Top
Image Alt

الأعشى وقافيَّته

  /  الأعشى وقافيَّته

الأعشى وقافيَّته

الأعشَى: هو ميمون بن قيس، وُلِدَ في قرية “منفوحة” من اليمامة في قومه بني قيس بن ثعلبة، وهم بطن من بطون بكر بن وائل بن ربيعة؛ ولُقِبَ بالأعشى لضعف بصره، ويكنى بأبي بصير؛ تفاؤلًا له بشفاء بصره، ويُلقب بصنَّاجة العرب؛ لأنه كان يُتغنى بشعره، وكان في شعره كثيرٌ من الموسيقى والنغم، وكان في أول عهده راوية لخاله المسيب بن علس، وعُرف عن الأعشى أنه انتقل وسافر كثيرًا.

وكان يذهب إلى الملوك وإلى الأمراء يمدحهم بشعره؛ فقد مدح الغساسنة والمناذرة، وكثيرًا من الأمراء والملوك؛ لينال عطاءهم، ويذكر الرواة أنه زار بلاد الفرس، وبلاد النبيط، ونجران، وبعضهم يذكر أنه سافر إلى الحبشة، وقد كانت هذه الرحلات والأسفار عاملًا مؤثرًا في شعره؛ إذ منها أفاد كثيرًا من الخبرات والثقافة، وفي شعره كلمات فارسية كثيرة.

وكان الأعشى شاعرَ الخمرة في عهده بلا منازع؛ لولوعه بها، وإبداعه في وصفها، ووصف مجالسها؛ كما وصف مجالس الغناء واللهو، وهو -مع ذلك شاعر- قبلي، يشير بانتصارات قبيلته ويسجل أمجادها، ويهجو أعداءها، وكان للأعشى تصرف في جميع أغراض الشعر؛ فهو يصف ويتغزل، ويمدح ويهجو.

واشتُهر الأعشى شهرة عظيمة في عصره، وكان لشعره أثرٌ كبيرٌ بدليل قصته المشهورة مع الْمُحَلَّق الكلابي، وتزويجه بناته الثماني بعد أن مدحه الأعشى، وصارت قصيدته التي مدحه بها في الناس.

ولما بُعِثَ الرسول محمد صلى الله عليه  وسلم كان الأعشى حيًّا يرزق، وأراد أن يذهب إليه ويمدحه ويعلن إسلامه، ولكن قريشًا حالت بينه وبين ذلك، ويقال: إن أبا سفيان بن حرب لَمَّا وجد الأعشى عازمًا على الذهاب إلى الرسول صلى الله عليه  وسلم قال له: إنه ينهاك عن خلال ويحرمها عليك، وكلها بك غافق ولك موافق، قال وما هن؟ قال أبو سفيان: الزنا، والقمار، والربا، والخمر؛ فعدَلَ عن وجهته، وأهدته قريش مائة من الإبل، فأخذها وانطلق إلى بلده معرضًا عن الرسول صلى الله عليه  وسلم ودعوته. فلما كان بقاع “منفوحة” رَمَى به بعيره فقتله، وكان موته في السنة السابعة من الهجرة النبوية الشريفة.

وعن توسع الأعشى في وصف الخمر ومجالسها، والفرق في ذلك بينه وبين معاصريه الجاهليين، يقول الدكتور “شوقي ضيف”: وحقًّا نجد عند الجاهليين تعرضًا كثيرًا للخمر، ولكنهم عادة يسوقونها مع الحديث عن فتوتهم وكرمهم وبذلهم، على نحو ما نرى في معلقة طرفة، أما عند الأعشى؛ فإننا نجدها في فاتحة كثير من قصائده تاليةً لبعض غزله، ونحس كأنها لذته من الدنيا؛ فهو يطيل الحديث عنها وعن تأثيرها في نفوس شاربيها، وكأنه يقدسها تقديسًا، فهي وثنه وصنمُه، ولذلك لم يكد يسمع من قريش -كما أسلفنا- أن الرسول صلى الله عليه  وسلم يحرمها حتى كَفَّ عن لقائه، وانصرف لساعته، وهو يجيد وصفها إجادةً لفتت القدماء إليه، فقالوا: إنه أشعر الجاهليين إذا طرِب -يقصدون: إذا شرب الخمر ووصفها- وهو وصف يفيض بالحيوية؛ إذ يجسم فيه بيئتها ومجالسها، وما ينشر فيها من الورود والرياحين، وما يقوم فيها من السقاة والمغنين والإماء الخليعات اللائي يلبسن الشفوف الرقيقة، وما يضرب عليه العازفون من آلات طرب؛ كالصنج، والعود… وغير ذلك.

