Top
Image Alt

الأغراض الاقتصادية لتشريع الضريبة في الإسلام

  /  الأغراض الاقتصادية لتشريع الضريبة في الإسلام

الأغراض الاقتصادية لتشريع الضريبة في الإسلام

ثالثًا: الأغراض الاقتصادية:

للضرائب الإسلامية أغراض اقتصادية؛ حيث اتّخذت وسيلة لإعادة توزيع الدّخل بين الأفراد، ووسيلة للتنمية الاقتصادية والتوجيه الاقتصادي، ولحماية اقتصاد الدولة الإسلامية.

1. إعادة توزيع الدّخل:

رأينا أنّ الإسلام لا يقرّ تقسيم المجتمع إلى طبقات من الناحية الاجتماعية؛ فإن الفوارق الكبيرة بينهم في الدخول قد يترتّب عليها تقسيم المجتمع إلى أغنياء لا يؤدّون حقوق الفقراء، وإلى فقراء يحقدون على الأغنياء؛ فيترتّب على ذلك مفاسد يحرص الإسلام على حماية المجتمع منها، حيث لا يعلم خطرَها إن اشتد خطبُها إلاّ الله وحده.

وقد هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه إلى المدينة المنورة، وترك أغنياء المهاجرين أموالهم بمكة، واستقبلهم الأنصار وآخَوْهم في أموالهم، ومع ذلك كانت الفجْوة بين المهاجرين وأغنياء المدينة موجودة. وفي هذا يقول الله تعالى: {مّآ أَفَآءَ اللّهُ عَلَىَ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىَ فَلِلّهِ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَآءِ مِنكُمْ} [الحشر: 7]، ولكي لا يكون المال دولة بين الأغنياء، كان لا بد وفقًا لِما نسمِّيه في اقتصاديات اليوم من إعادة توزيع الدخل، فليس لأحدهم أن يحبس ما في يده من هذا المال عن غيره إذا كان في حاجة ماسة إليه. وحدّد الشارع لإعادة التوزيع طُرقًا كان من بينها: الإنفاق جبرًا كالزكاة والضرائب فيما بعد.

ومن ثَمّ كان من أسباب معارضة عمر بن الخطاب لتقسيم السواد: أنّ هذه الأموال ستءول بطريق الميراث إلى الأولاد والأحفاد، ممّا يجعل جزءًا كبيرًا من هذه الأموال في أيدي أشخاص قليلين، فأبقى الأرض بأيدي أهلها، وفرض عليهم ضريبة الخراج تءول إلى الدولة، وتتولّى توزيعها على مصالح الأمّة بمعرفتها. وفرْض الضرائب على الأغنياء وتوزيعها على المحتاجين يُحقِّق الهدف الذي نقصده بعبارة: إعادة توزيع الدّخل، إذ إن توزيع الضرائب فرع عن فرضها، فهي تُفرض لكي تُوزّع.

2. التنمية الاقتصادية:

اتُّخذت الضريبة في الإسلام أداة للتنمية الاقتصادية، بواسطة صرف جزء من حصيلتها على المشروعات الإنتاجية. ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لواليه على مصر: “ولْيكنْ نظرك في عمارة الأرض أبلغَ من نظرك في استجلاب الخراج؛ لأن ذلك لا يدرك إلاّ بالعمارة. ومَن طلب الخراج بغير عمارة، خرَّب البلاد وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلاّ قليلًا”.

فإذا رأى وليّ الأمر أنّ هناك أرضِين غامرة، وأنهارًا إذا حُفرت وأُجري ماؤها صلحت الأرض وزاد إنتاجها وبالتالي زاد خراجها، فعلى وليّ الأمر أن ينفق عليها من بيت المال، ولا يكلِّف أهل البلد بالنفقة؛ فإنهم إن يعمروا خيرًا من أن يخربوا. فكل ما يحقّق التنمية الاقتصادية ينفق عليه من بيت المال الذي يتكوّن معظم وارداته من الضرائب.

وهكذا اتُّخذت الضرائب الإسلامية لتحقيق التنمية الاقتصادية، وسواء كانت هذه التنمية إحدى غايات الضريبة أو كانت وسيلة لفرْضها، فإنّ ذلك يحقِّق القول بأنّ التنمية الاقتصادية إحدى أغراض الضريبة.

بل يمكن القول بأن أهداف الضريبة الإسلامية: تشجيع المموّل على زيادة إنتاجه، وذلك بتحصيل الضريبة منه برفق وفي الوقت المناسب، إلى جانب إصلاح الخراج على نفقة الدولة ليزيد الإنتاج.

ولا تُؤخذ ضريبة على الأرض العامرة التي لم يستغلّها أهلها حتى لا يزيد في فقرهم، ممّا يطيل مدة تعطّلهم عن العمل. وإذا أجدب العامر، فيؤخَذ من أهله برفق وتسكين لهم، حتى لا يهجروها؛ كلّ ذلك خوفًا من الأضرار الاقتصادية التي تترتّب على ترْك الأرض.

