Top
Image Alt

الأصناف الثمانية، وفضل الصدقة على الزوج والأقارب

  /  الأصناف الثمانية، وفضل الصدقة على الزوج والأقارب

الأصناف الثمانية، وفضل الصدقة على الزوج والأقارب

أولًا: أبواب: الأصناف الثمانية:

1.باب ما جاء في الفقير، والمسكين، والمسألة، والغني:

الحديث الأول:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة ولا اللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، اقرءوا إن شئتم: {لاَ يَسْأَلُونَ النّاسَ إِلْحَافاً} [البقرة: 273])) وفي لفظ: ((ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غِنًى يغنيه، ولا يفطن به فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس)) متفق عليه.

أ. المعاني واللغات لهذا الحديث:  

قوله صلى الله عليه وسلم: ((ليس المسكين الذي يطوف على الناس)) وفي رواية لمسلم: ((ليس المسكين بهذا الطوّاف الذي يطوف على الناس)) ليس: فعل ناقص يدخل على المبتدأ والخبر، فيرفع الأول اسمًا له، وينصب الثاني خبرًا له، والمسكين: اسم “ليس” بكسر الميم، وقد تُفتح مشتق من السكون، فكأنه من قلة المال سكنت حركاته؛ ولهذا قال تعالى: {أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 16] أي: لاصق بالتراب.

قال القرطبي: وزن مسكين “مفعيل”، وفي (الصحاح) المسكين: الفقير، وقد يكون بمعنى الذلة والضعف، يقال تسكن الرجل وتمسكن، ويقال للمرأة: مسكينة ومسكين أيضًا، وقوم مساكين ومسكنون أيضًا، وإنما قالوا هذا من حيث قيل للإناث: مسكينات، والمراد بالمسكين أي: الكامل في المسكنة.

وفي رواية مسلم: ((بهذا الطواف)) الباء زائدة في خبر ليس، يقال: طوف تطويفًا وتطوافًا أي: طاف عليهم، ومنه قوله تعالى: {طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ} [النور: 58] الذي يطوف على الناس أي ليسألهم العطاء والصدقة.

وقوله: ((ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان)) أي: عند طوافه على الناس للسؤال؛ لأنه قادر على تحصيل قوته، وربما تقع له زيادة على قوته، واللقمة هي: الأُكلة بضم الهمزة، واللقمتان هما: الأُكلتان بضم الهمزة أيضًا، كما صرح به في روايتي البخاري والنسائي: ((الأُكلة والأُكلتان)) وأما الأَكلة -بالفتح- فهي: المرة الواحدة من الأكل بشبع، والتمر: اسم جنس، والواحدة تمرة، وجمعها تَمرات بفتح الميم، وجمع التمر: تُمُور بضم التاء والميم، وتُمْران بضم التاء وسكون الميم، ويُراد به الأنواع؛ لأن الجنس لا يُجمع في الحقيقة.

قال النووي: معناه المسكين الكامل المسكنة الذي هو أحق بالصدقة وأحوج إليها، ليس هو هذا الطوّاف، وليس معنى هذا نفي أصل المسكنة عنه، بل معناه نفي كمال المسكنة.

وقيل: ((ترده اللقمة)) أي: يرد على الأبواب لأجل اللقمة، أو أنه إذا أخذ لقمة رجع إلى باب آخر، فكان اللقمة ردته من باب إلى باب، والمراد ليس المسكين المعدود في مصارف الزكاة هو هذا المسكين، بل إن هذا داخلٌ في الفقير، وإنما المسكين هو المستور الحال الذي لا يعرفه أحد إلا بالتفتيش، وبه يتبين الفرق بين الفقير والمسكين في المصارف.

قوله صلى الله عليه وسلم: ((ولكن المسكين)) بتشديد النون وبتخفيفها في “لكن”، والمسكين أي: الكامل في المسكنة، وهو منصوبٌ على رواية التشديد على إعمال “لكنّ” ومرفوع على رواية التخفيف لإهمال “لكن”، وهي إذا خففت الأفصح فيها الإهمال وجوز البعض إعمالها.

قال الطحاوي: فلم يكن المسكين الذي يسأل خارجًا من أسباب المسكنة وأحكامها، حتى لا يحل له أخذ الصدقة، وحتى لا يجزئ من أعطاه منها شيئًا مما أعطاه من ذلك، ولكن ذلك على أنه ليس بمسكين متكامل أسباب المسكنة، وقد وقع في رواية لمسلم وللنسائي سؤال الصحابة عن المسكين: ((فقالوا: فما المسكين يا رسول الله؟)).

قال النووي: هكذا هو في الأصول كلها ((فما المسكين؟)) وهو صحيح.

قال العراقي: وله ثلاث توجيهات: الأول: أن يكون أراد فما الحال التي يكون بها السائل مسكينًا؟ والثاني: أن تكون ما بمعنى مَنْ، كما قيل في قوله تعالى: {وَالسّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا} [الشمس: 5] وقوله تعالى: {وَمَا خَلَقَ الذّكَرَ وَالاُنثَىَ} [الليل: 3] ذكرهما ابن عبد البر، والثالث: أن ما تأتي كثيرًا لصفات مَنْ يعقل كقوله تعالى: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النّسَآءِ} [النساء: 3] أي: الطيب، ذكره النووي.

قوله صلى الله عليه وسلم: ((الذي لا يجد غِنًى يغنيه)) وغِنًى -بكسر الغين- مقصور أي: يَسَار، ويغنيه: صفة لغنى، والمعنى: لا يجد شيئًا يقع موقعًا من حاجته.

قوله صلى الله عليه وسلم: ((ولا يُفطن به)) يُفطن بضم الياء وفتح الطاء على بناء المفعول مخففًا، والفطنة كالفهم، يقال: فطن للشيء يفطن بالضم فطنة، وفَطن بالكسر فِطنة أيضًًا وفَطانة وفَطانية بفتح الفاء فيهما، ورجلٌ فطنٌ بكسر الطاء وضمها، والمعنى: أنه لا يكون للناس علم بحاله فيتصدقون عليه.

وقوله: ((فيتصدق عليه)) بضم الياء مبنيًّا للمفعول لعدم العلم بحاله.

وقوله: ((ولا يقوم فيسأل الناس)) برفع المضارع الواقع بعد الفاء في الموضعين عطفًًا على المنفي المرفوع، فينسحب النفي عليه أي: لا يفطن به فلا يتصدق عليه، ولا يقوم فلا يسأل الناس، وأيضًا بالنصب فيهما بأن مضمرة وجوبًا لوقوعه في الجواب النفي بعد الفاء يعني يجوز أن تقول: ولا يقوم فيسأل الناس.

وفي رواية للبخاري: ((إنما المسكين الذي يتعفف، اقرءوا إن شئتم -يعني: قوله تعالى-: {لاَ يَسْأَلُونَ النّاسَ إِلْحَافاً})).