والأعشى لا يصف مجالس الخمر فحسب؛ بل يصف وصفًا دقيقًا أوانيها وألوانها، وما تفعله بعقول شاربيها، وما تُحدث في قلوبهم من نشوة، مما يدل على أنه كان مشغوفًا بها مفتونًا؛ بل سكيرًا مغرقًا في السكر، وهو في ذلك يقترب من ذوق جماعة المُجَّان في العصر العباسي أمثال أبي نواس، وفي الوقت نفسه يفترق من ذوق معاصريه الذين لم يكونوا يسرفون على أنفسهم إسرافه في اللهو والمجون.

ويذهب الدكتور شوقي ضيف إلى: أن هذا جاءه من أثر الحضارات التي ألَمَّ بها في الحيرة وغير الحيرة، بحيث تحول مدمنًا لها، يلزم حوانيتها، فإن ولى وجهه نحو منازل قومه؛ حمَل منها ما يكفيه هو ورفاقُه هناك، فينهلون ويعلون ولا يفيقون، وهو في أثناء ذلك ينشدهم ما ينظمه فيها؛ وهم يصفقون استحسانًا لِمَا يقول.

كما يرجع الدكتور شوقي ضيف رقة الغزل التي نلاحظها عند الأعشى إلى تأثره بالحضارة أيضًا، فيقول: وهي صَبابة -يقصد رقة الغزل عنده- لا نعرفها عند الجاهليين؛ إنما نعرفها عند الأعشى صاحب الذوق الرقيق الذي أثرت فيه الحضارة، وحولته دقيقَ الحس دقةً شديدةً، فإذا هو يتذلل في حبه ويخضع.

كما يلاحظ: أن الأعشى عندما يشبب بصاحبته تختلف طريقته عن طريق الجاهليين في بكاء آثار الديار والأطلال، فهو لا يذهب بعيدًا مع الذكريات؛ لكنه يأخذ في وصف مفاتن محبوبته، فيصف بشرتها وشعرها وعوارضها، وتارةً يصف مِشيتها وحليها، وتارةً يصف تعلق الناس بطلعتها، وما تُغرق فيه من ترفٍ ونعيمٍ وعطورٍ.

والحقيقة: أن هذه المعاني كلها موجودة في شعر الأعشى، وقد صاغها بلغة رقيقة وبأسلوب يختلف في سهولته عن أسلوب الجاهليين.

والقصيدة خير تطبيق لِمَا قلناه، ومطلُعها:

أرقتُ وما هذا السُّهادُ المؤرِّقُ

*وما بيَ منْ سقمٍ وما بيَ معشقُ

وَلَكِنْ أرَاني لا أزَالُ بِحَادِثٍ

*أغادى بما لمْ يمسِ عندي وأطرقُ

فإنْ يمسِ عندي الشّيبُ والهمّ والعشى

*فَقَدْ بِنّ مِنّي وَالسِّلامُ تُفَلَّقُ

و”السِّلامُ” أي: الحجارة.

وهو بعد هذا المطلع ينتقل إلى الكلام عن العبرة من الأيام، وأن الموت يأتي على كل الناس، فذكر في شعره كسرى، وعادي، والملك النعمان بن المنذر، وذكر أنهم جميعًا على ما كان لهم من غِنًى ومجد وملك، لم يحل بينهم كل ذلك وبين الموت.

يقول الأعشى:

فما أنتَ إنْ دامتْ عليكَ بخالدٍ

*كمَا لمْ يُخَلَّدْ قَبْلُ سَاسَا وَمُورَقُ

“ساسا” أو “ساسان”: مؤسس دولة الساميين الفرس، ومورق: اسم لملِك من ملوك الروم.

وَكِسرَى شَاهِنشاهُ الذي سَارَ مُلكُهُ

*لَهُ ما اشتَهَى رَاحٌ عَتِيقٌ وَزَنْبَقُ

شاهنشاه: فارسية معناها: ملك الملوك، والراح: الخمر، والعتيق: الأصيل، والزنبق: نوع من الزهر.

ولا عاديا لم يمنع الموت ماله

*ورد بتيماء اليهودي أبلق

الأبلق: قصر لعادي هذا، يقول عنه:

بناه سليمان بن داود حقبة

*له أزَج عال وطي موثق

الأزج: البناء المستطيل، والطي: البناء بالحجارة.

