Top
Image Alt

الأقطاب التي يقوم عليها التوريث

  /  الأقطاب التي يقوم عليها التوريث

الأقطاب التي يقوم عليها التوريث

يقوم التوريث الإسلامي على ثلاثة أقطاب:

أولها: أنه يعطي الميراث للأقرب إلى المتوفى الذي يعتبر شخصه امتدادًا في الوجود لشخصه، من غير تفرقة بين كبير ولا صغير، ولذلك كان أكثر الأسرة حظًّا في الميراث الأولاد، ومَن ينتسبون إليه، لا ينفرد به فريق دون فريق، ومع أنهم أكثر الناس حظًّا في الميراث لا يستأثرون به، بل يشاركهم فيه غيرهم، ولا يكون مجموع ما يستحقون أقل من النصف قط، وإن مشاركة غيرهم بنحو النصف أحيانًا هو لمنع تركيز المال في ورثة بأعيانهم، فالأبوان إذًا يأخذان الثلث، ويكون مَن بعدهما لأولادهما، وهم إخوة المتوفى يؤول إليهم نصيب الأبوين، فيكون الاشتراك في المال بدل الانفراد، وإن لم يكن أبًا فقد يأخذ الإخوة مع الأولاد كما رأيتَ في حال الفرع الوارث المؤنث، مع أن الإرث كان للأقرب، لم يكن الإعطاء على سبيل الاستئثار بل على سبيل الاشتراك.

وثانيها: ملاحظة الحاجة، فكلما كانت الحاجة أشدَّ كان العطاء أكثرَ، ولعل ذلك هو السر في أن نصيب الأولاد كان أكثرَ من نصيب الأبوين، مع أنه من المقرر شرعًا: أن للأبوين في مال ولدهما نوعَ مِلكٍ كما ورد في الحديث الشريف: ((أنت ومَالُك لأبيك))؛ ولكن لأن حاجة الأولاد إلى المال أشد؛ لأنهم في غالب الأحوال ذرية ضعاف، يستقبلون الحياة، ولها تكاليفاتها المالية، والأبوين في الغالب لهما من المال فضل، وهما يستدبران الحياة، فحاجتهما إلى المال ليست كحاجة الذرية الضعاف. وفوق ذلك، فإن ما يرثانه يكون لأولادهما، ولا يكون للذرية من طريف مالهما وتالده شيء؛ لأن أباهما ماتَا، وهما على قيد الحياة، فكان لا بد أن يكون حظ الذرية وفيرًا.

وإن ملاحظة الأكثر احتياجًا هي التي جعلت للذكر ضعف الأنثى، ذلك بأن التكليفات المالية التي تطالب بها المرأةَ في كل الأمم دون التكليفات المالية التي يطالب بها الرجل، فهو المطالَب بنفقة الأولاد وإصلاحهم، وهو يمدهم بحاجاتهم، وأن الفِطرة الإنسانية هي التي جعلت المرأة قوامةً على البيت، والرجل عاملًا كادحًا لتوفير القوت، فكان هذا داعيًا لِأَن يطالَب هو بتقديم المال، وتطالب هي بتدبير البيت.

وهذا بلا شك يجعل حاجة البنت إلى المال دون حاجة الابن، وحاجة الأخت دون حاجة الأخ، وإن الإعطاء على مقدار الحاجة، والعدل والمساواة عند تفاوت الحاجات هو الظلم، فأولئك الذين يتكلمون في مساواة الرجل بالمرأة في الميراث لا يسيرون وراء المساواة العادلة، بل يسيرون وراء المساواة الظالمة.

وثالثها: إن الشرع الإسلامي في توزيعه التركة يتجه إلى التوزيع دون التجميع، فهو لم يجعل وارثًا يستبد بها دون سواها، فلم يجعلها للولد البكر، ولم يجعلها للأبناء دون الآباء، ولم يطلق يدَ المورث يختص بها من يشاء من حلفائه، بل وَزَّع كل تركة بين عدد من الورثة، والصورة التي يستبد فيها وارث بالتركة كلها نادرة جدًّا، وهي تكون حيث يقل الأقارب. ما كان نظام التوريث ليخلق القرابة، بل ليوزع بينهم بمقدار قربها وقوتها.

