Top
Image Alt

الأصول التشريعية

  /  الأصول التشريعية

الأصول التشريعية

الأصل الثالث من أصول التربية الإسلامية: الأصول التشريعية:

الشرع في القرآن الكريم هو: سن التعاليم الدينية، وبيان العقيدة التي يجب الإيمان بها، وعبادة الله على أساسها، وإصدار الأوامر والنواهي هي التي تحقق ذلك كله، وهو من خصائص الله تعالى، وكل من سمح لنفسه بالتشريع، أو أطاع غيره في غير ما شرع الله من أمور الدين فقد أشرك مع الله آلهًا آخر.

وفي هذا المعنى يقول الله تعالى في حق من اتخذ مشرِّعًا له من دون الله: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} [التوبة: 31] وروى الإمام أحمد عن عدي بن حاتم، أنه دخل على رسول الله وهو يقرأ هذه الآية؛ قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم، فقال صلى الله عليه وسلم: «بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم».

أثر الشريعة في تربية الفكر: الشريعة الإسلامية أصلً عظيم من أصول التربية الإسلامية؛ فهي بيان للعقيدة، وتنظيم الحياة، والعلاقات الإنسانية:

1. الشريعة أساس فكري يشمل كل ما رأينا من التصورات الفكرية عن الكون والحياة، والإنسان:

أنها تشمل نظرة الإسلام إلى الإنسان وإلى الكون والوجود، وعلاقة المسلم بذلك. فهي بهذا ترسم له صورة منطقية متكاملة، ليتصور علاقته بالكون وليعرف وظيفته وهدفه.

2. الشريعة تقدم للمسلم قواعد ونظم سلوكية:

تجعل حياته مثالًا للدقة والنظام والأمانة والخلق الرفيع، والتفكير في كل ما يعمل أو يريد عمله قبل الإقدام عليه، وعادة عظيمة أن يفكر دائمًا قبل أن يعمل.

3.الشريعة تربي الإنسان على التفكير المنطقي عن طريق استنباط الأحكام:

أن الشريعة الإسلامية جاءت أحكامها عامة شاملة لا تقتصر على موقف فردي أو حالة جزئية.

ولذلك قال الفقهاء وعلماء الأصول: “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب” ومن ذلك كانت مرونة الشريعة الإسلامية وحيويتها.

ومن هذه المرونة نشأة مرونة عقل المسلم، وقدرته على والاستدلال؛ فمنذ الصغر يحفظ آيات القرآن، وأحاديث الرسول “صلى الله عليه وسلم” ويفهمها ويطبقها، فإن كانت الآية أو الحديث قاعدة عامة حصل القياس أو الاستنتاج دون عناء.

لو قرأ الطفل مثلًا قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185] وفهم معناها لربط نفسه بمصير كل النفوس، وهذا هو القياس.

4. الشريعة تخرج شعبًا متحضرًا حضارة راقية:

وفهم الشريعة الإسلامية يحتاج إلى معرفة علوم شتى كعلم التاريخ والجغرافيا “وعلم الفرائض” الحساب، وغيرها من العلوم.

وقد حض القرآن على التفقه في الدين، وتعلم الشريعة؛ فقال تعالى: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون} [التوبة: 122].

الخصائص الفكرية للشريعة الإسلامية، وأهم نتائجها في تربية عقل المسلم:

هذه بعض الخصائص الفكرية للشريعة الإسلامية وهذه أهم نتائجها في تربية عقل المسلم.

1. على الشمول: فهو كما علمه القرآن ينظر إلى حياته نظرة كلية عامة  متعلقة بتصوره لهذا الكون الشامل.

2. وعلى الوعي الفكري: لكل ما يعمل أو يقول أو يريد أو يكتب.

3. وعلى التفكير المنطقي: والقدرة على المحاكمة والاستنتاج والاستقراء، كما علمه القرآن.

4.وعلى الرغبة في التعلم: والوصول إلى الحقائق العلمية، مما يؤدي إلى مجتمع ذي حضارة فكرية، ونظم تعليمة وتربوية لم توجد عند غيره.

أثر الشريعة في تربية الخلق: والشريعة الإسلامية لها جانب تربوي يتضح في أسلوبها، حين تعرض عن طريق الترغيب والترهيب، الحض على التقوى ومخافة الله، ولذلك نجد كثيرًا من الأحكام يعللها القرآن تارة في: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} [البقرة: 21] وتارة بالتطهير والتزكية: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة: 103].

وللشريعة جانب تطبيقي يتجلى في الأمر والنهي، والتحريم والتحليل، والإباحة والحظر، والحدود والعقوبات والقصاص، والإرشاد إلى أساليب تعاملية معينة في البيع والزواج، وسائر العقود، وكثير من أمور الحياة.

1. الشريعة ضابط خلقي للفرد:

يحاكم المرء نفسه إليه، عندما يقف أمام أمور مشتبهات؛ كبعض أساليب البيع والشراء،

فتبين له حدود المحرمات في البيوع؛ فلا يتقترب منها، وكان المجتمع الإسلامي يشترط حدًّا أدنى من معرفة أحكام الشرع؛ فلا يدخل السوق مثلًا من لم يعرف الحلال والحرام من البيوع.