يقول عن هذا القصر:

يُوَازِي كُبَيْدَاءَ السّمَاءِ وَدُونَهُ

*بلاطٌ وداراتٌ وكِلسٌ وخَندقُ

لهُ درمكٌ في رأسهِ ومشارب

*وَمِسْكٌ وَرَيْحَانٌ وَرَاحٌ تُصَفَّقُ

وحورٌ كأمثالِ الدُّمى ومناصفٌ

*وَقِدْرٌ وَطَبّاخٌ وَصَاعٌ وَدَيسَقُ

الديسق: الخُوان من الفضة، يقول -بعد أن عَدَّدَ كل هذا النعيم الذي كان في قصر الأبلق:

فذاكَ ولمْ يعجزْ منَ الموتِ ربَّهُ

*وَلَكِنْ أتَاهُ المَوْتُ لا يَتَأبّقُ

لا يهرب من الموت.

وَلا المَلِكُ النُّعْمَانُ يَوْمَ لَقِيتَهُ

*بِإمّتِهِ يُعْطِي القُطُوط وَيَأفِقُ

ويجبى إليهِ السّيلحونَ ودونها

*صَرِيفُونَ في أنْهَارِهَا وَالخَوَرْنَقُ

وَيَقْسِمُ أمْرَ النّاسِ يَوْمًا وَلَيْلَةً

*وَهُمْ سَاكِتُونَ وَالمَنِيّة ُ تَنطِقُ

ويأمرُ لليحمومِ كلَّ عشية

*بقتٍّ وتعليقٍ وقد كادَ يُسنقُ

يذكر النعمان بن المنذر وما كان له من ملك عظيم. وقوله: بإمته: أي بنعمته، ويعطي القطوط: أي: يعطي الحظوظ والأنصبة، ويأفق: أي: يعطي بعضًا أكثر من بعض، والسيلحون: مَوْضع بين القادسية والكوفة كان من أملاك النعمان، وصريفون: اسم لقريتين كبيرتين في العراق، والخورنق: قصر شيده النعمان بالحيرة، واليحموم: اسمُ فَرَس النعمان، والقَت: ما تعلف به الدواب، وقد كاد يسنق: أي: يتخم من كثرة ما يأكل، هذا الفرس.

يقول الأعشى:

فذاكَ وما أنجى منَ الموتِ ربَّه

*بساباطَ حتى ماتَ وهوَ محزرقُ

 يقول: إن كل ذلك لم ينجِّ النعمان من الموت، فقد مات في السجن -سجن ساباط- الذي سجنه فيه كسرى، وكلمة “محزرق” معناها: مُضيق عليه.

ثم انتقل الأعشى بعد ذلك إلى الحديث عن الفخر، وعن رفاقه الذين يسامرونه، وعن مجالس شربه ولهوه، فقال:

وَقَدْ أقْطَعُ اليَوْمَ الطّوِيلَ بفِتْيَة

*مَسَاميحَ تُسقى وَالخِباءُ مُرَوَّقُ

وَرَادِعَة ٍ بِالمِسْكِ صَفْرَاءَ عِنْدَنَا

*لجَسّ الندامَى في يَدِ الدّرْعِ مَفتَقُ

يصف الغانية التي تغني -أو التي تضرب على العود- في مجلس لهوه وشربه.

إِذا قُلتُ غَنّي الشَربَ قامَت بِمِزهَرٍ

*يَكادُ إِذا دارَت لَهُ الكَفُّ يَنطِقُ

ثم قال الأعشى مفاخرًا:

فما أنا عمّا تعلمونَ بجاهلٍ

*ولا بشباة جهلهُ يتدفّقُ

الشباة: الرجل السفيه.

وَمَا كُنتُ شاحِرْدا وَلكِنْ حَسِبتُني

*إذا مسحلٌ سدّى ليَ القولَ أنطقُ

يقول: ما كنت تلميذًا متعلمًا أو مبتدئًا في التعليم، فكلمة شاحِرْدا: كلمة فارسية، معناها: التلميذ.

… … … … وَلكِنْ حَسِبتُني

*إذا مسحلٌ سدّى ليَ القولَ أنطق

مسحل: اسم شيطان كان الأعشى يزعم أنه يُعينه على قول الشعر ويلقنه إياه.

يقول: “شريكان” -أي: هو ومسحل هذا:

شَريكانِ فيما بَينَنا مِن هَوادَةٍ

*صَفِيّانِ جِنِّيٌّ وَإِنسٌ مُوَفَّقُ

يَقولُ فَلا أَعيا لِشَيءٍ أَقولُهُ

*كَفانِيَ لا عَيٌّ وَلا هُوَ أَخرَقُ

جِماعُ الهَوى في الرُشدِ أَدنى إِلى التُقى

*وَتَركُ الهَوى في الغَيِّ أَنجى وَأَوفَقُ

يقول الأعشى: إنه وهذا الجني متوافقان، هو ليس عييًّا، وشيطانُه كذلك ليس عييًّا، وليس بأخرق، وهما في الهوى متفقان، وهو يستقبل الشعر من هذا الجني.