وقد اتّخذ الخلفاء من الضريبة وسيلة تساعد على الزراعة؛ فحين وجّه أبو بكر خالد بن الوليد إلى العراق، أوصاه بألاّ يأخذ من الفلاحين أيّ شيء من المال. وحين بعث عمر بن الخطاب عثمان بن حنيف لمساحة العراق، راعى في كلّ أرض ما تحتمله. ويُروى أنه أعفاهم من ضريبة النخل، عونًا لهم. وكذلك فإنّ أراضى الصوافي التي ضُمّت إلى بيت المال -وهي الأراضي التي بقيت دون مالِكين بعد جلاء أهلها عنها- أخذ الخلفاء يقطعونها كما فعل عثمان بن عفان. ومعنى يقطعونها أي: يعطونها لمن يَقوى على استغلالها، على سبيل المنحة لهم ولأولادهم، كما في (المعجم الوسيط)، لأنّ ذلك أوفر لغلّتها من تعطليها.

3. الحماية الاقتصادية:

تتضح هذه الحماية أكثر في فرض العشور على التجار، حيث إنّ من أغراض ضريبة العشور: حماية اقتصاد الدولة الإسلامية من منافسة الدول المجاورة لها والتي سبقتها في الميدان الاقتصادي؛ ذلك أنّ تجار المسلمين يدفعون العشور إذا دخلوا دار الحرب، فوجب فرض العشور على تجارتهم إذا دخلوا دار الإسلام لئلا يكون في ذلك تمييز لبضائعهم وترويج لها، وفي ذلك إجحاف باقتصاد المسلمين، وهذا ما تفعله الدول الحديثة. فمن بين أهداف الضريبة الجمركية أو العشور: حماية الإنتاج المحلِّي من المنافسة؛ فلا تستطيع الدولة إغلاق أبوابها في وجْه السلع الأجنبية لئلا تحصل ردود فعل من الدّول الأخرى.

ولكنها تستطيع أن تحدّ من استيراد السلع الأجنبية المنافسة للإنتاج المحلِّي برفع سعر الضرائب الجمركية مثلًا، أو تتبّع بشأنها نظام الحصص، أو بأي شكل تراه مناسبًا لحماية اقتصادها وإنتاجها ومصالح شعبها.

4. التوجيه الاقتصادي:

تحرص الدولة الإسلامية على رعاية مصالح الأفراد حرْصَها على رعاية مصلحة الجماعة. وقد اتُّخذت الضريبة في الإسلام أداة للتوجيه الاقتصادي؛ فقد جاء في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمْره بالاتّجار بمال اليتيم حتى لا تأكله الصدقة. والمقصود هنا: الزكاة وهي تعادل: 2.5 % أو ربع العشر من رأس المال والدخل -كما أشرنا من قبل-. وبالقياس، فأنه يمكن القول بوجوب الاتّجار في مال اليتيم حتى لا تأكله الضريبة، التي هي في الغالب أعلى سعرًا من الزكاة، وإن كانت الضريبة لا تفرض في الغالب إلاّ على الدّخل إلاّ أنها قد تفرض أحيانًا على رأس المال.

ومن ثَمّ يجب الاتّجار بمال اليتيم حتى لا تأتي عليه الضريبة، أي: لا تأكله الضريبة أو تقضى عليه بنسبة ما.

وقد أمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بتخفيض ضريبة العشور إلى النصف بالنسبة للمواد الغذائية كالحبوب والزيوت، فكان يأخذ من النبط نصف العشر عن الحنطة والزيت ليكثر الحمل إلى المدينة، فإذا زادت الواردات رخصت الطعام وصار في متناول الجميع. ولا شكّ أن في ذلك توجيهًا اقتصاديًّا عظيمًا. فخفْض الضريبة إلى النصف يدفع التجار إلى حمل بضائعهم إلى الأقاليم التي تحتاجها، وهذه الفكرة تلعب دورًا مهمًّا في الاقتصاد في العصر الحديث. فالدول تخفِّض الضرائب أو تُلغيها عن الموارد الضرورية. وقد تمنح إعانات لمستوردي هذه المواد.

وقد تُعفي بعض الدول المواد اللازمة لبناء اقتصادها من الضرائب الجمركية، بل إنّ الدول المصدِّرة تحاول أن تكون الرسوم الجمركية على صادراتها في البلاد المستوردة أقلّ ما يمكن لكي يزداد الطلب على هذه الصادرات.

5. الغرض المالي:

وهو: الحصول على المال للإنفاق على المرافق العامة. ويتضح الغرض المالي للضريبة حين رفض عمر بن الخطاب رضي الله عنه تقسيم السواد، وفرض الخراج على الأرض لتبقى مصدر دخل للأجيال الحاضرة والمستقبلة.

فقد قال علي بن أبي طالب أثناء مناقشة عمر مع الصحابة حول تقسيم الأرض: “دعْهم يكونون مادة للمسلمين”، ولفظة “مادة” تدل على أنهم يقصدون من الضريبة غرضًا ماليًّا. وكونهم يهدفون إلى شحن الثغور بالجند وحماية الأقاليم المفتوحة من الانتكاسات.

كلّ ذلك يحتاج إلى المال؛ فإبقاؤهم الأرض بأيدي أهلها وفرض الخراج عليها، يحقّق هذا الهدف بالتأكيد، وهو: الحصول على المال لتحقيق هذه الأغراض.

وبذلك نكون قد بيّنّا بإيجاز أهمّ أغراض تشريع الضرائب في الإسلام وفي الفكر السياسي المعاصر على السواء.

error: النص محمي !!