قوله: ((يتعفف)) أي: يتحرز عن السؤال؛ بحيث يحسبه الجاهل غنيًّا، ومعنى الإلحاف: الإلحاح، واشتقاق ألحف من اللحاف؛ لأنه يشتمل على وجوه الطلب في المسألة، كاشتمال اللحاف في التغطية، وقيل: معناها: لا يسألون عموم الناس، ومنه سُمي اللحاف لعموم ستره، وقيل: لا يسألون جملة -أي: لا يقع منهم السؤال أصلًًا- فكيف يكون فيه إلحاف؟! وانتصب “إلحافًا” على أنه مصدر في موضع الحال، أي: لا يسألون في حال الإلحاف، أو مفعولا لأجله، أي: لا يسألون لأجل الإلحاف، وهل المراد نفي المسألة فلا يسألون أصلًا، أو نفي السؤال بالإلحاف خاصة، فلا ينتفي السؤال بغير إلحاف؟

ب. ما يؤخذ من الحديث:

ويؤخذ من الحديث: الحض على التفطن لمن هذا وصفه من المساكين، وسد حاجته لصيانة عرضه، وإعانته على التفرغ لعبادة الله تعالى وعدم امتهانه بسؤالِ الناسِ حين تلجئه الضرورة إليه لما ورد من ذم المسألة، ففي (الصحيح) أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله، وليس في وجهه مِزعة لحمٍ)).

وفي (الصحيح) أيضًا عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله كره لكم ثلاثًا قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال)) إلى غير ذلك من أحاديث النهي عن السؤال وذمه، فمن أعان ذا مروءة على ترك السؤال ابتغاء مرضاة الله تعالى فقد نال أجرًا عظيمًا لا يعلم قدره إلى الله تعالى، وأن الصدقة على المتعفف أفضل منها على السائل الطوّاف وهو كذلك؛ لأن المزكي يبذل جهدًًا في التحري عمّن يدفع إليه زكاته حتى تقع صدقته موقعها من القبول.

وفي الحديث أيضًا: فضلٌ للمسكين الذي يستحي أن يسأل الناس توكلًا على الله تعالى، واعتمادًا على ضمانه للرزق، واستجابة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا، وتروح بطانًا)).  وفي الحديث أيضًًا: استحباب الحياء في كل الأحوال؛ لأن الحياء من الإيمان.

الحديث الثاني:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره فيتصدق منه، ويستغني به عن الناس خيرٌ له من أن يسأل رجلًا أعطاه أو منعه)) متفق عليه.

وعنه أيضًًا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَنْ سأل الناس أموالهم تكثرًا؛ فإنما يسأل جمرًا، فليستقل أو ليستكثر)) رواه أحمد، ومسلم، وابن ماجه.

أ. المعنى العام لهذا الحديث:

هذا الحديث يبين لنا فيه الرسول صلى الله عليه وسلم أن سؤال الناس فيه من المذلة والمهانة والحقارة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن العمل حتى لو كان حقيرًا، وحتى لو كان فيه امتهان للمرء أفضل بكثير من مذلة السؤال، وجاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم يقسم: “لأن يأخذ أحدكم حبلًًا…” -مثلًًا- ويجمع الحطب، ويحتطب على ظهره خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه… إن السؤال فيه مذلة ومهانة بحيث إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرتضِ للمسلم الذي يعبد ربه ويتوكل عليه أن تكون من صفاته سؤال الناس، الذي يسأل الناس ليست هذه الصفة من صفات المسلمين المؤمنين الموحدين المتوكلين على الله تعالى.

ها هو الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يبين أن العمل والجهد والعرق، وأن يأكل الإنسان من عمله ومن عرقه، حتى لو كان هذا العمل فيه مهانة للمرء، لكنه أفضل بكثير من الذي يأتي إلى الناس فيسألهم من أموالهم أعطوه أو منعوه، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم يذهب إلى أبعد من هذا فيقول: ((مَنْ سأل الناس أموالهم تكثرً)) أي: سأل الناس من أموالهم ليكثر ماله هو، مَنْ سأل الناس على هذه الصفة وعلى تلك الكيفية ليُكثر ماله أو غنمه أو أرضه ((إنما يسأل جمرًا)) أو يأخذ جمرًا من نار، فبعد ذلك هو وشأنه، إن شاء أكثر من هذا الجمر، وإن شاء أقل أو امتنع عن هذا الجمر، يبين النبي صلى الله عليه وسلم أن سؤال الناس أموالهم للتكثر إنما يسأل جمرًًا من نار، فبعد ذلك هو وحريته، هو وشأنه، إما أن يستكثر من هذا الجمر، وإما أن يستقل أو يمتنع.

صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبين للمرء أن العمل وأن التعب والجهد أفضل بكثير من أن يجلس الإنسان في بيته، ثم بعد ذلك يخرج للسؤال، حتى إن بعض الناس اتخذ من هذه الأعمال وسيلةً للتكسب، ووسيلة للعيش اتخذوها حرفة، يقفون في كل مكان يلبسون الثياب القديم، ويمتهنون أنفسهم، ويذلون أنفسهم يسألون الناس إلحافًا، إن المسلم الذي يتوكل على الله، والذي يعلم أن الرزق بيد الله يجب عليه أن يعمل، وأن يَجِدَّ، وأن يجتهدَ، وأن يأكل من عمله، ومِمَّا كسبت يداه، هذا أفضل بكثير من أن يسأل الناس، ومَنْ سأل الناس تكثرًا -أي: كان عنده المال، لكنه سأل الناس ليستكثر بذلك ماله- فإنما يسأل جمرًا فليستقل أو ليستكثر.

ب. ما يستفاد من الحديث:

يحث الحديث على التعفُّفِ عن المسألةِ والتنزهِ عنها حتى لو أدى ذلك إلى أن يمتهن المرء نفسه في طلب الرزق، وارتكب من المشقة والسفر في ذلك، ولولا قُبحُ المسألة في نظر النبي صلى الله عليه وسلم لم يفضل هذه الأعمال على المسألة، وذلك لما يدخل على السائل من ذُِّل السؤالِ، ومن ذُلِّ الردِّ إذا لم يُعطَ، ولما يدخل على المسئول من الضيق في ماله إن أعطى كل سائل.

وأما قوله: ((خير)) فليست بمعنى أفعل التفضيل، إذا لا خير في السؤال مع قدرة على الاكتساب، والأصح عند الشافعية: أن سؤال مَنْ هذا حاله حرام، ويُحْتَمَلُ أن يكون المراد بالخير فيه بحسب اعتقاد السائل وتسمية الذي يُعطاه خير، وهو في الحقيقة شر.

وقوله: ((تكثرً)) فيه دليل على أن سؤال التكثر مُحَرمٌ، وهو السؤال لقصد الجمع من غير حاجة.

وقوله: ((فإنما يسأل جمرًًا …)) إلى آخره، قال القاضي عياض: معناه: أنه يعاقب بالنار، قال: ويُحْتَمَلُ أن يكون على ظاهره، وأن الذي يأخذه يصير جمرًا يكوى به، كما ثبت في مانع الزكاة.

2. باب: العاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم:

الحديث الأول:

عن بُسر بن سعيد أن ابن السعدي المالكي قال: ((استعملني عمر على الصدقة، فلما فرغت منها، وأديتها إليه أمر لي بعُمالة، فقلت: إنما عملت لله، فقال: خذ ما أعطيت، فإني عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعمّلني، فقلت مثل قوله، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أُعطيت من غير أن تسأل فَكُلْ وَتَصَدَّق)) متفق عليه.

هذا الحديث جاء تحت باب: العاملين عليها، وهذا من مصارف الزكاة الثمانية التي جاءت في قول الله تعالى: {إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السّبِيلِ فَرِيضَةً مّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60].

