Top
Image Alt

الأصول الاجتماعية

  /  الأصول الاجتماعية

الأصول الاجتماعية

التوجيهات القرآنية المتكررة في أكثر من ثلث القرآن تقرن المظهر الشعائري للعبادة -الذي أهم تطبيقاته الصلاة- بالمظهر الاجتماعي الذي أهم تطبيقاته بذل المال والتوازن الاقتصادي وما يفرزه هذا التوازن من تزكية للأفراد وعلاقات للجماعات.

واعتبر الإسلام الفصل بين المظهر الديني أو الشعائري للعبادة وبين المظهر الاجتماعي تكذيبًا بالدين نفسه: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّين * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيم * وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِين * فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّين * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُون * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُون * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُون} [الماعون: 1- 7]، والدع: هو القهر والتسلط، واليتيم لا يقتصر معناه على الصغير الذي فقد أباه؛ وإنما هو الصغير والكبير الذي فقد النصرة والإنصاف؛

ولذلك تابعت السورة التنديد بالمصلين الذين يمارسون المظهر الشعائري للعبادة، ويسهون عن المظهر الاجتماعي المشار إليه في السورة باسم “الماعون”، والذي فسره الإمام علي بن أبي طالب بأنه: الزكاة المفروضة، ولذلك حرصت التربية الإسلامية على أن تقيم علاقة الإنسان بالإنسان على أنها علاقة عدل وإحسان، والعدل معناه: الإنصاف، أما الإحسان فمعناه: التفضل والزيادة في المعاملة الحسنة، والإطار العام الذي يحدد هذه العلاقة هو قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} [النحل: 90]، وهذه العلاقة هي التطبيق العملي للمظهر الاجتماعي لعلاقة العبودية، أي: علاقة الإنسان بالله.

التربية وعلاقة العدل  والإحسان:

يتضافر كل من: العدل والإحسان في تحقيق الشعار الذي ترفعه فلسفة التربية الإسلامية، شعار بقاء النوع البشري ورقيه؛ فالعدل الذي يعني الإنصاف والمعاملة بالمثل ثمرته بقاء النوع البشري، أما الإحسان الذي يعني التفضل والعطاء دون مقابل من الجزاء أو الشكر ثمرته رقي النوع البشري، وإلى مثل هذه الثمار الإيجابية كانت التوجيهات القرآنية عند أمثال قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين} [الأعراف: 199]، وقوله: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُون} [المؤمنون: 96]، وقوله: {وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم} [فصلت: 34].

وإدراك قيمة هذه العلاقة -علاقة العدل والإحسان- وتجسيدها في ميادين الحياة وأنماط السلوك وشبكة العلاقات الاجتماعية يحتاج إلى تلقٍّ تربوي طويل، يصاحبه صبر طويل وهو يحتاج أيضًا إلى الاستفادة والتسلح بالمعرفة والتربية الإلهية من شرور هذا النزغ، والاستمرار في طريق العدل والإحسان، قال {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} [الإسراء: 53].

ولا بد للتربية الإسلامية أن ترسخ علاقة العدل والإحسان في أصولها وأن تشيعها في أهدافها ومناهجها وتطبيقاتها في العلوم والفنون، والعادات والعلاقات والقيم، والنظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإدارية والعسكرية، وفي تطبيقات العلوم والتكنولوجيا؛ حتى تصبح هذه كلها نعمة للبشرية وأمانًا وتقدمًا ورقيًّا حقيقيًّا، لا سببًا في الشقاء والكوارث والخوف والطبقية والاستغلال.

خطورة غياب علاقة العدل والإحسان:

وغياب علاقة العدل والإحسان معناه -في نظر فلسفة التربية الإسلامية-: شيوع علاقة أخرى ضارة مدمرة، هي علاقة الظلم، ويقدم القرآن الكريم تفاصيل كثيرة لمظاهر الظلم وآثاره ونتائجه التي تبدأ بظلم الظالم لنفسه وتنتهي بظلم الإنسانية كلها.

أما الأحاديث التي تعالج علاقة الظلم فهي كثيرة من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم فيما روي عن الله -تبارك وتعالى- أنه قال: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا؛ فلا تظالموا». وقوله كذلك: «إن الله عز وجل ليملي للظالم؛ فإذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيد} »، [هود: 102].

وأن الدول التي يشيع فيها الظلم إلى جانب الإسلام تنهار قبل الدول التي يشيع فيها العدل إلى جانب الكفر.

