة إلى غيرها من المكيلات، ولو غير مطعوم كالحبوب والأشنان، بل إنهم منعوا بيع التراب بالتراب؛ لأنه يدخله الكيل في زمنهم، واستدلوا على ما ذهبوا إليه بأدلة من الكتاب، والسنة، والمعقول.

أما دليل الكتاب: فقد استدلوا بقوله تعالى: {أَوْفُواْ الْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ} [الشعراء: 181، 182]، وذكرت الآيتان الكيل والميزانَ، وقال: {وَلاَ تَبْخَسُواْ النّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ} [الشعراء: 183]، و{أَشْيَآءَهُمْ}، هنا هي الموزونات والميكلات، وقال: {وَلاَ تَبْخَسُواْ النّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لّكُمْ إِن كُنتُمْ مّؤْمِنِينَ} [الأعراف: 85]، وجه الدلالة من الآيات أن الله تعالى جعل حرمة الربا بالمكيل والموزون بإطلاق دون شرط الطعم، فدل على أن العلة هي الكيل والوزن، قال تعالى: {وَيْلٌ لّلْمُطَفّفِينَ (1) الّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} [المطففين: 1-3]، فذكر الكيل والوزن.

وأما دليل السنة: فقد استدلوا بحديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري رضي الله  عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم بعث أخا بني عدي الأنصاري، فاستعمله على خيبر، فقدِمَ بتمر جَنِيبٍ – يعني نوعًا ممتازًا من التمر- فقال له رسول الله صلى الله عليه  وسلم: أكُلُّ تمر خيبرَ هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله، إنَّا لنشتري الصاعَ بالصاعين من الجمع، فقال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: لا تفعلوا، ولكن مثلًا بمثلٍ، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا، قال: وكذلك الميزان))، ومعنى الجَنيب: بفتح الجيم، ثم نون مكسورة، نوع من أعلى وأجود التمر، وأما الجمع: فهو تمر رديء، والحديث أخرجه مسلم في كتاب البيوع.

والشاهد فيه أنه ذكر الميزان، وذكر المكيل، ثم قال: ((والميزان كذلك))، فالكيل والوزن هما علة الأصناف الربوية، فوجه الدلالة أن قوله: ((وكذلك الميزان))، أراد به الموزون بطريق الكتابه، يعني: وكذلك كل موزون؛ لمجاورةٍ بينهما مطلقًا من غير فصل بين المطعوم وغيره.

يعني: العلة عندهم هي الجنس الواحد إذا كان موزونًا، أو إذا كان مكيلًا.

وأما دليل المعقول: فقالوا: إن قضية البيع مفروض فيها المساواة، والمؤثر في تحقيق المساواة أو عدم المساواة إنما هو الكيل والوزن والجنس، فإن الوزن أو الكيل يساوي بينهما صورةً، والجنس يساوي بينهما في المعني، فكان علةً.

ثم إذا وجدنا الزيادة في الكيل محرمة دون الزيادة في الطعم، بدليل بيع الثقيلة بالخفيفة، فإنه جائز إذا تساويَا في الكيل.

أما مذهب المالكية: فإن أحسن ما ذُكِرَ عنهم أنهم يرون أن العلة في الذهب والفضة إنما هي النقدية، ويمتازون على الشافعية بأن هذه العلة -وهي النقدية- علة متعدية عندهم، يعني: إذا اتخذ الناس أيّ شيء من الأشياء ثمنًا للأشياء، أو نقدًا لها، دخله أيضًا الربا.

و يروى عن الإمام مالك أنه قال: “لو أن الناس اتخذوا من جلود الإبل أثمانًا؛ فكانت ربويةً أيضًا”.

وهذا في الواقع يدل على عمق نظرة الإمام مالك، واتساع تخيله، وعمق فكره، حيث يتخيل أنه سيأتي على الناس زمان يتخذون من النقود والأثمان من غير الذهب والفضة.

أما بقية الأصناف الأربعة فالعلة عند المالكية فيها أنها قُوت مدخر، فيمتازون عن الشافعية -الذين ذهبوا إلى أن العلة لهذه الأربعة هي الطعم – بأنهم يقولون: قوت فقط وليس مجرد الطعام، والقوت يختلف عن الطعام، فالطعام هو كل ما يطعم: فاكهة، ماءً، والملح في الأطعمة، والأدوية، وما يأكله أغلب الناس، حتى وإن كان بعض البهائم تأكل منه أحيانًا، لكن المالكية حصروها في القوت، والقوت ما تقوم عليه حياة الإنسان، وتظهر الفائدة في الفواكه، فالفواكه طعم عند الشافعية -يعني: طعام- لكن عند المالكية لا تدخل ضمن هذه الأصناف الأربعة؛ لأنها ليست قوتًا مدخرًا، إنما هي نوع من الفاكهة، لكن يدخل في ذلك كلُّ قوت يُدَّخر، أما القوت الذي لا يدخر فلا يكون من الأموال الربوية.

إذًا هذه هي أقوال أهل العلم في علة الربا، وكل مذهب من هذه المذاهب الأربعة وُجهت إليه بعض الانتقادات، لدرجة أن بعض الفقهاء المعاصرين، انتهوا إلى الأخذ بالقول الأول، وهو الذي يرى أن الأصناف الربوية محصورةً في الستة فقط، لكن هذا غير صحيح.

ولعل أقوى هذه الأقوال، هو القول الذي ذهب إلى أن العلة في الذهب والفضة أنها أثمان للأشياء، فالثمنية في الذهب والفضة، والعلة في الأصناف الأربعة الأخرى أنها طعم، أو أنها قوت مدَّخر، لكن قول الحنفية بأنها كل مكيل، هذا كلام فيه شيء من المؤاخذة، وعليه شيء من النقد.

error: النص محمي !!