وهذا الحديث رواه البخاري في صحيحه بسنده عن الزهري قال: أخبرني السائب بن يزيد بن أخت نَمِر أن حويطب بن عبد العزى أخبره أن عبد الله بن السعدي أخبره: ((أنه قدم على عمر في خلافته، فقال له عمر: ألم أحدث أنك تلي من أعمال الناس أعمالًا، فإذا أعطيت العُمالة كرهتها، فقلت: بلى، فقال عمر: ما تريد إلى ذلك؟ قلت: إن لي أفراسًا وأعبدًا وأنا بخير، وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين، قال عمر: لا تفعل، فإني كنت أردت الذي أردته، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء، فأقول: أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مرة مالًا فقلت: أعطه أفقر إليه مني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خذه فتموله وتصدق به، فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرفٍ ولا سائلٍ فخذ، وإلا فلا تتبعه نفسك)).

هذه الرواية دمجت بين هذا الحديث والحديث الذي قبله، وسنشرح بالتفصيل الروايةَ التي جاءت في البخاري؛ حتى تتم الفائدة، وبقية شرح الحديث قول الحويطب، أن عبد الله بن السعدي أخبره، هو عبد الله بن وقدان بن عبد شمس، وإنما قيل له ابن السعدي؛ لأن أباه كان مسترضعًا في بني سعد، والمالكي نسبة إلى مالك بن حسم، توفي في المدينة سنة 57 بعد حويطب الراوي عنه بثلاث سنين، وليس له في البخاري إلا هذا الحديث الواحد، وهذا الإسناد من الغرائب، اجتمع فيه أربعة من الصحابة يروي بعضهم عن بعض، وهم عمر، وابن السعدي، وحويطب، والسائب رضي الله عنهم.

وقد جاءت جملة من الأحاديث فيها أربعة من الصحابة يروي بعضهم عن بعض، وأربعة من التابعين يروي بعضهم عن بعض.

مفردات الحديث وشرح غريبه:

وقول عمر رضي الله عنه لابن السعدي: “أَلَمْ أحدث” على بناء المفعول، وعند النسائي: “ألم أُخبر” والمراد الاستفهام على متعلق الإخبار لا عن نفسه.

وقوله: “إنك تلي من أعمال الناس أعمالًا” أي: الولايات من إِمْرة أو قضاء أو نحوهما، وقد وقع في رواية مسلم: “استعملني عمر على الصدقة” فعين الولاية أنها ولاية الصدقة، يعني: هذا العمل الذي تولاه هو أن يكون عاملًا على الصدقة، كما سبق أن عمر رضي الله عنه استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة، حيث جاء وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه امتنع ابن جميل والعباس وخالد بن الوليد، وسبق هذا الكلام.

قوله: “فإذا أعطيت” على صيغة المجهول “العُمالة” بضم العين وكسرها أجرة العمل، وهي المال الذي يُعطاه العامل على عمله، يسمى “عُمالة، وعِمالة” أما “عَمالة” بفتح العين فالمعنى نفس العمل، وهو غير مراد في الحديث؛ لأن المراد في الحديث أجرة العمل، فيقال: عمالة وعمالة، أما عمالة فهي نفس العمل؛ لأن الكلام هنا على الغِنى عن المال لقول ابن السعدي بعد ذلك لعمر: “إن لي أفراسًا وأعبدًا”.

وقوله: “وأريد أن تكون عمالتي صدقةً على المسلمين” قوله: “كرهتها” أي: كرهت أخذ الأجرة على عملك، ولم تتطلع نفسك إليها، قول ابن السعدي لعمر: “بلى” جواب للتحقيق، توجب ما يقال لك؛ لأنها ترك للنفي، وهي حرف؛ لأنها ضد “لا” قال الزجاج: بلى إيجاب للنفي، وتقع جوابًا للسؤال المحجوب، كقولك: أَمَا خرج زيد؟ فيقال: بلى، أما: نعم فتقع جوابًا للسؤال الموجود، كقولك: أَخَرَجَ زيد؟ فيقال: نعم، ولا تقع جوابًا للنفي، كما أن: بلى لا تقع جوابًا للواجب، فـ”بلى” حرف تصديق مثل نعم، وأكثر ما تقع بعد الاستفهام، وتختص بالإيجاب سواء كان ما قبلها مثبتًا أو منفيًّا، نحو: أَقَامَ زيد؟ الجواب: بلى، أي: قام، وَأَمَا قام زيد؟ الجواب: بلى، أي: قام.

فقال عمر: “ما تريد إلى ذلك؟” أي: ما غاية قصدك بهذا الرد؟ وكأن عمر يسأل: ماذا تريد بكراهيتك لأخذ الأجرة على العمل، ففسره بقوله: “أريد أن تكون عَمالتي صدقةً على المسلمين” أي: أريد أن تكون أجرة عملي هذا صدقة على المسلمين.

وقول ابن السعدي: “فقلت إن لي أفراسًا وأعبدًا”: أفراسًا بفاء وسين مهملة، جمع فرس، وهي حيوان أهلي معروف، أكثر استعماله للركوب، وكان يُستخدم قديمًا للجهاد في سبيل الله، يقع على الذكر، ويقال له: حصان، وعلى الأنثى، ويقال لها: حِجْ، بكسر وسكون، وربما قالوا فيها: فرسة، وجمعت أيضًا فرس على غير لفظها فقيل: خيل، وعلى لفظها فقيل: ثلاثة أفراس للذكور، وثلاثة أفراس للإناث، وربما جمعت جمع تكثير فيقال: فروس.

وقوله: “وأعبدًا” للأكثر بضم الباء الموحدة جمع: عبد، وهو ضد الحر، ويجمع أيضًا على: عَبيد وعُبُد بضمتين، مثل: سَقف وسُقُف، والتعبيد والاستعباد: هو اتخاذ الشخص عبدًا، وهي هكذا عند الأكثرين أعبدًا، ولكنها في رواية القشميهني: “أعتدًا” بضم المثناة بدل الباء الموحدة، جمع: عتيد، وهو الحاضر المهيأ، وقد عتده تعتيدًا وأعتده إعدادًا، أي: أعده اليوم، ومنه قوله تعالى: {وَأَعْتَدَتْ لَهُنّ مُتّكَئاً} [يوسف: 31].

قال ابن حجر: “والعتيد في الحديث هو المال المدخر”.

وقول ابن السعدي: “وأنا بخير” أي: في سَعة وبَسطة من العيش، وفي رواية الطحاوي: “وأن أتجر” وقد وقع عند ابن حبان في صحيحه من طريق قبيسة بن ذؤيب، أن عمر أعطى السعدي ألف دينار، فذكر بقية الحديث نحو الذي هنا، وفي فوائد أبي بكر النسيابوري الزيادات، من طريق عطاء الخرساني، عن عبد الله السعدي قال: “قدمت على عمر فأرسل إلي ألف دينار، فرددتها، وقلت: “أنا عنها غني” فذكره أيضًا بنحوه، واستفيد من هذا قدر العمالة المذكورة، وهي ألف دينار، وفسرت رواية الطحاوي ما قصده ابن السعدي: “وأنا بخير” معنى ذلك: أنه كان يشتغل بالتجارة وهو في سعة وبسطة من العيش.