أخطر مضاعفات الظلم الدنيوية خمسة أمور:

المظهر الأول لمضاعفات الظلم الاجتماعية: التسبب في موت العقل والإرادة عند الأفراد والأمم؛ فتفقد الرأي والعزيمة، تعجزعن تحمل المسئولية، وتعجز عن حمل الرسالات ومجابهة التحديات؛ ولذلك حين قال ذلك الجيل من بني إسرائيل لموسى: {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون} [المائدة: 24]؛ إنما كان يعكس مضاعفات الظلم الذي نزل به في المجتمع الفرعوني.

المظهر الثاني لمضاعفات الظلم الاجتماعية: هو التسبب في مرض انتفاخ الشخصية وتقلصها اللذين يسميهما القرآن بالطغيان والاستضعاف؛ ولهذا المرض مضاعفات عقلية ونفسية واجتماعية، أما مضاعفاته العقلية؛ فهو يفرز أفكار التطرف والجمود، وليست مفاهيم التطرف الخارجي والشيعي ومفاهيم التكفير والهجرة إلا بعض إفرازات علاقات الظلم التي شهدتها المجتمعات الإسلامية في الماضي والحاضر. ومثلها مفاهيم الجمود الفكري. فحين كانت المجتمعات الأوربية في العصور الوسطى ترسخ تحت  الاستبداد ضربها الجمود، وحين كررت وشاعت فيها روح الديمقراطية، تفتحت قدراتها العقلية، وقويت إرادتها، وأقامت الحضارة المعاصرة.

وأما المضاعفات النفسية للظلم؛ فهو يتسبب في عدم النضج الانفعالي مما يصيب بعدم التوازن النفسي؛ فهي من ناحية تعالج قضاياها بالحمية والبطر في أوقات القوة، وتقع فريسة واليأس والهلع في أوقات الأزمات، وهو ما نهى عنه القرآن الكريم عند أمثال قوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيط} [الأنفال: 47].

ومن المضاعفات النفسية للظلم أنه يشيع في خبراتهم وتراثهم سوء الظن، ويعتقدون أن وراء كل دعوة أو سلوك تآمر وفساد، مما يفسد العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع.

وأما عن المضاعفات الاجتماعية للظلم؛ فهو يفرز أنماطًا من البشر إذا كانوا في موقع القيادة وطغوا وإذا كانوا في موقع التبعية تصاغروا واستضعفوا وإذا تفشى مرض الطغيان والاستضعاف هذا في أمة تحدرت مضاعفاته في العادات والتقاليد واللغة والثقافة والقيم والعلاقات الاجتماعية، وأفرزت نماذج بشرية تبالغ في المداهنة إذا تكلمت، وتبالغ في العجرفة إذا تسلطت.

المظهر الثالث لمضاعفات الظلم الاجتماعية: في مرض فقدان المناعة الاجتماعية؛ حيث يستطيع أي متطفل في الأمة أن يتسلل إلى مركز القيادة؛ ليغتصب الحريات، ويهدر الكرامات، دون  خوف من مساءلة أو حذر من عقوبة.

المظهر الرابع لمضاعفات الظلم الاجتماعية: أنه يفسد الأخلاق الخاصة والعامة؛ ويحول دون حصول الأفراد والجماعات على حاجاتهم بالطرق الشرعية الأخلاقية؛ ولذلك يشيع بينهم التحايل والخداع والغش والرشاوى، واستغلال النفوذ… وغير ذلك من مظاهر الفساد الأخلاقي والاجتماعي.

المظهر الخامس لمضاعفات الظلم الاجتماعية: أنه يعرض الأمم للهيمنة الخارجية وفقدان الاستقلال؛ لأن الأمة التي لا إرادة لها ولا حرية في الداخل تعجز عن المحافظة على استقلالها أمام عدوان الخارج، وتسقط أمام جيوش الغزاة منذ المواجهة الأولى.

وذلك يقضي إلى تدمير الأمم وفنائها، ولقد تحدث القرآن الكريم في صور كثيرة عن نماذج من المجتمعات التي دمرها الظلم، من ذلك ما ورد في سورة هود؛ حيث جرى استعراض آثار الظلم في مجتمعات قوم نوح، وقوم هود، وقوم عاد، وقوم ثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وقوم شعيب، إلى أن أنهى الحديث بقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيد} [هود: 102].

error: النص محمي !!