Top
Image Alt

الأصول الفكرية

  /  الأصول الفكرية

الأصول الفكرية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا سيد الأولين والآخرين، ثم أما بعد:

فتتعدَّد أصولُ التربية الإسلامية إلى عدَّة مجالات، منها:

  • الأصول الفكريّة.
  • الأصول الاعتقاديّة.
  • الأصول التشريعيّة.
  • الأصول العباديّة أو التعبديّة.
  • الأصول الاجتماعيّة.
  • الأصول النفسيّة السلوكيّة.
  • الأصول الاقتصاديّة.

1. مقدمة عن أصول التربية الإسلامية:

التربية الإسلامية هي: تنمية فكر الإنسان وتنظيم سلوكه وعواطفه على أساس الدين الإسلامي، وبقصد تحقيق أهداف الإسلام في حياة الفرد والجماعة.

فهي على هذا: عملية تتعلق بتهيئة عقل الإنسان وفكره وتصوراته عن الكون والحياة، وعن دوره وعلاقته بها، وعلى أوجه الانتفاع بها وغن غايتها والهدف الذي يسعى إلى تحقيقه.

وقد قدم لنا العقائد التي يجب على الإنسان الإيمان بها لكي نغرس في نفسه عواطف تدفعه إلى السلوك التعبدي الذي يحقق الهدف الذي من أجله خلق الإنسان سواء كان هذا السلوك فرديا أم جماعيا فالجانب الاعتقادي من الدين يقدم لنا أساسا راسخا من العقيدة الثابتة والتصورات المترابطة والأهداف النيرة والحوافز الدافعة إلى السعي، الباعثة على التفاؤل والجد والجانب التشريعي هو الذي يرسم لنا خطة حياتنا، وسلوكنا بما يقدمه لنا من قواعد، وضوابط نقيم عليها هذا السلوك.

2- مميزات التصور الإسلامي عن الإنسان والكون والحياة:

يمتاز التصور الإسلامي عن الكون والحياة والعقيدة التي يجب أن يؤمن بها الإنسان بمميزات، أهمها:

  • وضوح الأفكار التي بني عليها نظام حياة المسلم، لأنها هي الضابط  لسلوكه وتصرفاته، والرقيب على أعماله .
  • منطقية المعتقدات وملاءمتها للفطرة .
  • عرض المعتقدات الإسلامية عرضًا مقنعًا؛ إذ يستنبطها القرآن من لفت الأنظار إلى الواقع المحسوس، للتأمل فيما حولنا وفي أنفسنا تأملًا يوصلنا إلى معرفة الله، وقدرته، ووحدانيته؛ وفقًا لطبيعتنا النفسية، وفطرتنا الدينية لو تساءل الإنسان لماذا اتخذ القرآن هذا الأسلوب الاستجوابي الحسي العاطفي، الذي يخاطب العقل والوجدان، عندما كرر ذكر آيات الله في الآفاق، وفي أنفسنا؟

لأجابنا القرآن بأنه لم يقصد مجرد المعرفة الثقافية، ولا قصد تدريب عقولنا على الحفظ والفهم بل أراد أن تتحول هذه المعرفة إلى حركة فكرية وعاطفية، ثم إلى قوة دافعة؛ لتحقيق مدلولها في عالم الواقع.

3. نظرة الإسلام إلى الإنسان:

ما زال الإنسان منذ وُجد على وجه الكرة الأرضية مأخوذًا بسوء الفَهم لنفسه، يميل إلى جانب الإفراط حينًا، فيرى أنه أكبر وأعظم كائن في العالم، وينادي بذلك وقد امتلأ أنانيةً وغطرسةً وكبرياءَ، كما نادى قوم عاد وقالوا: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} [فصلت: 15] وكما نادى فرعون في قومه: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38].

ويتحول إلى متأله يستهدف والبطش، والظلم، والشر، والطغيان، ويميل إلى جانب التفريط حينًا آخر؛ فيظن أنه أدنى كائن في العالم. فيطأطيء رأسه أمام كل شجر أو حجر، ولا يرى السلامة إلا في السجود لشيء من المخلوقات رأي فيه القدرة على نفعه أو ضره، كالسجود للشمس والقمر والنجوم.

وقد عرض الإسلام الإنسان على حقيقته وبيّن أصلَه، ومميزاتِه وما فُضِّل به، ومهمَّته في الحياة، وعلاقتَه بالكون، وقابليتَه للخير والشر:

أ. حقيقة الإنسان وأصل خلقه:

ترجع حقيقة الإنسان إلى أصلين: الأصل البعيد وهو: الخلقة الأولى من طين، حين سواه الله ونفخ فيه من روحه، والأصل الثاني القريب وهو: خلقه من نطفة.