قول عمر: “فإني كنت أردت الذي أردت -بالفتح على الخطاب- فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء -أي: المال الذي يقسمه الإمام في المصالح، ووقع في رواية مسلم: فإني عملت على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فعمَّلني بتشديد الميم، أي: أعطاني عمالتي وأجرة عملي- فقلت مثل قولك” فكان عطاؤه صلى الله عليه وسلم لعمر بسبب العمالة، ولم يكن من الصدقة على جهة الفقر.

فأقول: الضمير راجع إلى المتكلم وهو عمر رضي الله عنه أي: أقول إذا أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية لمسلم: “فأقول: يا رسول الله، أعطِهِ أفقر إليه مني” أي: أعطي -بقطع الهمزة المفتوحة- الذي هو أفقر إليه مني، وفي رواية للبخاري: “أعطه من هو أفقر إليه مني” أي: أحوج إليه مني.

قال بعضهم: الفقير: الذي له بُلغة من العيش، والمسكين: الذي لا شيء منه، وقال الأصمعي: المسكين أحسن حالًا من الفقير، وقال يونس: الفقير أحسن حالًا من المسكين، قال: وقلت لأعرابي: أنت فقير؟ فقال: لا والله، بل مسكين.

وقال ابن الأثير: وقد اختلف الناس فيه وفي المسكين، فقيل: الفقير الذي لا شيء له، والمسكين الذي له بعض ما يكفيه، وإليه ذهب الشافعي، وقيل فيهما بالعكس، وإليه ذهب أبو حنيفة -وقد سبق هذا الكلام.

قال الكرماني: جاز الفصل بين أفعل التفضيل وبين لفظة “من” في قوله: “أفقر إليه مني” لأن الفاصل ليس أجنبيًّا؛ بل هو ألصق به من الصلة، لأنه يحتاج إليه بحسب جوهر اللفظ، والصلة محتاج إليها بحسب الصيغة، قال شيخ الإسلام الشرقاوي: وقد عبر بـ”أفقر” ليفيد نكتة حسنة، وهي أن الفقير هو الذي لا يملك شيئًا ما؛ لأنه وإنما يتحقق فقير وأفقر إذا كان الفقير له شيء يقل ويكثر، أما لو كان الفقير هو الذي لا شيء عنده البتة؛ لكان الفقراء كلهم سواء ليس فيهم أفقر، وهو كلام في غاية الحسن.

وظاهر هذا التعبير أيضًا: أن عمر رضي الله عنه لم يكن غنيًّا؛ لأن صيغة أفعل تدل على الاشتراك في الأصل وهو الافتقار إلى المال، وقضية أن عمرَ كان فقيرًا ربما كان في هذا الوقت بالذات، وقد علم أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا ينفقون ويتصدقون، وكان يأتيهم المال فينفقونه في سبيل الله.

قول عمر رضي الله عنه: ((فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خذه، فتموله، وتصدق به)) الضمير في: ((خذه)) عائد على المال المذكور قبل ذلك في قول عمر: ((حتى أعطاني مرة مالًا، فقال صلى الله عليه وسلم: خذه)) أي: بالشرط المذكور بعد ذلك، وهو من غير إشرافٍ ولا مسألةٍ: ((فتموله)) أي: اقْبَله واجعله لك مالًا، وَأَدْخله في مِلكِك ومَالَك، يقال: مال الرجل وتمول: إذا صار ذا مال، وموله غيره تمويلًا، ويقال: رجل مال، أي: كثير المال، كأنه قد جعل نفسه مالًا، وحقيقته ذو مال.

وهذا التعبير النبوي يدل على أن هذا المال ليس من أموال الصداقات؛ لأن الفقير لا ينبغي أن يأخذ من الصداقات ما يتخذه مالًا: ((وتصدق به)) وفي رواية لمسلم: ((أو تصدق به)) لمسلم بلفظ ((أو)) بدل الواو، وهو أمر إرشاد على الصحيح، قال ابن بطال:أشار صلى الله عليه وسلم على عمر بالأفضل؛ لأنه وإن كان مأجورًا بإيثاره لعطائه عن نفسه مَن هو أفقر إليه منه، فإن أخذه للعطاء ومباشرته للصدقة بنفسه، أعظم لأجره، وهذا يدل على عظيم فضل الصدقة بعد التمول؛ لِمَا في النفوس من الشح على المال.

قوله صلى الله عليه وسلم: ((فما جاءك من هذا المال -الذي هذا حكمه- وأنت غير مشرف، فخذه)) أي: خذه بغير إشراف.

فقوله صلى الله عليه وسلم: ((فما جاءك من هذا المال)) إشارةً إلى جنس المال، أو إشارة إلى المال الذي أعطاه إياه، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((وأنت غير مشرف، ولا سائل فخذ)) جملة اسمية وقعت حالًا، وأصل الاستشراف: أن تضع يدك على حاجبك وتنظر، كالذي يَستضل من الشمس؛ حتى يستبينَ الشيء، وأصله من الشرف وهو العلو، كأنه ينظر إليه من موضع مرتفع، فيكون أكثر لإدراكه، يقال: أشرفت الشيء، أي: علوته، وأشرفت عليه: اطَّلَعْتُ عليه من فوق، أراد: مَا جَاءَكَ من هذا المال وأنت غير متطلع إليه، ولا طامع فيه، فخذه، والمشرف إلى الشيء: هو المتطلع إليه، الحريص عليه، يقال: أشرف على كذا: إذا تطاول له، وقيل: للمكان المرتفع شرفٌ لذلك.

قال الطيبي: الإشراف: الاطلاع على الشيء والتعرض له، والمقصود منه الطمع، أي: والحال أنك غير طامع فيه.

قال أبو داود: سألتُ أحمدَ عن إشراف النفس؟ فقال بالقلب، وقال يعقوب بن محمد: سألت أحمد عنه فقال: هو أن يقول مع نفسه: يبعث إليَّ فلان بكذا، وقال الأصرم: يضيق عليه أن يرده إذا كان كذلك، وقال الطحاوي: الإشراف: أن تريد به ما قد نُهيت عنه، والسائل هو الذي يسأل الناس ويطلب منهم ويستجديهم، قال النووي: وفيه النهي عن المسألة، وقال الطحاوي: وقد يحتمل: ((ولا مشرف)) أي: لا تأخذ من أموال المسلمين أكثرَ مما يجب لك فيها، فيكون ذلك شرفًا فيها: ((ولا سائل)) أي: ولا سائل منها ما لا يجب لك.

وقوله: ((فخذه)) جواب للشرط، أي: فاقبله ولا ترده، وأطلق الأخذ أولًا وعلقه ثانيًا بالشرط، فحمل المطلق على المقيد.

قوله صلى الله عليه وسلم: ((وإلا فلا تتبعه نفسك)) أي: إن لم يجئ إليك فلا تطلبه، ولا تعلق به نفسك واتركه، وليس المراد منعه من الإيثار؛ بل لأن أخذه ثم مباشرته الصدقة بنفسه، أعظم لأجره -كما تقدم.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فلا تتبعه نفسك)) من الِإتباع بالتخفيف، أي: فلا تجعل نفسك تابعة له، ناظرة إليه، تتمني أن يحصل عندك، ولا تواصل المشقة عليها في طلبه، وفيه الإشارة إلى أن المدار على عدم تعلق النفس بالمال، لا على عدم أخذه وردِّه على المعطي.