ثم يقول الأعشى -بعد ذلك:

وكم دون ليلى من عدو وبلدة

*وسَهب به مستوضح الآل يبرق

وأصفر كالحناء طام جِمامُه

*إذا ذاقهُ مستعذبُ الماءِ يبصقُ

وَإنّ امْرأً أسْرَى إلَيْكِ وَدُونَهُ

*فَيَافٍ تَنُوفاتٌ وَبَيْداءُ خَيْفَقُ

لمَحْقُوقَة ٌ أنْ تَسْتَجيبي لِصَوْتِهِ

*وأنْ تعلمي أنّ المعانَ موفَّقُ

يقول: إن امرأة اسمها “ليلى” يسافر إليها، فيقطع في سفره الفيافي البعيدة والصحراء المخوفة، ويمر على ماء آسن متغير، لونه أصفر يشبه الحناء، إذا ذاقه المرء ليشرب منه لا يستطيع استساغته، فيبصقه، وهو يعظم الحق على هذه المرأة، ويقول: إنها محقوقة أن تستجيب لصوته؛ إذ صار إليها من هذا البعد وسلك إليها كل هذه الفيافي المخوفة، ثم يقول الأعشى:

لَعَمرِي لَقد لاحَتْ عُيُونٌ كَثيرَة ٌ

*إلى ضَوءِ نَارٍ في يَفَاعٍ تُحَرَّقُ

تُشَبّ لمَقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيَانِهَا

*وَبَاتَ عَلى النّارِ النّدَى وَالْمُحَلَّق

رضيعيْ لبانٍ ثديَ أمًّ تحالفا

*بِأسْحَمَ داجٍ عَوْضُ لا نَتَفَرّقُ

يداكَ يدا صدقٍ فكفٌّ مفيدة

*وأخرى إذا ما ضُنّ بالزّادِ تنفقُ

ترَى الجُودَ يَجرِي ظاهرًا فوْقَ وَجهه

*كمَا زَانَ مَتنَ الهِندُوَانيّ رَوْنَقُ

وهذه الأبيات يقال: إنها هي التي رَوجت بنات الْمُحَلَّق، يقال: إن الْمُحَلَّق هذا كان رجلًا فقيرًا وعنده بنات كثيرات، ولما نزل عليه الأعشى؛ أكرم وفادته وذبح له، فقال الأعشى مادحًا إياه هذه الأبيات، فاشتهر أمر هذا الرجل، وعرف بالكرم بين الناس، وذهب الخطاب، فتزوجوا بناته.

وقوله: “وبات على النار الندى والْمُحَلَّق”: كناية عن تلازم الكرم والرجل، فهو والكرم متلازمان.

وقوله:

ترَى الجُودَ يَجرِي ظاهرًا فوْقَ وَجهه

*كمَا زَانَ مَتنَ الهِندُوَانيّ رَوْنَقُ

يقول: إن علامات الكرم تزين وجهه، كما يزدان السيف الهندواني برونقه الذي يزيده جمالًا. ثم يقول الأعشى:

وأما إذا ما أوّبَ المحلُ سرحهمْ

*ولاحَ لهمْ منَ العشيّاتِ سملقُ

نَفَى الذّمَّ عَنْ آلِ الْمُحَلَّق جَفنَةٌ

*كَجابيَة ِ الشّيْخِ العِرَاقيّ تَفْهَقُ

يقول: إذا المَحْل والفقر أرجع الدواب ونظر الناس حولهم، فلم يجدوا إلًّا قاعًا صفصفًا لا نباتَ فيه، في هذه الحالة: آلُ الْمُحَلَّق ينقذون الناس من مجاعتهم، ويقدمون لهم الجَفنة العظيمة من الطعام التي يفيض الطعام منها. “نَفَى الذم عن آل الْمُحَلَّق جفنةٌ”: والجفنة: إناء عظيم يوضع فيه الطعام، ويشبهها الأعشى بالجابية -جابية الشيخ العراقي- وتفهق: أي: تفيض، والجابية معناها: الحوض الضخم، الشيخ العراقي: قيل: إنه أراد به كسرى.

يَرُوحُ فَتى صِدْقٍ وَيَغْدُو عَلَيهمُ

*بمِلْءِ جِفَانٍ مِنْ سَدِيفٍ يُدَفَّقُ

 السديف: شحم السنام.