ولإيضاح هذين الأصلين معًا قال تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِين * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّاء مَّهِين * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُون} [السجدة: 7 – 9].

 وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِين} [يس: 77] ليندد بغطرسة الإنسان، ويهذب كبرياءَه؛ فيجعله متواضعًا واقعيًّا في حياته.

ب. الإنسان مخلوقٌ مكرَّم:

لقد كرم الله تعالى الإنسان، وفضله على سائر مخلوقاته: فقال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا} [الإسراء: 70].

وقوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} [الحج: 65] فقد رزق الله الإنسان قدرة جعله بها يسيطر على ما حوله من الكائنات، وسخرها الله له؛ فمنعه من أن يذل نفسه لشيء منها، وهذه خطوة تربوية ربانية ينشئ بها القرآن الإنسان على الشعور بالكرامة وعزة النفس.

ج. الإنسان مميِّز مختار:

من تكريم الله للإنسان أن جعله قادرًا على التمييز بين الخير والشر، فألهم الله النفس الإنسانية فجورها وتقواها، وغرس في جبلتها الاستعداد للخير والشر، وجعل عند الإنسان إرادة يستطيع بها أن يختار بين الطرق المؤدية للخير والسعادة، أو الطرق الموصلة إلى الشقاء.

وبين له أن هدفه تزكية نفسه قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 7 – 10].

د. الإنسان وُهب القدرةَ على التعلم والمعرفة:

ومما كرم الله به الإنسان وفضله: أن وهبه القدرة على التعلم والمعرفة، وزوَّده بكل أدوات هذه القدرة؛ قال تعالى: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَم * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم} [العلق: 3 – 5].

وقال جل جلاله: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِين * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم} [البقرة: 31، 32].

أما أدوات القدرة على التعلم فمنها: السمع، والبصر، والفؤاد: {وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون} [النحل: 78] وهذه القوى الثلاث إذا تضافرت بعضها على بعض؛ نجمت عنها المعرفة والتي بها وحدها استطاع الإنسان بها أن يهزم سائر المخلوقات ويسخرها لإرادته.

ومن هذه الأدوات اللسان والقدرة على البيان، والقلم والقدرة على الكتابة، قال تعالى: {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْن * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْن} [البلد: 8، 9] وقال تعالى: {الرَّحْمَن * عَلَّمَ الْقُرْآن  * خَلَقَ الإِنسَان} [الرحمن: 1 – 4] وقال أيضًا: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُون} [القلم: 1]. ومن أهداف التفكير والتعلم عند الإنسان: أن يتفكر في خلق نفسه قال تعالى: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُون}    [الذاريات: 21]

ففي هذه الآيات وغيرها الكثير دليل على أن الله خلق السمع والبصر والفؤاد لنتفكر ونتأمل، ونلاحظ ما حولنا ثم نمحص ذلك بعقلنا وفؤادنا لنستخدم ما سخر الله لنا.

هـ. مسئولية الإنسان وجزاؤه:

لقد حمل الله الإنسان مسئولية عظيمة، ورتب عليها الجزاء الوفاق. حمله مسئولية تطبيق شريعة الله – تلك المسئولية التي أبت أن تحملها سائر المخلوقات وأشفقن منها.

قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب: 72، 73].

وكما جعل الله للإنسان حرية وإرادة، وقدرة على التمييز بين الخير والشر، كذلك جعله مجزيًّا يوم القيامة بما اختار من خير أو شر، قال تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه} [الزلزلة: 7، 8].

وكذلك جعل الله الإنسان مسئولًا عن سمعه وبصره وفؤاده وجميع جوارحه؛ فلا يجوز له أن يستعملها إلا في الخير؛ قال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا} [الإسراء: 36].

وهذا الشعور بالمسئولية يربي في نفس الإنسان الوعي واليقظة والاستقامة في كل سلوك الإنسان وشئونه، وكذلك قرر رسول الله صلى الله عليه وسلم مسئولية الإنسان عن ماله، وعن عمره، وعن شبابه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسئل عن أربع: عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه ماذا فعل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيما أبلاه؟».

و. المهمة العليا للإنسان عبادة الله:

إن المهمة العليا للإنسان، عبادة الله وتوحيده.

قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون} [الذاريات: 56] وقال سبحانه: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18].

4. نظرة الإسلام إلى الكون:

إن نظرة الإسلام للكون تعمل على تحريك عواطف الإنسان وشعوره بعظمة الله الخالق، وضرورة الخضوع له. إلى جانب البراهين القاطعة على وجود الله في الكون.