وقد حُكي أن الإمام أحمد بن حنبل اشترى شيئًا من السوق، فحمله بنَّان الحمال، فلمَّا دخل البيت -وكان الخبز فيه منشورًا؛ ليبرد- أمر الإمام ولَدَه أن يعطي قرصًا لبنان، فعرض عليه فامتنع ولم يأخذه، فلما خرج، أمره أن يلحقه ويعطيه، فأخذه، فتعجب الولد من امتناعه أولًا وأخذه ثانيًا، فسأل الإمام فقال: لَمَّا دخل ورأى العيش، وقع منه إشراف على مرتضى الطبع البشري، فامتنع ذلك، ولما خرج وسعى إليه الخبز من غير إشراف أخذه.

فقه الحديث:

قال أبو جعفر الطحاوي: ليس معنى هذا الحديث في الصدقات، وإنما هو في الأموال التي يقسمه الإمام على الناس، فيقسمها على أغنيائهم وفقرائهم، كما فرض عمر لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دوَّن الدواوين، ففرض للأغنياء منهم والفقراء، فكانت تلك الأموال يُعطاه الناس لا من جهة الفقر، ولكن لحقوقهم فيها، فلما قال عمر: ” أعطه أفقر إليه مني” لم يرضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك؛ لأنه إنما أعطاه لمعنًى آخر غير الفقر، ويؤيده قوله: ((خذه، فتموله)) أي: اجعله لك مالًا، فدل ذلك على أنه ليس من أموال الصدقات؛ لأن الفقراء لا ينبغي لهم أن يأخذوا من الصدقة ما يتخذه مالًا، سواء كان ذلك عن مسألة منه أو عن غير مسألة.

وقال النووي: واختلف العلماء فيمن جاءه مال، هل يجب قبوله أو يندب؟ على ثلاثة مذاهب، حكاها أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، وآخرون، والصحيح المشهور الذي عليه الجمهور: أنه يستحب في غير عطية السلطان، وأما عطية السلطان فحرَّمها قوم، وأباحها قوم، وكرهها قوم، فإذا غلب الحرام فيما في يدي السلطان، حرمت، وكذا إن أعطَى السلطان من لا يستحق وإن لم يغلب الحرام في يده، فمباح، إن لم يكن عند القابض مانع يمنعه من استحقاق الأخذ، وقالت طائفة: الأخذ واجب من السلطان وغيره، وقال آخرون: هو مندوب في عطية السلطان دون غيره، قال ابن حجر: والتحقيق في المسألة أن من علم كون ماله حلالًا، فلا تُرد عطيته، ومن علم كون ماله حرامًا فتحرم عطيته، ومن شك فيه، فالاحتياط رده وهو الورع، ومن أباحه أخذ بالأصل، وقد تقدم هذا كله في الحديث السابق.

قال ابن المنذر: واحتج مَن رخص بالأخذ: بأن الله تعالى قال في اليهود: {سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّالُونَ لِلسّحْتِ} [لمائدة:42] قد رَهَنَ النبي صلى الله عليه وسلم درعَه عند يهودي مع علمه بذلك، وكذلك أخذ الجزية من أهل الكتاب مع العلم بأن أكثر أموالهم من ثمن الخمر، والخنزير، والمعاملات الفاسدة.

ويُستفاد من حديث الباب: أن للإمام أن يعطي بعض رعيته إذا رأى لذلك وجهًا، وإن كان غيره أحوج إليه منه، وأن رد عطية الإمام ليس من الأدب؛ ولا سيما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {وَمَآ آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ وَاتّقُواْ اللّهَ} [الحشر: 7] قال بعض العلماء: إن عطية السلطان الجائر لا تُرد؛ لأنه إن علِمَ أن ذلك عين مال المسلم، وجب قبوله وتسليمه إلى مالكه، وإن كان مُلتبسًا -أي: بين الحلال والحرام- فهو مظلمة يصرفها على مستحقها، وإن كان ذلك عين مال الجائر، ففيه تقليل لباطله، وأخذ ما يستعين بإنفاقه على معصية الله تعالى، فقيل: هذا كلام حسن جار على قواعد الشريعة، إلا أنه يشترط في ذلك أن يأمن القابض على نفسه من محبة المحسن، حيث جُبلتِ القلوبُ على حب من أحسن إليها، وألا يُوهم الغير أن السلطان على الحق حين قبض ما أعطاه.

وقال الطبري: ذهب الجمهور إلى جواز أخذ القاضي الأجرة على الحكم؛ لكون الحكم يشغله عن القيام بمصالحه، غير أن طائفة من السلف كرهت ذلك، ولم يحرموه، وقال أبو علي الكرابيسي: لا بأسَ للقاضي أن يأخذ الرزقَ على القضاء عند أهل العلم قاطبةً من الصحابة ومن بعدهم، وهو قول فقهاء الأمصار، ولا أعلم بينهم اختلافًا، وقد كره ذلك قوم منهم مسروق، ولا أعلم أحدًا منهم حرَّمه.

الحديث الثاني:

((عن ابن المطلب بن ربيعة بن الحاجب بن عبد المطلب، أنه والفضل بن عباس انطلقَا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثم تكلم أحدُنا فقال: يا رسول الله، جِئناك لتأمِّرنا على هذه الصدقات؛ فنصيب ما يصيب الناس من المنفعة، ونؤدي إليه ما يؤدي الناس، فقال: إن الصدقة لا تنبغي لمحمد، ولا لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس)) مختصر لأحمد ومسلم، وفي لفظ لهما: ((لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد)).

وقوله في هذا الحديث: ((أوساخ الناس)) بيان لعلة التحريم، والإرشاد إلى تنزه الآل عن أكل الأوساخ، فإن الصدقة حُرمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آل بيته، وعلة التحريم أن الصدقة أوساخ الناس، وسُميت أوساخًا؛ لأنها مطهرة لأموال الناس ونفوسهم، كما قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] فذلك من التشبيه، وفيه إشارة إلى أن المحرم على الآل، إنما هو الصدقة الواجبة التي يحصل بها تطهير المال.

وأما صدقة التطوع، فنقل الخطابي وغيره الإجماع على أنها محرمة على النبي صلى الله عليه وسلم وللشافعي قول: أنها تحل، وتحل للآل -أي: لآل النبي صلى الله عليه وسلم على قول الأكثر، وللشافعي قول بالتحريم.

3. باب: المؤلفة قلوبهم:

عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لم يكن يُسأل شيئًا على الإسلام إلا أعطاه، قال: فأتاه رجل فسأله، فأمر له بشاء كثير بين جبلين من الصدقة، قال: فرجع إلى قومه فقال: يا قوم، أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة)).

رواه أحمد بإسنادٍ صحيحٍ.

هذا الحديث يدل على جواز أن يعطي الإمام من ماله الصدقة المؤلفة قلوبهم، فهذا الذي دخل في الإسلام، ولكن لم يرسخ الإيمان في قلبه، ويحتاج إلى مال؛ ليستعين به على الحياة، فله أن يأخذ من الصدقة، وللإمام أن يعطيه من سهم المؤلفة قلوبهم.

وهذا الحديث الذي معنا فيه جواز التأليف لمن لَمْ يرسخ إيمانه من مال الله عز وجل وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة، منها: ((إعطاؤه صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وعباس بن مرداس، كل إنسان منهم مائة من الإبل، وروي أيضًا أنه أعطى علقمة بن علافة مائة)) ثم للأنصار لَمَّا عَتَبوا عليه: ((ألا تَرضون أن يذهب الناس بالشاء والإبل، وتذهبون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم)).

