Top
Image Alt

الأصول التعبدية أو العبادية

  /  الأصول التعبدية أو العبادية

الأصول التعبدية أو العبادية

أولًا: معنى العبودية: والعبادة تعني لغويًّا: كمال الطاعة بكمال المحبة، أما اصطلاحًا فهي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال والأفكار والمشاعر والعواطف في حياة الأفراد والجماعات.

والعبادة لها مظاهرٌ ثلاث: مظهر شعائري، ومظهر اجتماعي، ومظهر كوني.

أما المظهر الشعائري: فهو يتمثل في شعائر وممارسات ترمز إلى أشكال الحب والطاعة التي يعبد بها الإنسان ربه،

وأما المظهر الاجتماعي فموضوعه الثقافة والقيم والعادات والتقاليد والنظم.

ويتفرع عن ذلك دراسة الاجتماع البشري، وتعاقب الحضارات، وتنوع الأحوال والأحداث، واكتشاف قوانينها وعلاقاتها، والنتائج التي تترتب عليها؛ لأن ذلك كله يرشد إلى معرفة أفعال الله في المجتمع البشري، وأما المظهر الكوني للعبادة: فموضوعه العلوم الطبيعية، التي توفر للعالم المسلم دخول مختبر الآفاق، وإبراز معجزات العصر وبراهينه، وتقنع المتعلم بوجوب محبة الخالق وطاعته.

ولا بد أن تتكامل هذه المظاهر: فتؤكد فلسفة التربية الإسلامية، على وجوب تكامل المظاهر الثلاثة للعبادة ووحدتها؛ لإسهام كل مظهر في تحقيق هدف معين، والمحصلة النهائية لعمل المظاهر الثلاثة، هي اليقين في النفوس، والاستقامة في السلوك والعلاقات.

الأصول العبادية، أهمية العبادة:

فالعبادة مهمة للإنسان؛ لأنها العلة الرئيسة للخلق والإيجاد، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون} [الذاريات: 56] وبالعبودية طولبت جميع الأمم: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ} [النحل: 36] وبالعبودية جاءت جميع الرسل: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون} [الأنبياء: 25] فقد جاء بها نوح عليه السلام: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ} [الأعراف: 59].

وجاء بها موسى عليه السلام: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ} [البقرة: 83] وجاء بها المسيح عليه السلام: {وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [المائدة: 72] وبها توجه محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة: 21].

وبسببها شرعت الهجرة وترك الأوطان والديار {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُون} [العنكبوت: 56]

الآثار التربوية للعبادة:

من رحمة الله بعباده: أن جعل أعماله الصالحة مربية لهم في طريق الهدى والرشاد، معززة لسلوكهم الطيب الذي يتفق ومبادئ الإسلام، وحقلها واسع في الإسلام.

ولن نتحدث عن الأعمال الصالحة في عمومها، ولكن نقصر الأمر على العبادات المفروضة وهي نظام متكامل لتربية الإنسان، وتنمية مختلف قواه، وهي على الترتيب:

أولًا: الصلاة:

الصلاة عماد الدين وإقامتها من خصائص المسلم، وتركها عمدًا من خصائص الكافر، كما نبه الرسول صلى الله عليه وسلم: «بين الرجل -أي: المسلم- وبين الكفر -ترك الصلاة» والصلاة هي أول ما أوجبها الله تعالى من العبادات، وقد أوجبها الله ليلة المعراج على رسوله صلى الله عليه وسلم بلا واسطة.

قال أنس رضي الله عنه: «فرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به خمسين، ثم نقصت حتى جعلت خمسًا، ثم نودي يا محمد، إنه لا يبدل القول لدي، وأن لك بهذه الخمس خمسين».

والصلاة هي أول ما يحاسب العبد عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة؛ فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله».

والصلاة هي العبادة الوحيدة التي تتوالى يوميًّا خمس مرات في مواعيد ثابتة، يُقبل فيها المسلم على ربه بكل كيانه، روحيًّا ونفسيًّا وجسميًّا؛ فتطهر نفسه مما علق بها من شوائب الدنيا وضعف الإنسان؛ فتسمو النفس بالصلوات المربية للشخصية المسلمة، ومن الآثار التربوية للصلاة ما يلي:

  • إذا أدى المسلم الصلاة بخشوع وإخلاص، حسنت علاقته بالناس جميعًا، وبخاصة الضعفاء ومن لا سند لهم من جاه أو مال، وهذه بشرى بقبول الصلاة، وفي الحديث القدسي: «إنما أتقبل -أو أقبل- الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي، ولم يستطل بها على خلقي، ولم يبت مصرًّا على معصيتي، وقطع النهار في ذكري، ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة والمصاب، ذلك نوره كنور الشمس أكلؤه بعزتي، وأستحفظه ملائكتي، أجعل له في الظلمة نورًا، وفي الجهالة حلمًا، ومثله في خلقي كمثل الفردوس في الجنة».
  • تنأى الصلاة كما يريدها الله عز وجل بالمسلم عن المعاصي والفواحش؛ فلا يكذب المسلم المصلي، ولا يزني، ولا يسرق، ولا يخون الأمانات؛ فمن استحل حرمات الله لا يمكن أن تكون صلاته صلاة مؤمن بل صلاة منافق؛ لأن الله وصف الصلاة بأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت: 45].
  • تحفظ الصلاة طاقة الإنسان الحيوية؛ فلا يبددها في الملاهي الصارفة له عن العبادة.
  • ترتبط الصلاة بالطهارة جسميًّا وروحيًّا، فمع نظافة الأعضاء استعدادًا للصلاة؛ ينظف المسلم نفسه من الأوهام والآثام ونزغات الشيطان؛ فيقبل على ربه خاليًا مما سواه، فتصفو روحه، فإذا ما أقبل بعد صلاته على الحياة من حوله أقبل آمنًا قويًّا، وقد تزود بخير الزاد.
  • تحقق صلاة الجماعة للمسلم الارتباط الدائم بالجماعة المسلمة؛ فيتعاطف مع إخوانه، ويساعدهم وينتمي إليهم؛ فيشعر بالأمان والاطمئنان،

ثانيًا: الزكاة:

الزكاة هي ما يخرجه الإنسان من حق الله تعالى إلى الفقراء، وهي نماء وطهارة وبركة قال عز وجل: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة: 103] أي: تطهرهم بها من دنس البخل، والطمع، والقسوة على الفقراء، وتزكي أنفسهم بها أي: تنميها بالخيرات والبركات.

والزكاة أحد أركان الإسلام الخمسة، قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ} [التوبة: 71].

وفي السنة روى الجماعة عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن قال: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم؛ فإن هم أطاعوا لذلك؛ فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب».

وللزكاة آثار تربوية منها:

  1. تحرر المسلمين من الأنانية والشح، وتقيم التكافل الاجتماعي.
  2. تربي المسلمين على مراعاة مشاعر الآخرين واحترامهم، وعدم التعالي عليهم؛ لأنها حق معلوم في مال الله الذي استخلفهم فيه: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُوم * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم} [المعارج: 24] {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: 7] فللفقير كرامة يجب أن تراعى والمزكي ليس متفضلًا عليه، وإنما يؤدي إليه حقه.
  3. تربي المسلم على الإسهام في إصلاح مجتمعه طاعة لله، وحرصًا على الجماعة المسلمة التي ينتمي إليها.
  4. تربي المسلم على أن يوازن بين نفسه والآخرين.

ثالثًا: الصوم:

الصوم هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، وهو واجب يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} [البقرة: 183]

وفي السنة الشريفة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان».

وللصوم آثار تربوية منها:

  1. يربي المسلم على ضبط احتياجاته الجسمية، والتحكم في شهواته.
  2. يربي المسلم على الاتصاف بفضائل إنسانية كبرى؛ كالصبر وقوة التحمل والإحساس بآلام الآخرين، وكظم الغيظ وكبح جماح النفس.
  3. يربي في النفس تقوى الله، والتحرر من سلطان العادة.

يرتبط بالصوم الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان وفيه خلوة للعابد مع ربه، يستغفره على ما فرط في جنبه، وهي ضرورية للمراجعة والمحاسبة.

رابعًَا: الحج:

الحج أحد أركان الإسلام الخمسة، وهو فرض من الفرائض التي عُلمت من الدين بالضرورة، {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97] ومن السنة الحديث السابق المشهور: «بني الإسلام على خمس…» ومنها الحج.

وللحج آثار تربوية منها:

  1. يجرد المسلم من علائق الدنيا؛ كما جرده من ملابسه وألبسه ملابس الإحرام فهو تربية روحية.
  2. يربي المسلمين على الارتباط العلمي برباط الأخوة الإسلامية، ونبذ روابط الجاهلية؛ فهو تربية اجتماعية هادفة.
  3. يحفظ الحج للجسم صحته، وللنفس سلامتها عن طريق النظافة والطهارة والمشي والهرولة، وإذا ارتبط ذلك بالدعاء والتلبية وقراءة القرآن، وأداء المناسك؛ فإنه يعتبر تربية صحية ونفسية وروحية.
error: النص محمي !!