أ. فالكون كله مخلوق لله؛ خلقه لهدف وغاية، وما كان اللعب والعبث باعثًا على الخلق، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِين * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُون} [الدخان: 38، 39].

الآثار التربوية: ولهذه النظرة الإسلامية إلى الكون آثار تربوية منها:

ارتباط المسلم بخالق الكون، وبالهدف الأسمى من الحياة، وهو عبادة الله.

تربية الإنسان على الجدية؛ فالكون كله أقيم على أساس الحق، ووجد لهدف معين، وإلى أجل مسمى عند الله، وليس العبث واللهو من شأنه تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِين * لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِين} [الأنبياء: 16 ، 17].

وفي قوله تعالى: {وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُون * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيم * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيم * لاَ الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُون} [يس: 37 – 40].

وقوله تعالى: {وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُون * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِين * وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُوم} [الحجر: 19 – 21].

نجد مما تقدم أن القرآن ربّى عقل المسلم على مبدأين آخرين علميين، غير مبدأي السلبية والغائية والتفكير الجدي المنطقي، هما:

تكرار حوادث الكون حسب سنن سنها الله له، أن سنن هذا الكون وجميع حوادثه وظواهره، وكائناته، من أصغر ذرة إلى أكبر جرم، قد خلقها الله وسيرها، أو أنزلها بقدر معلوم لا يزيد ولا ينقص، وهذا هو المبدأ الثاني من مبادئ المنطق العلمي، إقامة الملاحظة العلمية على أساس القياس الكمي، لا على أساس الوصف الكيفي،

ب- الكون مسير ومدبر دائمًا بقدرة الله: فالله مسير للكون ومدبر له يمده بقوته، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [فاطر: 41].

{يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} [السجدة: 5].

والإنسان جزء صغير من هذا الكون، فلا جرم أنه خاضع في كل شئونه وحياته وموته لتقدير العزيز العليم، ولسنن سنها الله: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُون} [الأنعام: 61].

ج. رتب الله عز وجل سننًا اجتماعية لحياة الإنسان؛ فأرسل على أساسها الرسل، وعذب الأمم، وأهلك بعضها، قال تعالى:

{قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِين} [آل عمران: 137] وقد تأثر، ابن خلدون بهذه السنن الاجتماعية المذكورة في القرآن عندما وضع أساس علم الاجتماع في مقدمته المشهورة.

د. الكون كله قانت لله: كل ما في الكون خاضع لله ولتدبيره، ولأمره، ولإرادته، ولمشيئته؛ وقد بين الله ذلك في مواضع من كتابه العزيز: {وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُون * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُون} [البقرة: 116، 117].

الأثر التربوي: إذا كانت كل الكائنات تخضع لبارئها وتشهد بعظمته، فأجدر بالإنسان العاقل المفكر أن يعترف لربه بالنعمة والفضل، ويستشعر عظمته، ويسبح بحمده، ويقدس له؛ وهذا من أهم النتائج التربوية.

هـ. كثير مما في الكون الزاخر بالنعم مسخر للإنسان: لقد خلق الله الكون بما فيه من كائنات وقوى مسخر لخدمة الإنسان.

قال تعالى: {اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَار * وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَار * وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّار} [إبراهيم: 32 – 34].

وقال سبحانه: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء} [البقرة: 29].

وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون * وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُون * وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُون * أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُون * وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيم} [النحل: 14 – 18].

هذه الآيات، ترقق قلب الإنسان، وتدفعه إلى حمد الله وشكره، وتسبيحه، وتوحيده، وهي تربي العقل على مبدأ علمي عملي.

هذا من الناحية العلمية والاجتماعية والحضارية.

أما من الناحية التربوية؛ فالإنسان تحت راية التربية الإسلامية إنما يستخدم ما سخر الله له باسم الله، وبأمره، وفي حدود شريعته، والله تعالى لا يحب الفساد ولا يسمح بالظلم والعدوان، بل يدعو إلى العدالة بين الناس والتراحم والتعاون والتكافل، فإن كان كذلك صار سلوكه مثاليا.

5. نظرة الإسلام إلى الحياة:

تختلف التربية باختلاف نظرة المربين إلى الحياة، من تفاؤل إلى تشاؤم، إلى شعور بالمسئولية؛ لذلك لا بد من توضيح أهمية الحياة ودورها في الإسلام:

أ. مبدأ الحياة؛ وكيف جعلها الله دار اختبار وامتحان: ومنذ مبدأ الحياة البشرية الأول، ميز الله هذا الجنس عن الملائكة وسائر المخلوقات بميزتين:

الميزة الأولى: العلم والعقل، والإرادة والاختيار، والتمييز بين الخير والشر.