ثم قال -لَمَّا بلغه أنهم قالوا: يعطي صناديدَ نجد ويدعنا-: ((إنما فعلت ذلك لإيلافهم)) كما في (صحيح مسلم) وهذا قد حدث في غزوة حنين.

كما روى البخاري بسنده، عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال: ((لَمَّا أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، قسم في المؤلفة قلوبهم، ولم يعطِ الأنصار شيئًا، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فقال: يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألَّفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، كلما قال شيئًا، قالوا: الله ورسوله أَمَن، قال: ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمن، قال: لو شئت قلتم: جئتنا كذا وكذا، ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبوا بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم، لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس واديًا وشعبًا لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار، والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)).

وهذا الحديث يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى للمؤلفة قلوبهم.

فقول عبد الله بن زيد: “لَمَّا أفاء الله على رسوله يوم حُنين” أفاء بفتح الهمزة والمد، وحنين بالحاء المهملة ونونين بينهم مثناة تحتية: واد قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضع عشرة ميلًا من جهة عرفات، وقيل: اسم ماء، وهو مذكر، ويؤنث باعتبار البقعة، وهو منصرف دائمًا؛ لأن التصغير بعد شبهه بالفعل.

قال السهيلي: حُنين الذي عرف به المكان هو حنين بن قانية، ويقال لغزوة حنين: غزوة أوطاس؛ تسميةً لها بالموضع الذي كانت فيه الواقعة.

قال ابن حجر: والمعنى: أعطى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم غنائمَ الذين قاتلهم يوم حنين، وقسم في الناس في المؤلفة قلوبهم، ولم يعطِ الأنصار شيئًا، فجاز أن يعطي الإمام من سهم الصدقات المؤلفة قلوبهم، كما في هذا الحديث.

4. باب: قول الله تعالى: {وَفِي الرّقَابِ}:

قال المصنف: كلمة: {وَفِي الرّقَابِ} [التوبة:60] يشمل بعمومه المكاتب وغيره، وقال ابن عباس: “لا بأس أن يعتق من زكاة ماله” ذكره عنه أحمد والبخاري، والعبد المكاتب، الكتابة معناها: أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه إليه منجمًا، أي: مفرقًا أو على دفعات، أو كما نسميه نحن بالتقسيط، فإذا أداه -أي: إذا أدى العبد هذا المال- صار حرًّا، وسميت كتابة لمصدر كتب، كأنه يكتب على نفسه لمولاه ثمنَه، ويكتب مولاه له عليه العتق، والعبد مكاتب، وإنما خُص العبد بالمفعول؛ لأن أصل الكتابة من المولى، وهو الذي يكاتب عبده على ذلك.

وقول المصنف: “المكاتب وغيره” قد اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى: {وَفِي الرّقَابِ} فروي عن علي بن أبي طالب، وسعيد بن جبير، والليث، والثوري، والحنفية، والشافعية، وأكثر أهل العلم، أن المراد به: المكاتبون يعانون من الزكاة على الكتابة، أي: إذا كاتب العبد سيده على مال معين، فإن العبد يُعان من أموال الصدقات، وروي عن ابن عباس، والحسن البصري، ومالك، وأحمد بن حنبل، وأبي ثور، وأبي عبيد، وإليه مال البخاري وابن المنذر، أن المراد بذلك: أنها تُشترى رقاب؛ لتعتق، واحتجوا بأنها لو اختصت بالمكاتب لدخل في حكم الغارمين؛ لأنه غارم -يعني: مدين- وبأن شراء الرقبة لتعتق، أولى من إعانة المكاتب؛ لأنه يعان ولا يعتق، لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم واحد؛ ولأن الشراء يتيسر في كل وقت بخلاف الكتابة.

وقال الزهري: إنه يجمع بين الأمرين، وإليه أشار المصنف بقوله: “يشمل المكاتب وغيره” وهو الظاهر؛ لأن الآية تحتمل للأمرين.

ويستفاد من هذا الأثر المروي عن ابن عباس: أن من مصارف الزكاة الثمانية وفي الرقاب، يعني: يعان العبد المكاتب على أن يعتق، وأن يُشترى بأموال الصدقات أعبدًا لتعتق في سبيل الله عز وجل.

5. باب الغارمين:

باب الغارمين، وهذا أيضًا مصرف من مصارف الزكاة:

عن قبيصة بن مخارق الهلالي، قال: ((تحملت حمالة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها، فقال: أقِمْ حتى تأتينا الصدقة فنأمرَ لك بها، قال: ثم قال: يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة، رجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها، ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قِوامًا من عيش، أو قال سدادًا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحِجى من قومه، لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قِوامًا من عيش، أو قال: سدادًا من عيش- فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت، يأكلها صاحبها سحتً)).

راوي الحديث هو: قبيصة بن المخارق بن عبد الله بن شداد الهلالي العامري البصري، صاحبي جليل، من بني هلال بن عامر بن صعصعة، يُكنَّى أبا بشر، نزل البصرة وسكنها، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وروَى عنه، وروى عنه ابنه قطن، وكنانة بن نعيم، وهلال بن عامر البصري، وأبو عثمان النهدي، وأبو قلابة الجرمي، له ستة أحاديث، انفرد مسلم منها بحديث، قال البخاري: “له صحبة، ويقال له: البجلي” أخرج النسائي عنه أنه قال: ((كُسفت الشمس ونحن إذ ذاك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فخرج فزعًا يجر ثوبه، فصلى ركعتين أطالهما)).

معاني الحديث:

قول قبيصة: “تحملت حمالة” أي: تكلفت مالًا لإصلاح ذات البين، والحَمالة بفتح الحاء: ما يتحمله الإنسان عن غيره من دية أو غرامة، فيستدين المال، ويدفعه في إصلاح ذات البين- أي: الإصلاح بين المتخاصمين- كالإصلاح بين المتخاصمين لإسكان الثائرة ونحو ذلك، وهذا إنما تحل له المسألة ويعطى من الزكاة، بشرط أن يستدين لغير معصية، قال الخطابي: الحمالة هي: أن يقع بين القوم التشاجر في الدماء والأموال، ويُخاف من ذلك الفتن العظيمة، فيَتوسط الرجل فيما بينهم، ويسعَى في إصلاح ذات البين، ويضمن لهم ما يترضاهم بذلك حتى تسكن الفتنة، وتعود بينهم الأُلفة والمودة، وقال ابن الأثير: والتحمل أن يحملها عنهم على نفسه.

وقوله: “فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيه” أي: عطاءً لأجل الحمالة، وكانت العرب إذا علمت أن أحدَهم تحمل حمالة، بادروا إلى معونته، وأعطوه ما تبرأ به ذمته، ولم تعتبر السؤال لذلك نقصًا في قدره، بل فخرًا يرتفع به بين الناس ذكره.