لذا ترى الأولاد جميعًا يشتركون في الميراث، فقد يشاركهم فيه أولادُ الأولادِ، وإن كانوا آباء فإنهم يشاركونهم لا محالة، وإذا انتقل الميراث من عمود النسب إلى الحواشي، ويوزع بينهم من غير أن تستبد قرابة دون قرابة، فإذا كانوا إخوة أشقاء ولأم ولأب يوزع بينهم الميراث. في كثير من الأحوال فأولاد الأم يأخذون مع أولاد الأب والأم، مع تعارف الناس في كل العصور على أن أولئك أقرب رحماً وأوثق صلةً، وهم نصراؤه وأعوانه، ولكن لكي لا تتجمع التركة في حيز واحد أعطوا منها. وليس إعطاء أولاد الأم؛ لتوزيع التركة وعدم تجميعه فقط، بل إن ذلك أيضًا لنصرة الأمومة، وإعلان قوة علاقتها، وأنها تربط الأولاد كما يربط الأب بين أولاده.

وهو رد قوي صريح لما كان يجري عليه عرف العرب من عدم اعتبارهم قرابةَ الأم، بل هو فوق ذلك من شأنه أن يشعِر الإخوة الذين تربط صلة الأمومة بينهم؛ لأنهم لا يقلون قوةً في علاقتهم عمن تربطهم صلة الأبوة، ثم هو فوق هذا وذلك يجعل الأولاد لا ينفرون من زواج أمهاتهم، ولا يعضلوهن؛ لتوهم عار أو نحوه؛ لأنهم يعلمون أنهم بهذا الزواج يصلون قربات بقرابتهم، ويزيدون الأنصار والأولياء، والله بكل شيء عليم.

ولقد كانوا يرثون مع وجود الأم؛ ليتحقق لهم نصيب موفور لا قدر ضئيل؛ لأن الأم إن حجبتهم لا يؤول إليهم من نصيبهم إلا قدر ضئيل، وهو ما يشتركون فيه مع سائر أولادها، فيخصهم قدر غير كبير، بينما يأخذ أولاد الأب قدرًا كبيرًا؛ لأن الأم لم تحجبهم، فلقد كان مَن يحجبهم هو مَن يحجب أولاد الأب تقريبًا، إذ لا يمتاز أولاد الأب عنهم، إلا أنهم يأخذون مع الفرع الوارث المؤنث، وهم في ذلك الحال لا يستحقون فرضًا، بل يستحقون باعتبارهم أولى عاصب.

ومما بُنِيَ على فكرة التوزيع دون التجميع ما قرره العلماء: أن مَن أدلي إلى الميت بوارث يُحجب عند وجود ذلك الوارث، وإذًا لو كان كلاهما يرث لكان ذلك جمعًا للتركة في حيز واحد، فلو كان الأب وأبوه يرثان لكان ذلك تجميعًا لشطر كبير من التركة في حيز واحد، ولو كان الابن وابنه يرثان بقدر واحد لكان ذلك تجميعًا، ولو كانت الأم وأمها ترثان لكان ذلك تجميعًا أيضًا، وكذلك العم وابنه، وهكذا.

وإن تأخير ذوي الأرحام عن غيرهم في الميراث، إنما ذلك لأنهم -وأن وصلتهم الرحم- يعدون من أسرة أخرى غير أسرة المتوفى -كما ذكرنا- ولهم ثروات آلت إليهم من أسرهم، فكان المعقول ألا يُعطوا إلا في حال عدم وجود أحد من أسرة المتوفى وأقاربه الأدنين -أي: الأبعدين-.

إن توريث المولى الذي أعتق، وإجماع المسلمين على ذلك تقريبًا، وردت به الآثار الصحاح؛ به أمر يشجع على العتق وفَك الرقاب؛ لأنه إذا علم المعتق أنه قريبُ مَن أعتقه، وأنه وليه فيما يترك من مال، وأنه خليفته، وأنه في المنزلة يكون قريبًا من أخيه وعمه، بل أسبق من خاله وابن أخيه وابنة أخيه، على ما يقول الفقهاء، أقدَمَ على الإعتاق؛ ليزيد من قرابته، ويجعلَه وليًّا ونصيرًا بعد أن كان متاعًا وشيئًا.

فكأن العتق يكون ظلمًا للمعتق، وإن كان في ظاهره غرمًا، إنها قسمة الله العادلة، وتوزيعه الحكيم، ولقد بينه الله؛ لكي لا يضل الناس، وإن ضلوا من بعد، فعن بينة وسلطان من الحق المبين، وتعظم التبعة، ويخف الميزان بين يدي الديان. وقد قال تعالى في بيان المواريث بعد أن تولَّى توزيعَ التركات بنفسه:  {يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم} [النساء: 176].

هذا، وبالله تعالى التوفيق، وصل اللهم وأنعم وزِدْ وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

error: النص محمي !!