الميزة الثانية: أنه مخلوق من طين ثم من دم ولحم، وأنه تبعًا لذلك مجبول على الشهوات والدوافع الغريزية، وما يتفرع عنها من الجهل وسفك الدماء، والإفساد والخسران، والهلع والجزع والطمع، إنه كان ظلومًا جهولًا.

{وَالْعَصْر * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر} [العصر: 1 – 3]، {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30]، {إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا} [المعارج: 19، 20]، {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيد} [العاديات: 8].

{وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} [الفجر: 20] وفيه معنى غريزة الطمع وحب التملك، {وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28] وفيه معنى غريزة الانقياد، {وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولا} [الإسراء: 11] وفيه إشارة إلى التسرع وعدم الصبر، {وَكَانَ الإنسَانُ قَتُورًا} [الإسراء: 100]، {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [الأعلى: 16] وفيه إشارة إلى غريزة حب البقاء. وقد جمع الله للإنسان تلك الصفات الإنسانية المتكاملة وجعله قادرا على اختيار طريق الخير أو الشر، ولكي ندرك كمال التصور القرآني للنفس والكون والحياة.

نتأمل وصف القرآن للحياة؛ فنجد أن الإسلام قد جعل هذه الحياة الدنيا دار امتحان وابتلاء، يمر بها الإنسان ليصل إلى الآخرة؛ وهي حياة دائمة لا موت بعدها، فهنالك الحساب فإما نعيم أبدي، وإما عقاب وعذاب.

{يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِين} [الأعراف: 31].

{يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون * وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون} [الأعراف: 35، 36].

نتائج الامتحان: ثم يصف الله لنا نتيجة الخاسرين في هذا الامتحان، ونتيجة الرابحين المؤمنين الذين استجابوا لنداء ربهم؛ فأدخلهم جنات النعيم.

ب. وصف القرآن للحياة الدنيا: الدنيا متاع مؤقت يستمتع به الإنسان؛ وأن الآخرة هي دار البقاء وأن الدنيا هي دار الفناء: {أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُون} [البقرة: 86].

{إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُون * أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُون} [يونس: 7، 8].

{مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُون * أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُون} [هود: 15، 16].

{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآب} [آل عمران: 14].

{أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيل} [التوبة: 38].

ومن هذه الآيات نأخذ أهم صفات الحياة الدنيا وعلاقة الإنسان بها؛ فهي:

– الدنيا متاع مؤقت ومكان عبور ووسيلة إلى الآخرة، ولا يجوز اتخاذها غاية.

– الدنيا مملوءة بالزينة والزخرف والشهوات والملذات، وهذا من تمام الابتلاء والاختبار.

– الدنيا عالم له قوانينه الاجتماعية والبشرية، التي سنها الله بين الشعوب والأمم فمن سعى في الدنيا استوفى نتيجة سعيه في الدنيا، ومن سخر الدنيا لإرضاء الله؛ ربح في الدنيا والآخرة.

– الحياة الدنيا قصيرة الأمد، لا تعدو أن تكون ساعة أو يومًا من أيام الآخرة: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْمًا} [طه: 102 – 104].

– الحياة الدنيا دار تعب وكدح وجد {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيه} [الانشقاق: 6].

– المؤمنون ينصرهم الله في الدنيا والآخرة فليست الدنيا لظهور الكفر والفساد فقط: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَاد} [غافر: 51].

– الحياة الدنيا دار لعب ولهو وتفاخر وتكاثر {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ} [الحديد: 20]، {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُر * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِر} [التكاثر: 1، 2].

الآثار العملية والتربوية: وهكذا نجد أن هذه الصفات التي وصف الله بها الحياة بمجموعها، تدعو المسلم إلى أمور، وتربيه على عادات أهمها:

1. ألا يغتر بالحياة الدنيا، بل يحاسب نفسه، ويعمل فيها على أنها دار امتحان مؤقت،

2. ألا يحرم نفسه مع ذلك من خيراتها، مستهدفا من وراء كل متعة إرضاء الله.

3. أن يصبر على بلواء الحياة وبأسائها؛ لأنه عرف مسبقًا أنها دار كدح وابتلاء، فلا ييأس، ولا يتذمر بل يصبر ويستعد للجهاد.

error: النص محمي !!