قوله صلى الله عليه وسلم: ((أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك به)) ((أقم)) أمر من الإقامة، بمعنى: اثْبُت واصبر، وكن بالمدينة مقيمًا حتى تأتينا الزكاة ويحضرنا مالها، فنأمر لك بها، بنصب الراء أي: بالصدقة أو بالحمالة.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن المسألة)) أي: السؤال : ((لا تحل إلا لأحد ثلاثة)) أي: لا تحل إلا لصاحب ضرورة ملجئة إلى السؤال، كأصحاب هذه الضرورات: ((رجل)) بالجر بدلًا من أحد، وقيل: بدل من ثلاثة، وبالرفع أيضًا خبر مبتدأ محذوف تقديره أحدهم، و: ((رجلٌ تحمل حمالة، فحلت له المسألة)) أو: ((رجلٍ تحمل حمالة، فحلت له المسألة)) بالجر والرفع، أي: جازت له بشرط أن يترك الإلحاح والتغليظ في الخطاب: ((حتى يصيبها)) أي: يصيب بقدر الحمالة، ويأخذه من الصدقة، قال ابن الأثير: يقال: أصاب الإنسان من المال وغيره، أي: أخذ وتناول.

((ثم يُمسك)) يعني: عن السؤال إذا أخذ من الصدقات ما يؤدي ذلك الدَّين أو تلك الغرامة التي غرمها، ولا يجوز له أن يأخذ شيئًا آخرَ منها، فعندما يتحمل الإنسان حمالةً، لا يأخذ من الصدقات إلا بقدر هذه الحمالة، وبقدر هذا الدَين الذي تكلفه.

قوله صلى الله عليه وسلم: ((ورجل أصابته)) بيان لصِنف آخر من الناس الذين تحل لهم المسألة: ((ورجل أصابته)) الواو حرف عطف يجمع المتعاطفين تحت حكم واحد، أصابته: أي: نالته وحلت به: ((جائحة)) وهي الآفة التي تهلك الثمار والأموال وتستأصلها، وكل مصيبة عظيمة تُعتبر جائحة، والجمع: جوائح، وجَاحَهُم يَجُوحهم جوحًا: إذا غَشِيَهم بالجوائج، وأهلكهم.

((اجتاحت مالَه)) أي: استأصلت ماله وأهلكته كالغرق والحرق وفساد الزرع.

قوله صلى الله عليه وسلم: ((حتى يصيب قِوامًا من عيش، أو قال: سِدادًا من عيش)) قوامًا بكسر القاف أي: إلى أن يدرك ما تقوم به حاجته الضرورية، وقِوام الشيء: عماده الذي يقوم به، يقال: فلان قوام أهل بيته، وقوام الأمر مُلَّاكه، والسِداد بكسر السين، قال النووي: وهما بمعنًى واحد، وهو ما يغني عن الشيء، وما تُسد به الحاجة، وكل شيء سددت به شيئًا فهو سِداد بالكسر، ومنه: سِداد الثغر والقارورة، وأما السداد بالفتح، فقال الأزهري: هو الإصابة في النطق والتدبير والرأي: ((ومن عيش)) أي: من معيشة من قوت ولباس، والعيش: الحياة، وفيه مبالغة في طلب الكف عن المسألة؛ لتضمنه تشبيه المسألة بأكل الميتة التي لا يحل أكلها إلا للمضطر الذي لا يجد ما يسد به رمقه.

قوله صلى الله عليه وسلم: ((ورجل أصابته فاقة)) أي: حاجة شديدة اشتُهر بها بين قومه، والفاقة: الفقر والحاجة، يقال: افتاق الرجل أي: افتقر: ((حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه)) وفي رواية: ((حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه)) على رءوس الأشهاد، وفي رواية النسائي: ((حتى يشهد ثلاثة)) قال السِّندي: وليس المراد حقيقة الشهادة، بل الظهور، والمقصود بالذات: أنه أصابته فاقةٌ بالتحديد.

وقوله: ((ثلاثة من ذوي الحِجى)) أي: من أصحاب العقل، والحجى مقصور أي: العقل، وإنما جعل العقل معتبرًا؛ لأن من لا عقلَ له لا تحصل الثقة بقوله، وفيه التنبيه على أنه يشترط في الشاهد التيقظ، فلا تقبل من غافل، وقوله: ((من قومه)) لأنهم أهل الخبرة بباطنه، والمال مما يَخفى في العادة، فلا يعلمه إلا من كان خبيرًا بصاحبه، والقوم في الأصل مصدر قام فوُصف به، ثم غلب على الرجال دون النساء؛ لذلك قابلهن به، وسموا بذلك؛ لأنهم قوَّامون على النساء بالأمور التي ليس للنساء أن يقمن بها، والقوم لا واحد لهم من لفظه، وهو الرجال دون النساء، قال تعالى: {لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ} [الحجرات: 11] ثم قال: {وَلاَ نِسَآءٌ مّن نّسَآءٍ عَسَىَ أَن يَكُنّ خَيْراً مّنْهُنّ} وربما دخل النساء فيه على سبيل التبع؛ لأن قومَ كلِّ نبي رجال ونساء، وجمع القوم: أقوام، وجمع الجمع: أقاوم وأقائم، والقوم يذكر ويؤنث؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت للآدميين، تذكر وتؤنث مثل: الرهط والنفر، قال تعالى: {وَكَذّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقّ} [الأنعام: 66] وقال سبحانه: {كَذّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 105].

قوله صلى الله عليه وسلم: ((لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلت له المسألة)) أي: بسبب هذه القرائن الدالة على صدقه صارت الزكاة حلالًا له، قال الطيبي: وهو أبلغ في الكف عن المسألة، من تشبيه السائل بالمضطر حيث وضع فيه: “يقوم” مقام: “يقول” لأن قوله: ((لقد أصابت فلانًا فاقة)) مقول للقوم، فلا يناسب أن يقال: “يقوم لقد أصابت فلانًا فاقة” لكن لاهتمام الشأن وقع: “يقوم” مقام: “يقول” جاعلًا المقول حالًا، أي: يقوم ثلاثة قائلين هذا القول، ولمزيد الاهتمام أبرزه في معرض القسم، وقيَّدهم بذوي العقول؛ حتى لا يشهدوا عن تخمين، وجعلهم من قومه، لأنهم أعلم بحاله.

قوله صلى الله عليه وسلم: ((فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت، يأكلها صاحبها سحتًا)) قال النووي: هو في جميع النسخ: ((سحتًا))

ورواية النسائي: ((سحتٌ)) بالرفع وهو واضح، ورواية مسلم بلفظ : ((فما سواهن من المسألة سحتًا)) وهي صحيحة أيضًا، وفيه إضمار أي: أَعْتقده سحتًا، أو يُؤكل سحتًا، والسُّحْت: بضم السين وسكون الحاء، وروي بضمها: وهو الحرام، وسمي سحتًا؛ لأنه يسحت أي: يمحق، يقال: أسحتَ في تجارته: إذا اكتسب السحت، وأسحته أيضًا: إذا استأصله، وقُرئ قوله تعالى: {فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ} [طه: 61] بضم الياء، قال ابن الأثير: والسحت: هو الحرام الذي لا يحل كسبه؛ لأنه يَسحت البركةَ أي: يذهبها.

وقوله: ((يأكلها صاحبها سحتًا)) أي: يأكل ما يحصل له من الصدقة بالمسألة سحتًا، وجملة: ((يأكلها صاحبها سحتًا)) صفةٌ لسحت الأولى، والضمير الراجع إلى الموصوف مؤنث بتأويل الصدقة، أي: أنه جعل السحتَ عبارة عنها، وفائدة الصفة أن آكل  السحت لن يجد له شبهة يبيحه بها، وإلا فالضمير في: ((يأكلها)) للسحت، وقوله: ((صاحبها سحتًا)) نصب: ((سحتًا)) على التميز أو بدل من الضمير في: ((يأكلها)) أو هو حال، وتأنيث الضمير بمعنى: الصدقة أو المسألة.