2. الشريعة ضابط اجتماعي:

وعندما يكثر تتداول أحكام الشريعة على المستوى الاجتماعي تصبح بعض هذه الأحكام أعرافًا وقد رد الإسلام هذه الفطرة الاجتماعية؛ فنظم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وحض على ذلك، وجعل تركه من علامات انهيار المجتمع، قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُون * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُون} [المائدة: 78- 79 ].

وعن أبي بكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه، أوشك أن يعمهم الله بعقابه».

3. الشريعة ضابط سياسي:

عندما تتولى السلطة تنفيذ أوامر الشريعة؛ تصبح تعاليم الشريعة سلوكًا سياسيًّا تسلكه الدولة مع جميع رعاياها؛ فتقطع يد السارق، وترجم الزاني، وتمنع الخمر والتبرج والخلاعة، والظلم والبغي بغير الحق، وترفع راية الإسلام، وتوجه وسائل الإعلام توجيهًا إسلاميًّا.

ويتربى الناشئ في هذا الجو على المعاني الإسلامية، يستقيها من منزله ومدرسته. وهكذا نرى أن الشريعة الإسلامية تربي الناس بثلاثة أساليب:

أ. أسلوب تربوي نفسي ينبع من داخل النفس: ضابطه الخوف من الله ومحبته، وتطبيق اتقاءً لغضبه وعذابه، ورغبة في ثوابه.

ب. التناصح الاجتماعي والتواصي بالحق والتواصي بالصبر: فالمجتمع الغيور على شريعة الله وعلى حرماته، لا يدع منكرًا ولا يقر على ترك أصل من أصول الإسلام؛ كالصلاة والزكاة والصوم والجهاد، بل يأمر المقصر، ويأخذ بيده ليعينه على نفسه، أو على تربية أولاده.

ج. وازع السلطة التنفيذية: أي الدولة المسلمة التي تنفذ أحكام الشريعة؛ فيستتب الأمن، وينعم الناس بعدل الشريعة، فيتحقق للإنسان السعادة في الدارين.

الضروريات الخمس وأثرها التربوي:

لقد أمرنا الله تعالى بالحافظ على أمور خمسة سماها في التشريع “الضروريات الخمس” وهي:

حفظ الدين – حفظ النفس – حفظ المال – حفظ العرض- حفظ العقل:

1. حفظ الدين: فالله تعالى أراد أن يسود الإسلام، ولا يحق لمسلم أن يعيش ذليلًا تحت إمرة دين آخر.

وحول هذه المعاني وردت آيات عديدة نذكر منها قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون} [التوبة: 33] .

2. المحافظة على النفس: حرم الله قتل النفس بغير حق، وأنزل أشد العقوبة بمرتكب ذلك، قال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: 33] وقال: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 93].

وحرم الله الانتحار: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29] .

3. المحافظة على المال: المال وديعة في أيدي العباد، قال تعالى: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33].

استودعهم الله إياها؛ ليؤدوا زكاتها، وليثمروها بالطرق المشروعة دون ظلم، ولئلَّا يسرفوا فيها، ولا ينفقوها في المفاسد الخلقية، قال سبحانه محرمًا أكل الأموال بالتزوير والاحتيال كالرشوة ونحوها: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون} [البقرة: 188].

وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} [النساء: 29].

4. المحافظة على العقل: أشاد القرآن بذوي العقل المفكر فقال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى} [طه: 54] وقد كرر ذلك، أو ما يشبهه في العديد من الآيات، كلما ذكر آية من آيات قدرته، وتدبيره وإبداعه {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون} [الرعد: 4] ومواضع أخرى من القرآن كثيرة: {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون} [يونس: 24] وغيرها.

وقد نهى الإسلام عن الخمر لما فيها من الأضرار وأشار إشارة صحيحة إلى ضررها العقلي، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43] وفي هذا إشارة إلى أن الخمر تؤدي إلى اختلاط عند الإنسان، وأنه حرمها لهذا السب.

5. المحافظة على العرض والنسل والأنساب: من عظمة الإسلام التربوية، أنه حمى الطفولة وأحاطها بحصن اجتماعي متين، حين جعل علاقة الأبوين على درجة من المتانة، لا يتطرق إليها أي خلل أو شك وجعل ميثاق الزوجية ميثاقًا متينًا عظيمًا؛ فقال عز من قائل: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء:21] فقد حمى علاقة الزوجية من أية خيانة أو إهانة تصدر عن أي من الزوجين، وجعل عقوبة الموت رجمًا بالحجارة لكل زوج تثبت عليه خيانة صريحة.

كما شرع الله أحكاما تحفظ المرأة من الابتذال، وترفع مكانتها من أن يجعلها الفساخُ أو مرضى القلوب مضغةً في أفواههم؛ ووضع حدودًا وعقوبات لذلك كله، حتى لا يقترب أحد من ذلك السياج الزوجي بسوء.

نتج عن ذلك أن حفظت الأنساب وعرف الناس بآبائهم وقبائلهم، وتعارفوا بالنسب أو المصاهرة، وحفظ النسل من الضياع.

error: النص محمي !!