وَعَادَ فَتى صِدْقٍ عَلَيْهِمْ بجَفنَةٍٍ

*وسَوْداءَ لأيًا بِالمَزَادَةِِ تُمْرَقُ

 السوداء: أراد بها القِدر المسودة لكثرة الطبخ فيها؛ فهو هنا يقدم لنا صورة للفتيان الذين يذهبون ويجيئون بجِفان الطعام المملوءة العظيمة يقدمونها للناس.

ترى القومَ فيها شارعينَ ودونهمْ

*من القَوْمِ وِلدانٌ من النّسلِ دَرْدَقُ

دردق: أي: أطفال، يقول: إن القوم يمدون أيديهم في هذه الجفان، يتناولون منها ما يريدون من الطعام، وحولهم وِلدان كأنهم يخدمونهم.  ثم يقول الأعشى:

طويلُ اليدينِ رهطهُ غيرُ ثنية

*أشمُّ كريمٌ جارهُ لا يرهَّقُ

وهذا ثناء على الْمُحَلَّق، ثم يقول في آخر القصيدة:

كذلكَ فافعلْ ما حييتَ إليهم

*وَأقْدِمْ إذا ما أعيُنُ النّاسِ تَبْرَقُ

وأعين الناس تبرق: كناية عن التأخر إذا وجب التقدم، ولا يتأخر إذا وجب التقدم إلا الجبناء والبخلاء.

وبهذه القصيدة مدح الأعشى الْمُحَلَّق، ورفع من شأنه، وروجت هذه القصيدة لبناتِ الْمُحَلَّق فتزوجن.

لعلك تلاحظ: أن هذه القصيدة ليست غريبة في ألفاظها ككثير من القصائد التي مرت عليك، فاللغة رقيقة وسهلة، ويبدو أن الأسفار التي قام بها الأعشى وغشيانه للممالك وقصور الملوك، رقَّقَ طبعه، وهذب لغته، وجعلها لغة سهلة وصياغة رقيقة -على نحو ما رأينا.

ومن أثر ذلك أيضًا: أننا نجد ألفاظًا فارسيةً ليست عربية في هذه القصيدة، ونجد كذلك ألقابًا لملوك الفرس: كسرى، وشاهِنْشاه… وغير ذلك، ووجدنا فيها إشارات تاريخية تدل على الثقافات التاريخية للأعشى، فقد ذكر -بالإضافة إلى كسرى، وإلى ساسان، ومورق ملك الروم: عاديًا وقصره الذي ذكر أن سليمان هو الذي بناه، وكل هذا من الإشارات التاريخية التي تدل على الثقافة التي حصلها الأعشى من خلال أسفاره ورحلاته.  ولعله مما يلفت النظر أيضًا: إشارة الأعشى إلى الجِني الذي يلقنه الشعر، وقد سماه “مِسحلةً”.

ومن الجدير بالملاحظة أيضًا في هذه القصيدة: أبياته التي مدح بها الْمُحَلَّق، والصورة التي قدمها للولائم التي يقدمهما هذا الرجل للفقراء والموعزين، وقد كان المدح من أكثر الموضوعات التي قال فيها الأعشى، ومعاني المديح عنده لا تفترق عن المعاني العامة في مدائح الجاهليين؛ فهو يمدح بالكرم والوفاء والشجاعة، وإعانة الضعفاء، إلى غير من الصفات التي مدحه بها.

لكن الأعشى أسرف على نفسه في المديح، والاستجداء به، والتكسب بالشعر، فَغَضَّ ذلك من مكانته؛ فهو في المديح يصدر عن رغبة في العطاء، وقد يكون ذلك من أثر الحضارات التي ألم بها في طوافه، فإننا نجده يطوف في أطراف الجزيرة العربية، يمدح السادة والأمراء، ذاكرًا ما يفيضون عليه من الإبل والجياد والإماء، وصحاف الفضة، وثياب الخَز، والديباج، منوهًا في أثناء ذلك بسؤاله لهم، غير مبقٍ على شيء من نفسه.

ومن الجدير بالذكر أيضًا عن هذا الشاعر: أنه شاعر الخمر واللهو والغناء، وصف مجالسها كثيرًا في شعره، ومن العجيب أن تقترن وفاته بما يدل على رغبته في الاستمرار عليها، فَلَّمَا أراد أن يسلم وأعلمه القرشيون أن الإسلام يحرم عليه الزنا والخمر والربا والقمار، عاد عن فكرة إسلامه ورجع إلى قومه؛ فمات مقتولًا في الطريق؛ إذ رمت به ناقته فماتَ.

error: النص محمي !!