قال الشوكاني: وهذا الحديث مخصصٌ بما في حديث سمرة، من جواز سؤال الرجل للسلطان، وفي الأمر الذي لا بد منه، فيزادون على الثلاثة، ويكون الجميع خمسة.

عن سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه، فمَن شاء أبقى على وجهه، ومن شاء ترك، إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان، أو يسأل في أمر لا يجد منه بدًّا)) فقد أباح هذا الحديث المسألة في كلِّ أمرٍ لا بد من المسألة فيه، فدخل في ذلك ما أبيحت فيه المسألة في حديث قبيصة، وزاد هذا الحديث عليه ما سوى ذلك من الأمور التي لا بد منها، وفي ذلك إباحة المسألة بالحاجة خاصة لا بالزمان.

ما يستفاد من الأحاديث الواردة في باب الغارمين:

قال الخطابي: في هذا الحديث عِلم كثير، وفوائد جمة، وذلك أنه جعل من تحل له المسألة من الناس أقسامًا ثلاثة، غنيًّا وفقيرين، وجعل الفقر على ضربين، ظاهر وباطن، فالغني الذي تحل له المسألة هو صاحب الحمالة، وهي الكفالة، والحميل الكفيل والضمين، قال المازري: أما الحميل ها هنا فيكون على أنه تحمل حمالة جائزة، قال الخطابي: فيُعان على أداء ما تحمله، ويُعطى من الصدقة قدر ما تَبرأ به ذمته، ويخرج به من عهدة ما ضمنه.

وقال أبو جعفر الطحاوي: أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث لذي الحاجة أن يسأل لحاجته حتى يصيب قوامًا من عيش، فدل ذلك على أن الصدقة لا تحرم على الصحيح للمحتاج إذا أراد بها المتصدق سد فقره، وإنما تحرم عليه إذا كان يريد بها غير ذلك من التكثر ونحوه، ومن يريد بها ذلك، فهو ممن يطلبها لغير المعانِ الثلاثة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث قبيصة بن مخارق الذي ذكرناه، فهو عليه سحت.

ويرى الخطابي: أن من ثبت له على مدين حق، فحكم له به، فطلب المحكوم له بالدين أداءه إليه، فإن أدَّاه فبها ونعمت، وإن لم يفعل المدين، كان للقاضي حبسه حتى يؤديه، فإن ادعى المدين الإفلاس والعسر، فإن الواجب حينئذٍ أن ينظر، فإن كان الطالب إنما استحقه عليه بسببٍ فيه تمليك مثل أن يقرضه مالًا، أو يبيعه متاعًا، فيقبضه إياه، فإنه يحبس ولا يقبل قوله في العدم؛ لأنه قد ثبت له مِلك ما صار إليه، وحصل في يده من ذلك، فالظاهر في حاله الوجد واليسار حتى تقوم دلالة على إفلاس حدث بعده، فإن أقام البينة على ذلك، لم يحبس وخلي سبيله، وإن كان ذلك مستحقًّا عليه بجناية بإتلاف مال أو دية جراحة أو ضمان أو ما أشبه ذلك مما لم يتقدم فيه تمليك ولا إقباض، فإنه لا يحبس له، وينظر فإن كان له ملك ظاهر انتزع له منه أو بيع عليه، وإلا انظر إلى ميسرة، والأصل في الناس العدم والفقر.

6. باب: الصرف في سبيل الله، وابن السبيل:

باب: “الصرف في سبيل الله وابن السبيلعن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله، أو ابن السبيل، أو جار فقير يُتصدق عليه، فيهدي لك أو يدعوك)) رواه أبو داود، وفي لفظ: ((لا تحل الصدقة إلا لخمسة، لعامل عليها، أو رجل اشتراه بماله، أو غارم، أو غازٍِ في سبيل الله، أو مسكين تُصدق عليه بها فأهدَى منها لغني)) رواه أبو داود وابن ماجه، والحديث أخرجه أيضًا أحمد، ومالك في (الموطأ) والبزار، وعبد بن حميد، وأبو يعلى في مسند، والبيهقي، والحاكم وصححه، وقد أعل بالإرسال؛ لأنه رواه بعضهم عن عطاء بن يسار، عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن رواه الأكثر عنه عن أبي سعيد، والرفع زيادة يتعين الأخذ بها.

قوله: ((لغني)) الغني: هو ضد الفقير والمسكين، وقوله: ((إلا في سبيل الله)) أي: للغازي في سبيل الله، يعني: المجاهد، وقوله: ((أو ابن السبيل)) قال المفسرون في معناها: هو المسافر المنقطع، يأخذ من الصدقة وإن كان غنيًّا في بلده، وقال مجاهد: هو الذي قُطع عليه الطريق، وقال الشافعي: ابن السبيل المستحق للصدقة: هو الذي يريد السفر في غير معصية، فيعجز عن بلوغ مقصده إلا بمعونةٍ، فيجوز له أن يأخذ من الصدقة.

قوله: ((لعامل عليها)) قال ابن عباس: ويدخل في العامل الساعي، والكاتب، والقاسم، والحاشر الذي يجمع الأموال، ويدخل أيضًا حافظ المال والعريف وهو كالنقيب للقبيلة، وكلهم عمال على الصدقة، لكن أشهرهم الساعي، والباقي أعوان له، وظاهر هذا أنه يجوز الصرف من الزكاة إلى العامل عليها، سواء كان هاشميًّا أو غير هاشمي، ولكن هذا مخصص بحديث المطلب الذي ذكرناه سابقًا، فإنه يدل على تحريم الصدقة على العامل الهاشمي، وتكلمنا في هذا -وسيأتي إن شاء الله فيه بعض التفصيل- ويؤيده حديث أبي رافع في باب: “تحريم الصدقة على بني هاشم” فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجوز له أن يصحب مَن بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة؛ لكونه من موالي بني هاشم، وسيأتي مزيد لهذا الكلام.

قوله: ((أو رجل اشتراها بماله)) فيه أنه يجوز لغير دافع الزكاة شراؤها، ويجوز لآخذها بيعها ولا كراهةَ في ذلك، وفيه دليل على أن الزكاة والصدقة إذا ملكها الآخذ، تغيرت صفتها، وزال عنها اسم الزكاة، وتغيرت الأحكام المتعلقة بها.

قوله: ((أو غارم)) وهو من غرم لا لنفسه بل لغيره، كإصلاح ذات البين، بأن يخاف وقوع فتنة بين شخصين أو قبيلتين، فيستدين من يطلب صلاح الحال بينهما مالًا لتسكين الثائرة، فيجوز له أن يقضي ذلك من الزكاة وإن كان غنيًّا كما سبق في حديث قبيصة، فإنه تحمل الحمالة واستدان مالًا وجاء يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يساعده في هذه الحمالة.

قوله: ((فأهدى منها لغني)) فيه جواز إهداء الفقير الذي صُرفت إليه الزكاة بعضًا منها إلى الأغنياء؛ لأن صفة الزكاة قد زالت عنها، وفيها أيضًا دليل على جواز قبول هدية الفقير.

error: النص محمي !!